|
حول تصريحات البابا .. وحقيقة الصراع (1)
محمد عبد الله الخطيب قضية البابا وتخريفاته وتطاوله على الله وعلى دينه وعلى عباده هي قضية لها جذور عميقة تُعبر عن كراهيته للإسلام ولدين الإسلام، الحق- تبارك وتعالى -في سورة الصف يُبين هذه الوقفات والاتهامات في وجه الدين الحق وقفة العداء والكيد والتضليل والحرب بشتى الوسائل والطرق، الحرب الشعواء التي لم تضع أوزارها حتى اليوم، حاربوه بالاتهام وحاربوه بالدس والوقيعة وحاربوه بالتآمر، وحاربوه بالإشاعات الباطلة، يقول - تعالى -في بيان هذه الحقيقة التي يجب آلا تغيب عن مسلم (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) (سورة الصف: آية 8-9)
وإلا فبماذا نُفسر ما حدث للمسلمين العُزل في البوسنة والهرسك، لقد سُئل أحد العُتاة من الذين يحاربون المسلمين: "إن المسلمين في البوسنة والهرسك لم يتعمقوا في الإسلام بل إنهم يقتربون منكم في حياتكم، فما سر هذا العدوان والقتل والتدمير؟ " قال بالحرف الواحد: نحن نشم فيهم رائحة الإسلام.
الحقيقة الثانية هي أن الغرب يُؤلهون العقل، بمعنى أنه لا شيء فوقه في الوجود، فكل شيء عندهم يمر من قناة العقل لإثباته أو نفيه، وهو مذهب قديم في تاريخ البشرية، ونشأ عن هذا العقل الكثير من الانحرافات، وأول انحراف هو محاولة اقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به، فضلاً عن أن يحيط به أو بكهنه في قضية الذات الإلهية، فكل ما يوافق العقل يقبلوه وكل ما يخالف عقولهم يرفضوه، وهنا أمر يجب أن ننتبه إليه لندرك الطامة التي تتزعمها العلمانية والمادية في أوروبا وغيرها، إنه لا توجد حقيقة غير خاضعة للعقل، والسبب في خطورة هذا الأمر أنه هناك حقائق كبرى كثيرة لا يستطيع العقل أن ينظر فيها، وأن العقل في حدود وظيفته وقدرته ليس مُكلفًا بهذه الحقائق وليست له القدرة أو لديه الأجهزة التي تمكنه من ذلك.
ومن بداهات العقل أن الكون مصنوع وكل مصنوع لابد له من صانع، ولذلك فإن الإلحاد الأعمى في أوروبا وغيرها يٌصادم العقل في البديهيات، والإسلام لم يرشدنا إلى أي شيء يعارض العقل والفطرة، فالشريعة تطابق العقل والفطرة، وعوالم الغيب من وجود ملائكة وجنة ونار وثواب وعقاب كلها أمور يدركها العقل ولا تٌجافى أحكامه.
ومن هنا يجيء الإسلام الشامل يخاطب العقل والروح ويخاطب العاطفة والوجدان، يخاطبهم جميعاً بالبرهان والحس والتاريخ والعبرة، والذي فتن أوروبا أنهم لما رأوا العقل يٌبدع في عالم المادة إبداعاً لا حدود له من اختراعات جبارة لا تُنكر، فٌتنوا وخلطوا الأمور بين ما خُلق العقل لأجله وهو التفكير والتدبر والاختراع في عالم المادة، فقالوا إنه أيضاً من عالم غير المادة لا شيء يبعد عن العقل ونسوا أو تناسوا أن العقل لم يٌخلق لهذا.
"ولو رجع البابا وكان يبغى الوصول إلى الصواب لوجد علماء الإسلام يقولون أن العقل أساس النقل ولولا العقل ما قام النقل وما ثبت الوحي لثبوت النبوة لا يتم إلا بالعقل وثبوت النبوة لشخص معين لا يتم إلا بالعقل"[1]
الإسلام لا ينكر العقل بل يٌجِله ويحترمه ويؤمن به ويعتبره محطة، ويعتبره الأساس، لكنه فيما خُلق له لا في أمور الغيب، أما الكلمات التي توحي بالسطحية والإساءة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا الدين العظيم، التي طالت كل مسلم وطالت مؤسسات المجتمع المدني العربية والإسلامية، فهي تنم عن تعصب أعمى وعن حقد وكراهية للدين الإسلامي، والإسلام يؤكد على حرية الرأي والتعبير.
والمسلمون قد هالهم هذه الافتراءات ولذلك يطالبون بالاعتذار الرسمي عن هذا العمل، على أن يُعمل على نشر صورة صحيحة عن هذا الدين العظيم- الدين الإسلامي- بدلاً من الاعتماد على الأكاذيب والأباطيل، وعلى حكام المسلمين أن يقولوا كلمة لهؤلاء الذين يتطاولون ويعتدون.
المسلمون جميعاً يدعون إلى التسامح ويؤمنون به وهو عقيدة عندهم، ونحن كمسلمين نرفض التعصب والحقد والتطاول آياً كان مصدره، ونحن ندعو إلى التعايش السلمي بين جميع الشعوب ونرفض العنف والاندفاع، بل نُجرمه وندعو دائماً وأبداً إلى التلاقي والتفاهم وبناء الجسور بين الشعوب على الثقة وعلى أساس الحوار، ونرفض الصدام والإرهاب، لكن لا يمكن أن تنقلب الموازين فيُقال زوراً وظلماً على الذي يدافع عن وطنه وعن دينه وعرضه وعن أمته في فلسطين أنه إرهابي بل أنه مجاهد أنه صاحب أخلاق أنه رجل، أما الإرهابي، أما العدو فهو الذي يعتدي على الناس ويقتلهم ويشردهم ويقطع أرزاقهم ويحتل ديارهم.
هذه الموازين يجب أن يقول بها الجميع وإلا فلا قيمة لأي شيء نحن صناع السلام، فالسلام شعار عندنا في اللقاء بين المسلم وغير المسلم وفي الصلاة حتى في الآخرة، تقول الملائكة للمؤمنين: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (سورة الزمر: آية 73)، والجنة اسمها السلام: (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون) (سورة الأنعام: آية 127)، إما أن توضع الموازين الحقيقة موضع الاعتبار وتُحترم إرادات المسلمين وحرياتهم وتُقدر مشاعرهم ودينهم ونبيهم وخالق الكون - جل وعلا -، إما أن تحترم هذه الحقائق الكبرى، وإلا فقد أذِن الله لنا أن نرد عن أنفسنا، وعلى الباغي تدور الدوائر: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير) (سورة الحج: آية 39).
وأخيراً فنحن نشير إلى قوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) (سورة الصف: آية 9).
هذه جوانب أساسية في حقيقة المعركة وحقيقة الافتراء وحقيقة الكيد والنتيجة رغم كيد الكائدين وتطاول المتطاولين، فالدين الإسلامي ظاهر على كل شيء وواضح في حقيقته أنصع من الشمس في رابعة النهار (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونْ) (سورة يوسف: آية 21). |