بسم الله الرحمن الرحيم
وفرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش. قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يوم أحد أطلب سعد بن الربيع. فقال لي: " إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: كيف تجدك ؟! ". الحاكم في مستدركه(3/221)، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، فيه سبعون ضربة؛ ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- السلام، قل له، يا رسول الله، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته().
ووجدوا في الجرحى الأُصَيرِِم - عمرو بن ثابت - وبه رمق يسير، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه، فقالوا: إن هذا الأصيرم ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه: ما الذي جاء بك، أحَدَبٌ على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- حَتَّى أصابني ما ترون، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، فقال: " هو من أهل الجنة ". أحمد(5/428). قال أبو هريرة: ولم يُصَلِّ لله صلاة قط().
ووجدوا في الجرحى قُزْمَان - وكان قد قاتل قتال الأبطال ؛ قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين - وجدوه قد أثبتته الجراحة، فاحتملوه إلى دار بني ظَفَر، وبشره المسلمون فقال: والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه. وكان رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يقول - إذا ذكر له: " إنه من أهل النار (). صحيح مسلم(1/106)(112)،كتاب الإيمان،باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - وهذا هو مصير المقاتلين في سبيل الوطنية أو في أي سبيل سوى إعلاء كلمة الله، وإن قاتلوا تحت لواء الإسلام، بل وفي جيش الرسول والصحابة.
وعلى عكس من هذا كان في القتلى رجل من يهود بني ثعلبة، قال لقومه: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فما لي لمحمد. يصنع فيه ما شاء، ثم غدا فقاتل حَتَّى قتل. فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- :" مُخَيرِيق خير يهود ().
جمع الشهداء ودفنهم:
وأشرف رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- على الشهداء فقال: " أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يُجْرَح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة، يَدْمَي جُرْحُه، اللون لون الدم، والريح ريح المِسْك"().
روى مسلم في صحيحه نحواً منه، (3/1496)(1876)،كتاب الإمارة،باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.
وكان أناس من الصحابة قد نقلوا قتلاهم إلى المدينة فأمر أن يردوهم، فيدفنوهم في مضاجعهم وألا يغسلوا، وأن يدفنوا كما هم بثيابهم بعد نزع الحديد والجلود. وكان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين في ثوب واحد، ويقول: " أيهم أكثر أَخْذًا للقرآن؟ " . فإذا أشاروا إلى الرجل قدمه في اللحد، وقال: " أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة "(). البخاري، الفتح، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد. رقم (1343). ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة. وفقدوا نعش حنظلة، فتفقدوه فوجدوه في ناحية فوق الأرض يقطر منه الماء، فأخبر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال:" سلوا أهله ما شأنه؟ ". فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر. ومن هنا سمي حنظلة: غسيل الملائكة (). ولما رأى ما بحمزة-عمه وأخيه من الرضاعة-اشتد حزنه، وجاءت عمته صفية تريد أن تنظر أخاها حمزة، فأمر رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ابنها الزبير أن يصرفها، لا ترى ما بأخيها، فقالت: ولمَ ؟ وقد بلغني أن قد مُثِّلَ بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ - إن شاء الله -، فأتته فنظرت إليه، فصلت عليه - دعت له - واسترجعت واستغفرت له. ثم أمر رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بدفنه مع عبد الله بن جحش - وكان ابن أخته، وأخاه من الرضاعة.
قال ابن مسعود: ما رأينا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- باكياً قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب. وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته وانتحب حَتَّى نَشَع من البكاء() -والنشع: الشهيق.
وكان منظر الشهداء مريعاً جداً يفتت الأكباد. قال خباب: إن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة مَلْحَاء، إذا جعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حَتَّى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإِذْخَر().
وقال عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه ، وروي مثل ذلك عن خباب، وفيه: فقال لنا النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- :" غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر". البخاري، الفتح،رقم(3854) كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد.
الرسول-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-يثني على ربه -عز وجل- ويدعوه:
روي الإمام أحمد: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: " استووا حَتَّى أثني على ربي -عز وجل- " ، فصاروا خلفه صفوفاً، فقال:" اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك " . " اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحُول ولا يزول. اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللّهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق " ().
الرجوع إلى المدينة، ونوادر الحب والتفاني:
ولما فرغ رسول الله من دفن الشهداء والثناء على الله والتضرع إليه، انصرف راجعاً إلى المدينة، وقد ظهرت له نوادر الحب والتفاني من المؤمنات الصادقات، كما ظهرت من المؤمنين في أثناء المعركة.
لقيته في الطريق حَمْنَة بنت جحش، فَنُعِي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولوت، فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- : " إن زوج المرأة منها لبِمَكان "().
ومر بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حَتَّى أنظر إليه، فأشير إليها حَتَّى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلَلٌ - تريد صغيرة – ().
وجاءت إليه أم سعد بن معاذ تعدو، وسعد آخذ بلجام فرسه، فقال: يا رسول الله، أمي، فقال: " مرحباً بها ". ووقف لها، فلما دنت عزاها بابنها عمرو بن معاذ. فقالت: أما إذ رأيتك سالماً فقد اشتويت المصيبة - أي استقللتها - ثم دعا لأهل من قتل بأحد، وقال: " يا أم سعد، أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً " . قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال: " اللّهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخَلفَ على من خُلِّفُوا "(13).
الرسول-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-في المدينة:
وانتهى رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- مساء ذلك اليوم -يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3هـ- إلى المدينة. فلمَّا انتهى إلى أهلِهِ ناول سيفَهُ ابنته فاطمة،فقال:"اغسلي عن هذا دمه يا بنية،فو الله لقد صدقني اليوم"،وناولها عليُّ بن أبي طالب سيفَهُ،فقال:وهذا–أيضاً-,فاغسلي عنه دَمَهُ، فوالله لقد صدقني اليوم،فقال رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- :" لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حُنَيف وأبو دُجَانة ().
قتلى الفريقين:
اتفقت جُلُّ الرِّواياتِ على أنَّ قتلي المسلمين كانُوا سبعينَ، وكانت الأغلبية الساحقة من الأنصار؛ فقد قُتل منهم خمسة وستون رجلاً، واحد وأربعون من الخزرج، وأربعة وعشرون من الأوس، وقُتِلَ رجلٌ من اليهودِ.وأمَّا شهداءُ المهاجرين,فكانُوا أربعةً فقط.
وأمَّا قتلى المشركين؛فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلاً،ولكن الإحصاء الدقيق-بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير، والتي تتضمن ذكر قتلي المشركين في مختلف مراحل القتال-يُفيد أنَّ عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون،لا اثنان وعشرون، والله أعلم ().
حالة الطوارئ في المدينة:
بات المسلمون في المدينة-ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع من معركة أحد - وهم في حالة الطوارئ، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال-يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خاصة ؛ إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب(16).
للمزيد راجع:
"سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" للصالحي (4/182-307)، و"زاد المعاد" لابن قيم الجوزية (3/192-241)، و"الرحيق المختوم" للمباركفوري (276-324)، و"ابن هشام" (2/23-122)، و"عيون الأثر في سيرة خير البشر" لابن سيد الناس (2/5-56)، و"السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" لمهدي رزق الله أحمد (379-406).