بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-المدينة أتاه أبو بصير عُتبة() بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة فلما قدم رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بكتاب الأزهر والأخنس؛ فقال رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: (يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنَّ الله جاعل لك ولِمَن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، فانطلق إلى قومك)؛ قال يا رسول الله، أتردّني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: "يا أبا بصير، انطلق فإنّ الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً" سنن البيهقي الكبرى(6/227)، وابن حجر في الفتح(5/349).
قتل أبي بصير للعامري ومقالة الرسول في ذلك
فانطلق معهما، حتى إذا كان بذي الحُلَيفة() جلس إلى جدار، وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم، قال أنظر إليه ؟ قال: انظر إن شئت. قال فاستلّه أبو بصير، ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعاً حتى أتى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-طالعاً، قال: "إنّ هذا الرجل قد رأى فزعاً"؛ فلما انتهى إلى رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قال "ويحك! ما لك" ؟ قال: قتل صاحبُكم صاحبي. فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحاً بالسيف حتى وقف على رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-فقال: يا رسول الله، وفت ذمّتك، وأدّى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه، أو يُعبث بي. قال فقال رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: "ويل أمّهِ محَشّ حرب() لو كان معه رجال"! السنن الكبرى للبيهقي(9/227) وتاريخ الطبري 2/638، 639،و نهاية الأرب 17/ 245، 246.
إجماع المحتبسين إلى أبي بصير وإيذاؤهم قريشاً وإيواء الرسول لهم:
ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص، من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر، بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لأبي بصير: "ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال" السنن الكبرى للبيهقي(9/227) و تاريخ الطبري 2/638، 639، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلاً، وكانوا قد ضيقوا على قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قريش إلى رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- تسأل بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم. فآواهم رسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، فقدموا عليه المدينة().
قال ابن هشام: أبو بصير ثقفيّ.
قال ابن إسحاق: فلما بلغ سُهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبَهم العامريّ، أسند ظهره إلى الكعبة، ثم قال: والله لا أؤخّر ظهري عن الكعبة حتى يُودَى هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب: والله إنّ هذا لهو السَّفه والله لا يودى() فقال في ذلك موهب بن رياح أبو أُنَيْس، حليف بني زُهرة.
قال ابن هشام: أبو أنيس أشعريّ :
|
أتاني عن سهيل ذَرْءُ() قـــولٍ |
|
فأيقظـني وما بـي مـن رُقــــادِ |
|
فإن تكـن العِتــاب تريد منّــي |
|
فعـاتبنـي فما بك مـن بعــــادي |
|
أتُوعدني وعبد منـاف حــــول |
|
بمـخـزوم ألهـفاً مــن تُعـــادى |
|
فإنْ تغـمِز قنـاتي لا تجـدنــي |
|
ضعيف العُود في الكُرَب الشَّــــداد |
|
أُسامـي الأكْرمين أبـاً بقَوْمــي |
|
إذا وَطِئ الضعيفُ بهــــم أرادى() |
|
هم منعوا الظواهرَ غيرَ شـــكٍّ |
|
إلى حــيثُ البواطنُ فالعــــوادي |
|
بكــلِّ طِمـِرّة وبــكل نَهْــدٍ |
|
ســَوَاهِم قـد طُوين من الطِّــراد() |
|
لهم بالخَيـْف قـد عِلمـَتْ مَعَــدّ |
|
رِوَاق المـجْدِ رُفّـع بالعــمــاد() |
شعر ابن الزِّبَعْرَى في الرد على موهب:
فأجابه عبد الله بن الزبعرى، فقال:
|
وأمسـى مَوْهَب كحِـمار ســــَوء |
|
أجـــاز ببلدةٍ فـيــها يُنـــادي |
|
فــإنّ العبـدَ مثـلك لا يُنـــاوي |
|
سهيــلاً ضلّ سعْيكَ من تُعـــادي |
|
فأَقْصـِر يا بنَ قَـيـْن السّــُوء عنـه |
|
وعَـــدِّ عن المَقـالة في البـــلاد |
|
ولا تذكــر عِتـاب أبـي يـزيـــد |
|
فهيـهات البحــــور من الثِّماد |
قال ابن إسحاق: وهاجرت إلى رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل أبى الله ذلك.
قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري، عن عروة بن الزبير، قال دخلت عليه وهو يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة، صاحب الوليد بن عبد الملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}(10) سورة الممتحنة.
قال ابن هشام: واحدة العصم عصمة، وهي الحبل والسبب. قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
وهذا البيت في قصيدة له.
{وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (10) سورة الممتحنة.
قال فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساءُ إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وإلى الإسلام، أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم. فأمسك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.
قال ابن إسحاق: وسألت الزهري عن هذه الآية وقول الله عز وجل فيها: {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} (11) سورة الممتحنة. فقال: يقول: إن فات أحداً منكم أهلُه إلى الكفار ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم فعوضوهم من فيء إن أصبتموه.
فلما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (10) سورة الممتحنة. كان ممن طلق عمر بن الخطاب، طلق امرأته قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة، وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله بن عمر الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن بعضَ من كان مع رسول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله! إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: (بلى، أفقلت لكم من عامي هذا ؟) قالوا: لا، قال: (فهو كما قال لي جبريل –عليه السلام-) راجع: سيرة ابن هشام(4/296).
والحمد لله رب العالمين.