بسم الله الرحمن الرحيم
الصدق في التوبة:
إذا عزم التائب على توبة نصوح وصدق الله؛ فسيجد اللهَ جواداً كريماً لن يرده خائباً ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، فمن صدق الله صدقه، وتقبل توبته، وغسل حوبته.
والصدق في التوبة تجده في كل ركن من أركان قصة المخلفين من بدايتها إلى نهايتها:
فإخباره عن سبب تخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر صدقٌ.
وإخباره عن تقصيره في غزوة تبوك صدقٌ.
واعترافه بذلك بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقٌ.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما هذا؛ فقد صدق؛ فقم حتى يقضي الله فيك».
وإعراضه عن مَلِكِ غسان صدقٌ.
وتأمل كلام كعب في خاتمتها: «والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكن كذبته؛ فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، وقال الله: {سَيحلِفونَ باللهِ لَكم إذا انْقلبتم إليهِم لتُعرضوا عَنْهم فأعرضوا عنهم إِنَّهُم رِجسٌ وَمأواهم جهنَّمُ جزاءً بما كانوا يَكسِبون يَحْلِفونَ لَكُم لِتَرضَوا عنهم فإن تَرضَوا عنهم فإنَّ اللهَ لا يَرضى عنِ القَومِ الفَاسقينَ} [التوبة:95-96]
أقول: تأمل هذا الكلام تجد الصدق يهدي إلى البِّر والجنة، وأنه المعيار الشرعي والميزان الأخروي الذي تضبط به الأمور وينظر في المواقف... والصدق دائماً في انتصار وعلو وازدياد، والكذب في انخفاض وسفال ونفاد، والله بصير بالعباد.
4- الاعتراف بالذنب واستغفار الله مدعاة لقبول التوبة:
الجهل بالذنوب ينافي الهدى، فلذلك لا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب، والاعتراف به، وطلب التخلص من سوء عواقبه أولاً وآخراً.
قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في قصة الإفك: «أما بعد: يا عائشة إنه قد بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه»([1]).
وتأمل هذا الحوار الإيماني تجد هذا الأمر جلياً في قصة المخلَّفين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكعب: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟"فيجيب كعب: «يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، وقد أعطيتُ جدلاً، ولكني والله علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني؛ ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك».
5- الندم على ما فرط في جنب الله:
التوبة بدايتها ندم يورث عزماً، وقصداً، وعلماً، بأن المعاصي تكون حائلاً بين العبد وربه؛ فيهرع الإنسان إلى النجاة والسّلامة ولا منجى من الله إلا إليه، ويخرج من بين الخوف والرجاء توبة نصوحاً، وهذا سبيل التوابين.
وهو ظاهر جلي في قصة تخلف كعب وأصحابه؛ فقول كعب: «فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو؛ فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت»؛ ندم أورث قصداً، وعزماً، وعلماً، وهو قوله: «فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلاً من تبوك حضر بثِّي؛ فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه»؛ فهرعوا فارين إلى الله ظانين أن لا ملجأ من الله إلا إليه: {حَتَّى إذا ضَاقَت عليهمُ الأرضُ بِما رَحُبَت وَضَاقَت عليهم أَنفُسُهُم وَظنُّوا أن لا مَلجأَ مِنَ اللهِ إلا إِليه}. [التوبة:118]
ويؤكد هذا كله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الندم توبة»([2]).
6- التوبة تَجِبُّ ما قبلها([3]):
من تاب توبةً نصوحاً التحق بمن لم يرتكب ذنباً، لأن الثوب المغسول كالذي لم يتّسخ، وحديث كعب كلّه شاهد على ذلك.
ويشهد لهذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»([4]).
7- من تاب بسبب من الخير ينبغي أن يحافظ عليه:
المحافظة على أسباب الخير أبلغ في تعظيم حرمات الله وطريق الثبات؛ كما فعل كعب – رضي الله عنه- في الصدق؛ فقال: «يا رسول الله إن الله - تعالى - إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله - تعالى - في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله - تعالى -، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي».