بسم الله الرحمن الرحيم
قاعدة ما انفرد به ابن حبان بالتوثيق في كتاب الثقات:
قال ابن حبان في كتاب الثقات 1/11: فكل مَنْ أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق يجوز الإحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس.
فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا، فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال، إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره، أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته، أو الخبر يكون مرسلاً لا يلزمنا به الحجة أو يكون منقطعاً لا يقوم بمثله الحجة، أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به.
فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره، فذكرت هذه المسألة بكمالها بالعلل والشواهد والحكايات في كتاب شرائط الأخبار فأغنى.
وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره.
ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يُكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم.
وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم جعلنا الله ممن أسبل عليه جلاليب الستر في الدنيا واتصل ذلك بالعفو عن جناياته أ.هـ
قلت: ويمكن تلخيص كلامه - رحمه الله - فيما نحن بصدده في التالي:
أولاً: أنه يحتج بكل راو ذكره في كتابه هذا.
ثانياً: أنه وقف على اختلاف أئمة الجرح والتعديل في الراوي فيحكم بما يراه مناسباً على الراوي من خلال السبر والتقسيم، فمن رأى قبول خبره وضعه في هذا الكتاب.
وقد قال: وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.
ثالثاً: كل راوٍ لم يقف فيه على كلام أحد من الأئمة المتقدمين جرحاً حكم عليه بالعدالة وقبول خبره بناء على الأصل المطرد في عدالة المسلم حتى يقوم فارض التجريح.
رابعاً: أن كلامه يوحي بأنه وقف على مرويات من رجح قبول روايته والتي فيها النكارة والانقطاع والإرسال ونحوها، وأنه لا يلزم من ذلك تضعيف الراوي متى ما كانت النكارة أو الإرسال أو الانقطاع ونحو ذلك من غيره.
فلا يستلزم من ذلك تضعيف الراوي الذي في السند المعل.
ولذا قال: فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته أو الخبر يكون مرسلاً لا يلزمنا به الحجة أو يكون منقطعاً لا يقوم بمثله الحجة.. إلى آخر ما ذكر.
خامساً: من باب تمام الفائدة أن التدليس عنده انقطاع ما لم يتم تصريح المدلس بالتحديث حيث قال: أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره.
إلا أنه يزاد على ما ذكر أن التدليس وإن كان ظاهره الانقطاع إلا أنه محتمل ولذا جاز اعتضاده بآخر مما خف ضعفه.
ومع كل هذا التفصيل الذي ذكره - يرحمه الله -إلا أنه اتُّهِم بالتساهل في توثيق المجاهيل كما ذكر ذلك جماعة منهم ابن حجر والصنعاني وغيرهما من الأئمة.
فربما أن الرجل يكون مجهولاً فيذكره في كتابه هذا على سبيل الاحتجاج به بناء على قاعدته (الأصل في المسلم العدالة) حتى يقوم فارض التجريح، الأمر الذي أَدَّى ببعضهم إلى رد كل مَنْ وثقه حسب قاعدته المذكورة آنفاً في الرواة ما لم يكن الراوي قد وثقه غيره من أئمة الجرح والتعديل.
وفي اعتقادي أن هذا الرد لا يسلم له مطلقاً وذلك لأن ابن حبان من المتشددين في التجريح كما هو ظاهر في عامة كتبه وخصوصاً كتاب المجروحين ولهذا لزم التفصيل فيقال:
أولاً: كل راو وَثَّقه أو ذكره في كتاب الثقات وقد وثقه غيره وليس فيه ما يسقطه عن رتبة القبول فهو حجة مقبول وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث، فإنه يقول في الثقات متقن ثبت، حافظ، ضابط وقد يقول مستقيم الحديث ونحوها من ألفاظ التوثيق.
ثانياً: كل راو وَثَّقه في كتابه وصرح غيره بأنه مجهول فلا يقبل توثيقه لاحتمال السهو، أو أنه لم يقف على كلام غيره في ذلك المجهول.
ثالثاً: كل راو انفرد في توثيقه أو وافقه بعض مَنْ عُرِفَ بالتساهل كالعجلي والحاكم وغيرهما، وصرح غيره من الأئمة الكبار كأبي زرعة وأحمد وابن معين بضعفه فهو ضعيف، ما لم يكن من شيوخه فهو أخبر بهم وأدرى فإن صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
ولذا قال المعلمي في التنكيل: والتحقيق أن توثيقه –أي ابن حبان – على درجات:
الأولى: أن يصرح به كأن يقول كان متقناً أو مستقيم الحديث أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.