بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد...
فإنه قد كثر في هذا العصر استعمال بعض الأفاضل من المهتمين بعلم الحديث الشريف اصطلاح: ((صححه الحاكم، ووافقه الذهبي))، فيما أورده الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في كتابه: ((تلخيص المستدرك)) من كلام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري - رحمه الله تعالى -، ومعتبرين أن مجرد سكوت الذهبي على كلام الحاكم هو موافقة منه له.
وحقيقة أن استعمال هذا الاصطلاح في غاية البعد عن الصواب، لأن موضوع كتاب ((تلخيص المستدرك)) ما هو إلا تلخيص للأحاديث – إسنادًا ومتنًا – مع تلخيص أقوال الحاكم في أقواله على مروياته فحسب، إضافة إلى بعض التعقبات التي يوردها الذهبي على هذه الأقوال.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أنها مخالفة لصنيع الإمام الذهبي في تعامله مع كثير من مرويات الحاكم عندما يوردها في مصنفاته الأخرى، فتجده يخالفه في تصحيحه للأحاديث بكونها على شرط الشيخين، أو أحدهما، مع أنه سكت عليها في اختصاره للمستدرك.
ولعلمي أن هذه النقطة بالذات هي خير شاهد على أن ما سكت عليه الذهبي في تلخيصه لمستدرك الحاكم ليس موافقة منه له، أحببت أن أورد لإخواني الأفاضل – حفظهم الله تعالى - مجموعة من المرويات التي صححها الحاكم في مستدركه، وسكت عليها الذهبي في التلخيص، ثم قام الذهبي بتضعيفها في مكان آخر في أحد تصانيفه.
ومن هذه المرويات:
1- روى الحاكم في المستدرك (1/544-545) حديثًا في إسناده أحمد بن محمد بن داود الصنعاني من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ((نزل جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحسن صورة لم ينزل في مثلها قط...)) الحديث.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد فإن رواته كلهم مدنيون ثقات)).
اختصر الذهبي هذه المقولة في التلخيص إلى: ((صحيح رواته ثقات)).
ثم ترجم في الميزان (1/136) لأحمد بن محمد بن داود الصنعاني وقال: ((أتى بخبر لا يحتمل)) ثم أورد حديثه هذا، ثم قال: ((قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: كلا.
قال: فرواته كلهم مدنيون.
قلت: كلا.
قال: ثقات.
قلت: أنا أتهم به أحمد)).
2- روى الحاكم في المستدرك (2/545) حديثًا من رواية عمر بن إبراهيم العبدي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد سمته عبد الحارث...)) الحديث.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه)).
فاختصر الذهبي كلام الحاكم في التلخيص بقوله: ((صحيح)).
ثم أورد هذا الحديث في الميزان لما ترجم لعمر بن إبراهيم العبدي بقوله: ((صححه الحاكم، وهو حديث منكر كما ترى)).
3- روى الحاكم في المستدرك (1/473) من طريق محمد بن حبيب الجارودي قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ماء زمزم لما شرب له...)) الحديث.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي ولم يخرجاه)).
وكذا نقل الذهبي قول الحاكم في التلخيص، دون جملة: ((ولم يخرجاه)).
ثم أورد الذهبي في الميزان (3/185) هذه الرواية بهذا الإسناد وقال: ((فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط؛ بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا)).
4- روى الحاكم في المستدرك (1/169) من طريق ثور، عن راشد بن سعد، عن ثوبان - رضي الله عنه -قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فأصابهم البرد...)) الحديث.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ)).
اختصر الذهبي كلام الحاكم في التلخيص بقوله: ((على شرط مسلم)).
ثم أورد في السير (4/491) هذه الرواية من طريق ثور، ثم قال: ((إسناده قوي، وخرجه الحاكم فقال: على شرط مسلم، فأخطأ: فإن الشيخين ما احتجا براشد، ولا ثور من شرط مسلم)).
5- روى الحاكم في المستدرك (1/27-28) من طريق كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم...)) الحديث.
قال الحاكم: ((صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر)).
اختصر الذهبي كلام الحاكم في المختصر بقوله: ((احتج مسلم بكلثوم)).
ثم لما ترجم الذهبي لكلثوم بن جبر في الميزان (3/413) أورد هذا الحديث في مناكيره.
6- روى الحاكم في المستدرك (1/492) من طريق محمد بن الحسن بن التل….عن علي - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الدعاء سلاح المؤمن…)) الحديث.
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التل... صدوق في الكوفيين)).
اختصر الذهبي كلام الحاكم هذا بهذه الجملة: ((صحيح)) فقط!
ثم لما ترجم الذهبي للتل في الميزان (3/513) قال: ((ومن مناكيره...))، ثم أورد له هذا الحديث، ثم قال: ((أخرجه الحاكم وصححه، فيه انقطاع)).
7- صحح الحاكم في مستدركه مرويات كثيرة من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وجعلها على شرط الشيخين، ولم يعقب عليه الذهبي بشيء، انظر المستدرك (2/200، 235، 327، 386).
ثم قال الذهبي في السير (5/248) لما ترجم لسماك بن حرب: ((تجنب البخاري إخراج حديثه، وقد علق له البخاري استشهادًا به. فسماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس نسخة عدة أحاديث، فلا هي على شرط مسلم؛ لإعراضه عن عكرمة، ولا هي على شرط البخاري؛ لإعراضه عن سماك، ولا ينبغي أن تعد صحيحة؛ لأن سماكًا إنما تُكلم فيه من أجلها)).
8- استنكر الإمام الذهبي في الميزان (4/135) على الحاكم اطلاقه على رواية معاوية بن صالح الحضر من أنه على شرط البخاري بقوله: ((وترى الحاكم يروي في مستدركه أحايثه ويقول: هذا على شرط البخاري. فيهم في ذلك ويكرره)).
وقد صرح الحاكم بذلك في المستدرك (1/98)، ولم يعقب الذهبي عليه في تلخيصه بشيء.
وأكتفي بهذا القدر من الأدلة العملية التي تثبت أن سكوت الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك لأقوال الحاكم في تصحيحه للأحاديث ليس إقرارًا منه له.
ولعل بعض الباحثين الأفاضل لا يروق لهم هذا البحث، بسبب مخالفتهم لهذا الرأي، فأحب أن أنبه أني أرحب أشد ترحيب لأي تعقيب يورد عليَّ، شريطة أن تكون هذه التعقبات مشفوعةً بالأدلة العلمية، والمسائل العملية.
وأما قول القائل: بأن الإمام الذهبي اختصر المستدرك في بداية طلبه لعلم الحديث، فهذه المقولة – وإن كانت من غير قصد قائلها – فيها تنقيص بحق الإمام الذهبي، حيث أن هذه التعقبات يستطيع أن يلحظها المبتدأ في هذا العلم الشريف، فما بالك بهذا الإمام الورع الناقد النحرير، وظننا فيه أنه لم يبدأ التصنيف إلا بعد أن رسخ في هذا العلم رسوخًا كبيرًا، وليس شرطًا في كونه تعقب الحاكم في بعض المرويات أن يتعقبه في مروياته كلها، حيث أن موضوع الكتاب هو التلخيص وليس الاستدراك والتعقب، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.