بسم الله الرحمن الرحيم
قاعدة الفرق بين الرأي والفهم:
الرأي في لغة العرب: الاعتقاد بالشيء والإقتداء به.
قال ابن منظور في لسان العرب 14/300: الرَّأْيُ: الاعتقاد، اسم لا مصدر، والـجمع: آراء ويقال: فلان يَتَرَاءى بَرَأْي فلان إِذا كان يَرَى رَأْيَه ويَمِيلُ إِلـيه ويَقْتَدِي به أ. هـ
ويغلب إطلاق الرأي عند فقهاء الشريعة على القول المحض الذي يستدعي العمل به استنباطاً من جملة الشريعة ومحله الاجتهاد.
ولذلك قد يعارض برأي مضاد من بعض أهل الفقه والاجتهاد.
وعند تعارض الرأيين حالة انعدام النص يلزم المجتهد الترجيح بينهما إن أمكن.
فلو قال قائل وقد قيل قديماً: لا يجوز للمحرم أن يحرم من الطائرة، وإن حاذى الميقات؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - أحرم بذاته من الميقات.
وقال آخر: بل يجوز الإحرام من الطائرة عند محاذاة الميقات لأن المشقة تجلب التيسير، ولأن قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ولمن أتى عليهن )). لا يمانع من ذلك.
فالطائرة التي أتت على الميقات وحاذت تدخل في عموم ذلك ونحوها من الاستدلالات التي يمكن ذكرها في مثل هذا المقام.
فهنا يستدعي الأمر أن يتخذ الفقيه المجتهد عند الاختلاف ما يراه مناسباً حسب المرجحات المقتضية لإبرام الحكم في المسألة إن كان من ذوي الأهلية.
وهناك أراء قد تصدر عن أصحابها، وتكون معارضة للنص الشرعي سواء كان أصحابها على علم بالمعارضة أم لا.
وهذه لا يلتفت إليها لكونها معارضة للوحي لأن كل اجتهاد خالف نصاً شرعياً فهو باطل، وإن صدر عن أعلم الخلق بعد رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
وقد نص أهل الفقه والحديث على قاعدة: لا اجتهاد مع نص.
ومثاله لو قال الهاشمي: لا يجوز لنا أن نزوج بناتنا لغير الهاشميين لأننا شرفاء النسب ولا مماثل لنا في ذلك.
فنقول: هذا رأي باطل؛ لأنه معارض للنصوص بدليل تزويج النبي - عليه الصلاة والسلام - عثمان وعمر - رضي الله عنهما -وهما من غير أهل البيت.
ويمكننا اختصار القول: بأن الرأي يصدر عن صاحبه بحجة أنه يعتقد صحته غالباً ولا يمانع من جواز الأخذ به تعبداً.
وحكمه البطلان إن عارض كقول الهاشمي فيما سلف، فإن كان له مسوغ شرعي، ولم يعارض جملة نصوص الشريعة فإنه اجتهاد مطلوب لا ممانعة من العمل به عند الترجيح كالإحرام من الطائرة إذا حاذت الميقات وكالقصاص بالبندقية بدلاً عن السيف ونحوها.
أما عند المعارضة فمردود كما سبق، بل قد يؤدي الرأي أحياناً والعياذ بالله إلى الكفر الصريح المخرج من الملة.
ومثال ذلك إذا قال الحاكم المسلم: لا بد من حكم المسلمين بالديمقراطية؛ لأن الإسلام لا يصلح أن يكون حكماً في هذا العصر، فهذا كفر بواح.
فالرأي مستقل بذاته لا يمانع صاحبه من العمل به تعبداً كما سبق توضيحه.
وهو عبارة عن استنباط حكمي، وليس بمفهوم محض، بل بينه وبين الفهم افتراق.
وإن شئت: فقل عموم وخصوص – وهذا يجلبنا لمعرفة الفهم.
فنقول:
الفهم لغةً: قال ابن منظور في لسان العرب 12/459: في مادة فَهِمَ الفَهْم: معرفتك الشيء بالقلب. فهِمه فَهْماً و فَهَماً و فَهامة: عَلِـمه، الأَخيرة عن سيبويه. و فَهِمْت الشيء: عَقَلتُه وعرَفْته.أهـ
وأما اصطلاحاً: فإنه يطلق على ما عقله المستنبط من النص الشرعي مما لا يتعارض مع الشريعة.
ومنه التفسير اللغوي والشرعي والأصل في الفهم أنه معنوي بخلاف الرأي فإنه حقيقة ذاتية عند المآل.
إلا أن الفهم إذا مال إليه الفقيه واقتدى به ورجحه فإنه يصير رأياً راجحاً ومحموداً عنده.
يقول ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين 1/ 89: من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها.
كما قال عبدان سمعت عبد الله بن المبارك: يقول ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث وهذا هو الفهم الذي يختص الله - سبحانه - به من يشاء من عباده أ.هـ.
وبالمثال يرفع الإشكال.
فلو قال أحدهم: أرى جواز تعاطي المخدرات لأنه لا دليل على تحريمها إذ الأصل الجواز.
قلنا هذا رأي محض معارض شرعاً إذ علة الإسكار قائمة في المخدرات، فكل مسكر حرام ومما يدل على ذلك: حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما أسكر كثيرة فقليلة حرام أخرجه الترمذي في جامعه رقم 1865، وابن ماجه في سنن رقم 3394، وأحمد في مسنده رقم 6558، 6674، 14638.
فقد قصد صاحبه والعياذ بالله عدم الممانعة من الأخذ بما ذهب إليه فهو حكم مستقل بذاته ويرى الإقتداء به فهو فاسد الاعتبار.
لأن وجود الرأي مع وجود ما يدفعه شرعاً مردود بإجماع المسلمين، ولا يمكن أن يجتمع رأيان صحيحان بل أحدهما صحيح والآخر فاسد.
فلو قال قائل: نفهم من قوله - تعالى -: أو لامستم النساء.
بمعنى جامعتم وليس بمعنى لامستم البشرة من غير جماع بدليل أنها سُبِقَتْ بقوله - تعالى -: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًاً}. (الآية 43 من سورة النساء).
ولكونه لم يصح ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مس بيده أحداً من أزواجه فتوضأ.
فهذا فهم لكونه عَقِلَ من الآية ما يناسبها شرعاً حسب مقتضى فهمه مع بقاء الحكم الأصلي وهو وجوب الغسل من الجماع.
والآخر أيضاً فهم لأنه فَقِهَ من الآية أمراً ظاهرياً، والترجيح مقدم حسب القرائن.
ثم الفهم فهمان فهم معقول شرعاً وفهم غير معقول.
فلو أن رجلاً قال: يلزم كل مسافر في رمضان القضاء، وإن سافر وهو صائم بحجة قوله - تعالى -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ }.
(الآية 184 من سورة البقرة).
فقال الآية ليس فيها قيد (إن أفطر) فهذا فهم غير معقول وليس له ثَمَّ اعتبار لماذا؟
لأن هذا من قبيل المفهوم العام الذي حُذِفَ جزؤه.
والتقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر فأفطر أحدكم فعدة من أيام أخر، وللأدلة الأخرى المتكاثرة في باب القضاء.
ثم لو قال آخر: نحن نفهم من حديث ابن عباس: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم.
وقال: هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن، ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة. أخرجه مسلم رقم (1181/ نووي) وغيره.
نفهم منه أن ميقات أهل أمريكا للعمرة والحج يكون بأقرب طريق إلى واحد من هذه المواقيت فأول ميقات منها يمرون عليه وهم في الطائرة أو السفينة أو السيارة فهو ميقاتهم لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)).
فهذا فهم معقول مقبول لا معارضة فيه للحكم الأصلي وهو الالتزام بأقرب ميقات أثناء السير للحج أو العمرة.
وأحياناً قد يجتمع فهمان ليس فيهما ما يدل على المعارضة شرعاً.
كأن يقول الحنبلي: ينبغي وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع ويقول الحنفي أو الشافعي بل يسدلهما وحجة الطرفين:
ما أخرجه البخاري (828 /فتح) وغيره عن أبي حميد الساعدي قال كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هَصَرَ(1) ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فَقَار(2) مكانه.
فالذي يظهر والله أعلم صحة الفهمين ظاهرياً، وجواز العمل بأيهما شاء المصلي لعدم ترجيح أحدهما كلياً على الآخر مع الأخذ في البال أن أحدهم صحيح والأخر خطئ إلا أن الجزم على واحد بعينه بالصحة أو الضعف قطعاً يترتب عليه الدليل، ولا نص في ذلك فالعمل بأحدهما لا ينافي ضعف الآخر قطعاً ولكن قد يستلزمه في الجملة، وإن كنا نرى قوة مذهب الجمهور.
ومن الفهم الشرعي السليم أيضاً ما أخرجه البخاري رقم (4119 / فتح) وغيره عن ابن عمر قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنا لما رجع من الأحزاب ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق )).
فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها.
وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحداً منهم .
فهذا فهم صحيح لا معارضة فيه؛ لأن الكل قصد السمع والطاعة لله ولرسوله - عليه الصلاة والسلام - ولا يقال هما رأيان لأن كل فريق أخذ من قوله - عليه الصلاة والسلام - ما فهم فهو معنوي.
والمعنوي فهم كما أوضحناه، مع الأخذ في الاعتبار كون ذلك بوجود رسول الله - عليه الصلاة والسلام -.
مع أن من أدرك الصلاة في وقتها من الصحابة قد أصاب لا محالة لأن المراد الإسراع والنفير وسكوت النبي - عليه الصلاة والسلام - وعدم الإنكار لاحتمال مصلحة مقتضية جهلنا حقيقتها أو علمناها.
والحاصل: أن مآل الفهم قد يتعدى إلى رأي فيستقر على الرأي الصحيح عند الترجيح إلا أنهما في الأصل والمنشأ يفترقان كما سبق بالأمثلة الموضحة.
ومن الفهم ما فهمه وعقله ابن عمر وأبو هريرة وابن عباس من جواز الأخذ من اللحية وأنه لا يتعارض مع إطلاق قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((اعفوا اللحى )).
إما أنهم رأوا النبي - عليه الصلاة والسلام - يأخذ ففعلوا ذلك وإما أنهم فهموا من الحديث أن العلة من الإعفاء مخالفة المجوس والمشركين القائلين بجواز القص الذي يستلزم منه تتبع الأثر فأرادوا بفعلهم بيان أن الأخذ لا يدخل في معنى القص ولا يتعارض مع مطلق النص وليس فيه تشبه بالأعاجم.
وإما أنهم فهموا من الإطلاق التكثير بدليل أنه لم يعارض فهمهم أحد من الصحابة.
وعلى جميع الإحتمالات فليس ما فعلوا يعتبر رأياً إنما هو فهم على مقتضى شرعي.
وكيف يكون رأياً وقد رويا [يعني ابن عمر وأبو هريرة]حديث الإعفاء.
والأصل أن الراوي أدرى بمرويه وخصوصاً ما عم وأطلق من الروايات.
إلا أننا عند أن نأخذ بفهم واحد من السلف ممن لم يعارضه غيره ممن شاهدوا رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وندين الله بصحة هذا الفهم ونعمل به نكون قد جعلناه رأياً مستقلاً بذاته فهو فهم في حقيقته ورأي صحيح في مآله.
وحينها فلا شك أن رأي الصحابة أو فهمهم مقدم على رأي من بعدهم وخصوصاً عند ما ظاهره التعارض أو عدم مخالفة من في طبقته مما صح عنهم لعدة أمور:
الأول: لكونهم أعلم وأفهم بالكتاب والسنة من الخلف لصحبتهم وقربهم من رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بخلاف غيرهم.
الثاني: لمعاصرتهم نزول الوحي، فلو ثمة شيء ما عقلوه لسألوا رسول الله - عليه الصلاة والسلام - عنه أو لحدثهم به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخفي علماً لزمه تبليغه كما يدل عليه صرائح الكتاب والسنة.
الثالث: لكونهم أفصح من الخلف لغةً وسبكاً وسليقةً، و من بعدهم قد دخلتهم العجمى فكيف يكون لمن دخلته العجمى رأي مفهوم صحيح يخالف ما عليه السلف أو آحادهم.
الرابع: أن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قد شهدا لهم بالفضل والمكانة الرفيعة في غير ما آية من كتابه الكريم وفي غير ما حديث من سنة نبيه المصطفى - عليه الصلاة والسلام -.
الخامس: أن القرآن الكريم وافق كثيراً من آراءهم، وغير ذلك من الأمور التي تدل على تقديم السلف في الرأي والفهم على غيرهم وخصوصاً عند التعارض.
يقول ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين 1/86:
رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوباً وأعمقهم وأقلهم تكلفاً وأصحهم قصوداً وأكملهم فطرةً وأتمهم إدراكاً وأصفاهم أذهاناً الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل فهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنسبتهم إلى صحبته والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبة رأى من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.
قال الشافعي - رحمه الله -في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه: وقد أثنى الله - تبارك و تعالى - على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا.
وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به.
وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله.أ.هـ
قلت: تقديم قولهم في الفهم للنصوص المطلقة والعامة ونحوها سواء في التفسير أو الأحكام مقدم على غيرهم إن انفرد آحادهم وليس له مخالف من الصحابة.
أما إن كان ما أفتى به رأياً وليس فهماً سواء انفرد أو وافقه غيره فهو محل اجتهاد والقول بأولوية الأخذ لا يعد حجة في دين الله.
وللفقيه المتمكن والعالم بالفقه والحديث واللغة أن يفتي بما يرى أنه يقربه إلى الله بذكر الأدلة الإجمالية التي تدخل فيها المسألة دخولاً ممكناً دون تعصب أو هوى.
ومثال ذلك ما جاء عن عائشة أنه كان يؤمها عبدها في المصحف في رمضان.
فإن هذا رأي محض، وليس بفهم ولا يمكن اعتباره حجة على العباد فمحله الاجتهاد، إذ عائشة فيما يظهر لم تفهم ذلك من نص مجمل أو محتمل.
حتى قال الشوكاني في الدراري 1/ 421: وأما أقوال الصحابة فلا تقوم بها الحجة إلا إذا أجمعوا على ذلك عند من يقول بحجية الإجماع.أ. هـ
وقد أفردنا لهذه المسألة كتاباً مستقلاً، عنوانه: تذكرة الأنام بحكم القراءة في المصحف للإمام،- وقد طبع بحمد الله.
ورجحنا الترك وأن هذا الفعل لا يعد مشروعاً البتة ولإقرار عائشة - رضي الله عنها - ما يخالفها من الصحابة.
فليراجع من أحبَّ ذلك.
قال ابن قيم الجوزية أيضاً 1/87: والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن(1) بموافقته.
ورأى أن تحجب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل القرآن بموافقته(2).
ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته(3).
وقال لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعن في الغيرة عليه: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات}.(الآية 5 من سورة التحريم) فنزل القرآن بموافقته(1).
ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي عليه.
فقام عمر فأخذ بثوبه فقال يا رسول الله: إنه منافق فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله عليه {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره} (2) (الآية 84 من سورة التوبة)
وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة: إني أرى أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذرياتهم، وتغنم أموالهم.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات)) (3).
ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهراً في المفوضة قال: أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه.
أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط(4) ولها الميراث وعليها العدة.
فقام ناس من أشجع فقالوا نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في امرأة منا يقال لها بروع بنت واشق: مثل ما قضيت به. فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك(1).
وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيراً من رأينا لأنفسنا.
كيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً وحكمةً وعلماً ومعرفةً وفهماً عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضاً طرياً لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس.أ.هـ
قلت: فابن القيم - رحمه الله - يرى تقديم فهم السلف على الخلف إلا أنه يرى زيادةً على ذلك قبول وحجة آراءهم التي لا نص فيها وتقديمها وإن لم تكن فهماً باعتبار أن الفهم أعم طالما وصحت وهذا توسع واجتهاد منه.
وقد أجبنا عليه في تذكرة الأنام بما لا يحتاج إلى إعادة إلا أننا نقول: إن حشده للأدلة الموافقة لما رواه بعض الصحابة في حوادث سابقة لا تفيد حجة آراءهم لكونهم بشراً تابعين غير متبوعين، وإنما صادفت الشرع السماوي مصادفة الموافقة لما قرره، إذ قد خالف الشرع بعض أراءهم وأمثلة ذلك كثيرة:
منها على سبيل المثال:
ما أخرجه أبو داود في سننه بإسناد حسن عن شقيق قال كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى.
فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهرا أما كان يتيمم؟
فقال: لا وإن لم يجد الماء شهراً.
فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً}. فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا. قال: نعم.
فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له. فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بيده على الأرض فنفضها ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه.
لكن يتنزل التأييد فيما وافق الصحيح من الأحكام لا في حجتهم رضوان الله عليهم وإلا لَمَا خالفهم الشرع في بعضها.
وبهذا وما سبق ذكره من التوضيحات يتبين ما يأتي:
أولاً: الفارق بين الفهم والرأي في فروع الشريعة من خلال فقه اللغة وفقه الشرع.
ثانياً: أن فهم السلف مقدم على فهم غيرهم من الخلف.
ثالثاً: أن الآراء المحضة مطروحة حتى يتبين راجحها من مرجوحها احتجاجاً ولا يكون ذلك إلا لعارف من أهل الفقه والاستنباط، والله أعلى وأعلم.
ــــــــــ
(1) هصر ظهره: أي خفضه وثناه.
(2) الفقار: المفصل.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 1763 وغيره.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 402/ فتح، ومسلم في صحيحه رقم 2399/فتح.
(3) نفس المصدرين السابقين وهو حديث واحد ونصه: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -وافقت ربي في ثلاث فقلت:يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه فقلت لهن (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن) فنزلت هذه الآية.
(1) كما سبق أيضاً.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع عدة منها رقم 4672 / فتح، ومسلم في صحيحه في مواضع عدة منها رقم 2400/نووي.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه رقم 4121/فتح، ومسلم في صحيحه رقم (1769 /نووي) مواضع عدة.
(4) لا وكس ولا شطط: أي لا غش ولا ظلم.
(1) أخرجه الترمذي في جامعه رقم 1145 وأبو داود في سننه رقم 2114 والنسائي في سننه الكبرى في عدة مواضع منها رقم 5515 وأحمد في مسنده في عدة مواضع منها رقم 15886 وابن حبان في صحيحه في مواضع عدة رقم 4098، 4099، 4100، 4101 مع الإحسان وهو حديث صحيح.