بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن إسحاق: فأقام بها بقية ذي الحجة وولي تلك الحجة المشركون والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة.
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس ". البخاري،الفتح، كتاب المغازي، غزوة مؤتة إلى الشام، رقم (4261). فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة من أمراء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكى؛ فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ آية من كتاب الله -عزو جل- يذكر فيها النار: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا}. سورة مريم(71). فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؛ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين؛ فقال عبد الله بن رواحة:
|
لكنني أسـأل الرحمـن مغــــفـرةً |
***** |
وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا() |
|
أو طعنة بيدي حران مجهزة() |
***** |
بحــربة تنفـــذ الأحشـــاء والكبـــدا |
|
حتـــى يقال إذا مروا على جدثي |
***** |
أرشده الله() من غاز وقد رشد() |
قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة:
|
خلف السلام على امرىء ودعته |
***** |
في النخل خير مشيع وخليل |
ثم مضوا حتى نزلوا معان() من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مئة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم، وجذام، والقين، وبهراء،وبلي، مئة ألف منهم، عليهم رجل من بلي، ثم أحد إراشة يقال له: مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله-صلَّى الله عليه وسلَّم-، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له.
قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون، للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك:
|
جلبنا الخيل من أجإ وفـرع () |
**** |
تغر من الحشيش لها العكوم() |
|
حـذوناها من الصــوان سـتـــاً |
**** |
أزل كــــأن صفــحتــــه أديــــم |
|
أقامـت ليـلتـــين علــى معــان |
**** |
فأعـقــب بعــد فتـرتــها جمـــوم |
|
فرحنا والجيــــاد مســـومــات |
**** |
تنفــس فـي مناخـرهـا السمـــوم |
|
فـلا وأبـــي مــآب لتــأتينـــها |
**** |
وإن كانــت بــها عـــرب وروم |
|
فعبــــأنـا أعنـتـــها فـجـــاءت |
**** |
عوابس والغبـــار لـــها بـريـــم |
|
بذي لجـب كـأن البيـض فيــه |
**** |
إذا بــرزت قـوانســها النجــــوم |
|
فراضيـــة المعـيــشة طلقــتها |
**** |
أسنتـــــــها فـنـــكـح أو تئـيـــــم |
قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مُردفي على حقيبة رَحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته.
لقاء الروم وحلفائهم:
قال ابن إسحاق: فمضى الناس، حتى إذا كانا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبا لها المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له: عباية بن مالك.
مقتل زيد بن حارثة:
قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى شاط في رماح القوم.
مقتل جعفر:
ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.
قال ابن إسحاق ودحثني يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها قم قاتل حتى قتل() وهو يقول:
|
يا حبذا الجنة واقترابها |
**** |
طيبة وبارداً شرابُها |
|
والروم روم قد دنا عذابُها |
**** |
كافرة بعيدة أنسابُها |
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينة فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل -رضي الله عنه- وهو ابن ثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذٍ ضربة، فقطعه نصفين().
مقتل عبد الله بن رواحة:
قال ابن إسحاق: كان أحد بني مرة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم قال:
|
أقسـمـت يا نفــس لتنــزلنــه |
*** |
لتـنــــزلـــــن أو لتكـــرهنـــه |
|
إن أجلب الناس وشدوا الرنه |
*** |
مالــي أراك تكـــرهيـن الجنـة |
|
قد طـال ما قد كنت مطمئنــه |
*** |
هل أنت إلا نطفة في شنة() |
وقال أيضاً:
|
يا نفس إلا تقتلي تموتي |
*** |
هــذا حمام المـوت قد صليت |
|
وما تمنيت فقد أعطيت |
*** |
إن تفعلي فعلهما هديت () |
ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.
إمارة خالد:
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم. وخاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس ().