بسم الله الرحمن الرحيم
من الذي يفتح معه باب الحوار والمناقشة؟
عن أبي عمران الإصبهاني قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ((لا تجالس صاحب كلام وإن ذب عن السنّة، فإنه لا يؤول أمره إلى خير.
فإن قال قائل: قد حذرتنا الخصومة والمراء والجدال والمناظرة وقد علمنا أن هذا هو الحق وأن هذه سبيل العلماء وطرق الصحابة والعقلاء من المؤمنين والعلماء والمستبصرين، فإن جاءني رجل يسألني عن شيء من هذه الأهواء التي قد ظهرت والمذاهب القبيحة التي قد انتشرت ويخاطبني منها بأشياء يلتمس مني الجواب عليها وأنا ممن قد وهب الله الكريم لي علماً بها وبصراً نافذاً في كشفها أفأتركه يتكلم بما يريد ولا أجيبه وأخليه وهواه وبدعته ولا أرد عليه قبيح مقالته؟
فإني أقول له: اعلم يا أخي رحمك الله أن الذي تبلى به من أهل هذا الشأن لن يخلو أن يكون واحدا من ثلاثة: إما رجلاً قد عرفت حسن طريقته وجميل مذهبه ومحبته للسلامة وقصده طريق الإستقامة وإنما قد طرق سمعه من كلام هؤلاء الذين قد سكنت الشياطين قولبهم فهي تنطق بأنواع الكفر على ألسنتهم وليس عرف وجه المخرج مما قد بلى به فسؤاله سؤال مسترشد يلتمس المخرج مما بلى به والشفا مما أوذي …(1) إلى علمك حاجته إليك حاجة الصادي إلى الماء الزلال وأنت قد استشعرت طاعته وأمنت مخالفته فهذا الذي قد افترض عليك توفيقه وإرشاده من حبائل كيد الشياطين، وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة من الصحابة والتابعين وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإياك والتكلف لما لا تعرفه وتمحل الرأي والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك بدعة وإن كنت تريد به السنّة، فإن إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل وكلامك على السنة من غير السنة بدعة ولا تلتمس لصاحبك الشفاء بسقم نفسك ولا تطلب صلاحه بفسادك فإنه لا ينصح الناس من غش نفسه ومن لا خير فيه لنفسه لا خير لغيره فمن أراد الله وفقه وسدده ومن اتقى الله أعانه ونصره)) (2)
عن ابن عون قال: ((سمعت محمد بن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلاً إن كلمته طمعت في رجوعه)) (3)
عن محمد بن النضر الحارثي قال: قلت للأوزاعي: ((أأمر بالمعروف؟ قال: من يقبل منك)) (4)
قال الشيخ صدق الأوزاعي - رحمه الله -، فهكذا قال علي بن أبي طالب - عليه السلام -: ((لا إمرة لمن لا يطاع، فإذا كان السائل لك هذه أوصافه وجوابك له على النحو الذي قد شرحته فشأنك به ولا تأل فيه جهداً فهذه سبيل العلماء الماضين الذين جعلهم الله أعلاماً في هذا الدين فهذا أحد الثلاثة، ورجل آخر يحضر في مجلس أنت فيه حاضر تأمن فيه على نفسك ويكثر ناصروك ومعينوك فيتكلم بكلام فيه فتنة وبلية على قلوب مستمعيه ليوقع الشك في القلوب لأنه هو ممن في قلبه زيغ يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة والبدعة وقد حضر معك من إخوانك وأهل مذهبك من يسمع كلامه إلا أنه لا حجة عندهم على مقابلته ولا علم لهم بقبيح ما يأتي به فإن سكت عنه لم تأمن فتنته بأن يفسد بها قلوب المستمعين وإدخال الشك على المستبصرين فهذا أيضاً مما ترد عليه بدعته وخبيث مقالته وتنشر ما علمك الله من العلم والحكمة، ولا يكن قصدك في الكلام خصومته ولا مناظرته، وليكن قصدك بكلامك خلاص إخوانك من شبكته فإن خبثاء الملاحدة إنما يبسطون شباك الشياطين ليصيدوا بها المؤمنين فليكن إقبالك بكلامك ونشر علمك وحكمتك وبشر وجهك وفصيح منطقك على إخوانك ومن قد حضر معك لا عليه حتى تقطع أولئك عنه وتحول بينهم وبين استماع كلامه بل إن قدرت أن تقطع عليه كلامه بنوع من العلم تحول به وجوه الناس عنه فافعل)) (5)
----------------------------------------
(1) قال المحقق كذا في ظ: العبارة غير واضحة، ولا يوجد هذا أثر في ت
(2) الإبانة 2 / 540.
(3) الإبانة 2 / 541.
(4) الإبانة 2 / 541.
(5) الإبانة 2 / 542.