ظهور المنافقين وخيانتهم في أحد وموقف المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  البريد الإلكتروني والصور الخليعة
  ثرثرة النساء داء أم دواء ؟
  أحاديث ضعيفة وموضوعة في الدعاء
  أسد علي .. وفي الأسواق دجاجة !
  من أجل هذا لُعن اليهود
قائمة أخر الكتب إضافة
  بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني
  المولد النبوي ناصر الحنيني
  CD الصوفية... والجفري الراقص!!
  ماذا يتصفح العرب
  CD الصوفية... والجفري الراقص!!
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  وماذا بعد الحج
  المعجزة الخالدة
  حصاد الإجازة الصيفية
  الحذر من التهاون في أداء الدَّين
  الصدق
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
ظهور المنافقين وخيانتهم في أحد وموقف المسلمين

ملفات متنوعة
أضيفت بتاريخ:   2007-11-17
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   110
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تمرد عبد الله بن أُبي وأصحابه:‏

وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج،حَتَّى إذا كان بالشَّوْط صلَّى الفجر،وكان بمقربة جداً من العدو، فقد كان يراهم ويرونه،وهناكَ تمرَّدَ عبدُ اللهِ بن أُبي المنافق،فانسحب بنحو ثلث العسكر- ثلاثمائة مقاتل-قائِلاً‏:‏ ما ندري علام نقتلُ أنفسَنَا ‏؟‏ومُتظَاهِرَاً بالاحتجاجِ بأنَّ الرَّسُولَ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-تَرَكَ رأيه,وأطاعَ غيرَهُ‏.‏

ولاشك أنَّ سببَ هذا الانعزالِ لم يكن هو ما أبداه هذا المنافقُ من رفضِ رسولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-رأيَهُ،وإلاَّ لم يكن لسيرِهِ مع الجيشِ النَّبويِّ إلى هذا المكان معنى.‏ولو كان هذا هو السبب؛لأنعزل عن الجيش منذ بداية سيره،بل كان هدفُهُ الرئيسُ من هذا التمردِ-في ذلك الظَّرفِ الدَّقيقِ-أنْ يُحْدِثَ البلبلة والاضطرابَ في جيشِ المسلمينَ على مرأى ومسمعٍ من عدوِّهم،حَتَّى ينحازَ عامَّةُ الجيشِ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-،وتنهار معنوياتُ مَنْ يبقى معه،بينما يتشجَّعُ العدوُّ، وتعلو همتُهُ لرؤية هذا المنظرِ، فيكون ذلك أسرعَ إلى القضاءِ على النَّبيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-وأصحابِهِ المخلصين،ويصفو بعد ذلك الجو لعودةِ الرِّياسةِ إلى هذا المنافقِ وأصحابِهِ‏.‏

وكاد المنافقُ أنْ ينجح في تحقيقِ بعضِ ما كان يهدفُ إليه،فقد همَّت طائفتانِ- بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج -أن تفشلا،ولكن الله تولاهما، فثبتتا بعدما سرى فيهما الاضطرابُ،وهمَّتا بالرُّجوعِ والانسحابِ،وعنهما يقولُ اللهُ-تعالى-‏:‏{ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏}.آل عمران( 122‏)‏‏.  وحاول عبدُ الله بن حَرَام- والد جابر بن عبد الله - تذكيرَ هؤلاء المنافقينَ بواجبِهم في هذا الظَّرفِ الدَّقيقِ، فتبعهم وهو يُوبِّخهم ويحضُّهم على الرُّجوعِ، ويقولُ‏:‏تعالَوا قاتلوا في سبيل الله,أو ادفعُوا،قالوا‏:‏ لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجعْ، فرجع عنهم عبدُ اللهِ بنُ حَرَام قائِلاً‏:‏أبعدكم اللهُ-أعداءَ الله-،فسيُغني اللهُ عنكم نبيَّهُ‏.‏

وفي هؤلاء المنافقينَ يقولُ اللهُ-تعالى-‏:‏‏{ وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ‏ }‏.‏آل عمران‏‏( 167‏)‏‏.‏

 

 بقية الجيش الإسلامي يُواصِلُ سيرَهُ إلى أُحدٍ:‏‏

وبعد هذا التمردِ والانسحابِ قَامَ النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-ببقيةِ الجيشِ-وهم سُبعمائة مقاتلٍ-ليواصل سيرَهُ نحو العدو، وكان معسكرُ المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطقَ كثيرةٍ،فقالَ:‏‏"مَنْ رجلٌ يخرجُ بنا على القومِ مِنْ كَثَبٍ- أي من قريب-من طريقٍ لا يمرُّ بنا عليهم ؟ ". تاريخ الطبري(2/61). فقال أبو خَيثَمةَ‏:‏ أنا-يا رسول الله-,ثُمَّ اختارَ طَرِيقاً قَصِيْراً إلى أحدٍ يمرُّ بحَرَّةِ بني حارثة وبمزارعهم،تَارِكَاً جيشَ المشركينَ إلى الغربِ‏.‏

ومَرَّ الجيشُ في هذا الطَّريقِ بحائطِ مِرْبَع بن قَيظِي-وكان منافقاً ضريرَ البصر-فلمَّا أحسَّ بالجيشِ,قام يحثُو الترابَ في وجوه المسلمين،ويقول‏:‏ لا أحلُّ لكَ أنْ تدخلَ حائطي,إنْ كنتَ رَسُولَ اللهِ‏.‏فابتدره القومُ ليقتلوه،فَقَالَ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-‏:‏" لا تقتلُوه،فهذا الأعْمَى أعمى القلبِ أعمى البصر".  سيرة ابن هشام (4/11).   ونَفَذَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-حَتَّى نزلَ الشِّعْبَ مِنْ جبلِ أحدٍ في عدوة الوادي، فعسكر بجيشِهِ مُستقبلاً المدينةَ، وجَاعِلا ظهرَهُ إلى هضابِ جبلِ أحدٍ،وعلى هذا صارَ جيشُ العدوِّ فَاصِلاً بينَ المسلمين وبين المدينة‏ِ.‏

 

خطة الدفاع:‏

وهناك عَبَّأ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-جيشَهُ،وهَيَّأهم صُفُوفاً للقتال،فاختار منهم فصيلةً من الرُّماةِ الماهرين،قوامها خمسون مقاتلاً،وأعطى قيادتَها لعبدِ اللهِ بن جُبير بن النُّعمان الأنصاريِّ الأوسيِّ البدريِّ، وأمرهم بالتمركز على جبلٍ يقع على الضفة الشمالية من وادي قناةـ وعُرِفَ فيما بعدُ بجبلِ الرُّماةِ ـ جنوب شرق معسكر المسلمين،على بُعد حوالي مائة وخمسين متراً من مقرِّ الجيشِ الإسلاميِّ‏.‏

والهدفُ من ذلك هو ما أبداه رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-في كلماته التي ألقاها إلى هؤلاءِ الرُّماةِ، فقد قالَ لقائدِهم‏:‏‏" ‏انضحِ الخيلَ عَنَّا بالنَّبلِ، لا يأتونا مِن خلفِنا،إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتينَّ مِنْ قبلك‏ " (‏1). وقال للرُّماة‏ِ:‏‏"احمُوا ظهورَنا،فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا،وإنْ رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا‏" (2)‏، وفي روايةِ البخاريِّ أنه قال‏:‏ ‏" ‏إن رأيتمونا تخطفنا الطَّيرُ,فلا تبرحُوا مكانكم هذا, حَتَّى أُرسلَ إليكم،وإن رأيتمونا هزمنا القومَ ووطأناهم,فلا تبرحُوا حَتَّى أُرسلَ إليكم"(3‏)‏‏.‏

بتعيين هذه الفصيلةِ في الجبلِ مع هذه الأوامرِ العسكريةِ الشَّديدةِ سدَّ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- الثُّلمةَ الوحيدةَ التي كانَ يُمكن لفرسان المشركين أنْ يتسللوا من ورائِها إلى صُفُوفِ المسلمينَ،ويقومُوا بحركاتِ الالتفافِ وعمليةِ التَّطويقِ‏.‏

أمَّا بقيةُ الجيشِ فجعل على الميمنةِ المنذرَ بنَ عمرو،وجعل على الميسرةِ الزُّبيرَ بن العوَّام،يُسانده المقدادُ بنُ الأسودِ،وكَانَ إلى الزُّبيرِ مهمةُ الصُّمودِ في وجه فُرسانِ خالدِ بنِ الوليدِ،وجعل في مُقَدِّمةِ الصُّفوفِ نُخْبَةً مُمتازةً مِنْ شُجعانِ المسلمينَ ورجالاتهم المشهورين بالنَّجدةِ والبسالة،والذين يُوزنون بالآلافِ‏.‏

ولقد كانتْ خطةً حكيمةً ودقيقةً جداً، تتجلَّي فيها عبقريةُ قيادةِ النَّبيّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- العسكرية، وأنه لا يمكن لأيِّ قائدٍ مهما تقدَّمت كفاءتُهُ أنْ يضعَ خطةً أدقَّ وأحكمَ مِنْ هَذَا؛ فقد احتلَّ أفضل موضعٍ من ميدانِ المعركةِ،مع أنه نزل فيه بعدَ العدوِّ، فإنه حمى ظهرَهُ ويمينَهُ بارتفاعاتِ الجبلِ، وحمى ميسرتَهُ وظهرَهُ-حين يحتدمُ القتالُ-بسدِّ الثلمةِ الوحيدةِ التي كانتْ تُوجد في جانبِ الجيشِ الإسلاميِّ، واختار لمعسكرِهِ موضعاً مرتفعاً يحتمي به - إذا نزلت الهزيمةُ بالمسلمين -ولا يلتجئ إلى الفرارِ، حَتَّى يتعرَّضَ للوقوعِ في قبضةِ الأعداءِ المطاردينَ وأسرهم، ويلحق مع ذلك خسائر فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلالَ معسكرِهِ وتقدَّمُوا إليه،وألجأ أعداءَهُ إلى قبولِ موضعٍ منخفضٍ يصعبُ عليهم جداً أنْ يحصلوا على شيءٍ من فوائدِ الفتحِ إنْ كانتِ الغَلَبةُ لهم، ويصعب عليهم الإفلاتُ من المسلمينَ المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين، كما أنه عوَّضَ النَّقصَ العدديَّ في رجالِهِ باختيارِ نُخْبةٍ مُمتازةٍ من أصحابِهِ الشُّجعانِ البارزينَ‏.‏ وهكذا تَمَّتْ تعبئةُ الجيشِ النَّبويِّ صباحَ يومِ السَّبتِ السابع من شهر شوال سنة 3هـ‏.‏

 

الرَّسُولُ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-ينفثُ رُوحَ البسالةِ في الجيشِ‏‏ :

ونَهَى الرَّسُولُ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-النَّاسَ عن الأخذِ في القتال حَتَّى يأمرَهُم،وظَاهَرَ بين دِرْعينِ، وحَرَّضَ أصحابَهُ على القتالِ، وحَضَّهم على المصابرةِ والجلادِ عندَ اللِّقاءِ،وأخذَ ينفثُ رُوحَ الحماسةِ والبسالةِ في أصحابِهِ حَتَّى جَرَّدَ سيفاً باتِراً و نادى أصحابَهُ‏:‏‏"مَنْ يأخذُ هذا السَّيفَ بحقِّهِ‏؟ "،فَقَامَ إليهِ رجالٌ ليأخذُوه-منهم؛على بن أبي طالب،والزُّبير بن العوَّام،وعمر بن الخطاب-حَتَّى قام إليه أبو دُجَانةَ - سِمَاك بن خَرَشَة-،فقال‏:‏ وما حَقُّهُ,يا رسولَ اللهِ‏؟‏قالَ‏:‏‏" ‏أنْ تضربَ به وجوه العدوِّ حَتَّى ينحني". قال‏:‏ أنا آخذُهُ بحقِّهِ,يا رسولَ اللهِ،فأعطاه إيَّاهُ‏.‏وكان أبو دُجَانَةَ رَجُلاً شُجاعاً يختالُ عندَ الحربِ،وكانت له عصابةٌ حمراء إذا اعتصبَ بها؛علم الناسُ أنه سيُقاتل حَتَّى الموت‏.‏فلمَّا أخذ السَّيفَ عَصَبَ رأسَهُ بتلكَ العصابةِ، وجَعَلَ يتبخترُ بين الصَّفينِ، وحينئذٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-‏:‏" إنها لمشيةٌ يُبغضها اللهُ إلا في مثلِ هذا الموطنِ".  رواه الحاكم في المستدرك(3/256) والهيثمي في مجمع الزوائد(6/109)، والبيهقي في السنن الكبرى(9/155).

 

تعبئـةُ الجيشِ المكيّ:ِ

أما المشركون فعبَّئُوا جيشَهم حسب نظامِ الصُّفوفِ، فكانت القيادةُ العامةُ إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركزَ في قلبِ الجيشِ،وجعلُوا على الميمنةِ خالدَ بن الوليدِ-وكان إذ ذاكَ مُشرِكاً-وعلى الميسرةِ عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ،وعلى المشاة صفوانُ ابن أُمية،وعلى رُمَاةِ النَّبلِ عبدُ اللهِ بنُ أبي ربيعةَ‏.‏

أما اللِّواءُ فكان إلى مفرزةٍ من بني عبدِ الدَّارِ،وقد كان ذلك منصبهم منذ أنِ اقتسمتْ بنُو عبد مناف المناصبَ التي ورثُوها مِنْ قُصي بن كِلَاب,وكانَ لا يُمكن لأحدٍ أنْ يُنازِعَهُم في ذلكَ؛ تقيداً بالتَّقاليدِ التي ورثوها كابراً عن كابر،بيد أنَّ القائدَ العام-أبا سفيان-ذَكَّرهم بما أصاب قُرَيشاً يومَ بدرٍ حين أُسِرَ حاملُ لوائِهم النَّضرُ بن الحارثِ،وقال لهم-ليستفز غضبهم ويُثير حميتهم-‏:‏يا بني عبد الدار،قد وليتم لواءَنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتُم، وإنما يُؤتى الناسُ مِنْ قبلِ راياتِهم،وإذا زالتْ زالُوا،فإمَّا أنْ تكفونا لواءَنا،وإمَّا أنْ تُخلُّوا بيننا وبينه فنكفيكموه‏.‏

ونجح أبو سفيان في هدفِهِ، فقد غضبَ بنو عبدِ الدَّارِ لقولِ أبي سفيان أشدَّ الغضبِ، وهمُّوا به,وتوعَّدُوه وقالوا له‏:‏ نحن نسلم إليك لواءنا ‏؟‏ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع‏؟وقد ثبتوا عند احتدامِ المعركة حَتَّى أُبيدوا عن بَكْرةِ أبيهم‏.‏

 

مناوراتٌ سياسيةٌ مِنْ قِبَلِ قُريشٍ:‏

وقُبيل نُشُوبِ المعركةِ حاولتْ قريشٌ إيقاعَ الفُرقةِ والنِّزاعِ داخل صُفُوفِ المسلمين‏.‏ فقد أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقولُ لهم‏:‏ خَلُّوا بيننا وبين ابنِ عَمِّنا ؛فننصرف عنكم، ،فلا حاجةَ لنا إلى قتالِكم‏ ؟ ولكن أين هذه المحاولةُ أمام الإيمانِ الذي لا تقومُ له الجبالُ، فقد ردَّ عليه الأنصارُ رَدَّاً عَنِيفاً، وأسمعُوه ما يكره‏.‏ واقتربتْ ساعةُ الصِّفرِ،وتدانتِ الفئتانِ،فقامت قريشٌ بمحاولةٍ أُخرى لنفسِ الغَرَضِ، فقد خرج إلى الأنصارِ عميلٌ خائنٌ يُدعى أبا عامر الفاسق-واسمه عبد عمرو بن صَيفِي-,وكان يُسمَّى الرَّاهبَ، فسمَّاهُ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-الفاسقَ،وكانَ رأسَ الأوسِ في الجاهليةِ،فلمَّا جَاءَ الإسلامُ شَرِقَ به، وجَاهَرَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-بالعَدَاوةِ،فَخَرَجَ من المدينةِ,وذَهَبَ إلى قُريشٍ يُؤلِّبُهم على رسولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-ويحضُّهم على قتالِهِ،ووعدهم بأنَّ قومَهُ إذا رأوه أطاعُوه،ومالُوا معه, فكان أولَ مَن خَرَج إلى المسلمين في الأحابيشِ وعُبْدَان أهل مكة‏.‏ فَنَادَى قومَهُ وتعرَّفَ عليهم،وقَالَ‏:‏ يا معشرَ الأوسِ، أنا أبو عامر‏.‏ فقالُوا‏:‏ لا أنعم اللهُ بك عيناً يا فاسق‏.‏ فقال‏:‏ لقد أصابَ قومي بعدي شَرٌّ‏.‏ ولمَّا بَدَأَ القتالُ,قاتلَهم قتالاً شديداً وراضخهم بالحجارة‏.‏

وهكذا فشلتْ قُريشٌ في محاولتِها الثَّانية للتفريقِ بين صُفُوفِ أهلِ الإيمان‏ِ.‏ ويدلُّ عملُهم هذا على ما كان يُسيطرُ عليهم من خوفِ المسلمينَ وهيبتِهم، مع كثرتِهم وتفوقهم في العددِ والعُدَّةِ‏.‏

 

جهودُ نسوةِ قُريشٍ في التَّحميس‏ِ‏ :

وقامت نسوةُ قُرَيشٍ بنصيبهنَّ من المشاركة في المعركة، تقودهنَّ هندُ بنتُ عتبةٍ زوجةِ أبي سُفيانَ، فكُنَّ يتجولنَ في الصُّفوفِ، ويضربن بالدُّفوف؛ يستنهضن الرجال،ويُحرِّضْنَ على القتالِ، ويُثرن حفائظَ الأبطالِ،ويُحرِّكْنَ مشاعرَ أهلِ الطِّعانِ والضِّرابِ والنِّضالِ،فتارةً يُخاطبن أهلَ اللِّواءِ فيقلن‏:

 

ويـهـا حُمَاة الأدبـــار

 

وَيْها بني عبد الــدار

ضـرباً بكـل بتـــــار

وتارة يأززن قومهن على القتال وينشدن‏:‏

 

ونَفــْرِشِ النَّمـــارقْ

 

إن تُـقْبلُـوا نُعَانـِــقْ 

فــراقَ غيـرَ وَامِـِقْ

 

أو تُـدْبِـرُوا نُفـَــارِق

 

 


 


1 - ابن هشام (2/65-66).

2 - روى ذلك أحمد والطبراني والحاكم عن ابن عباس انظر فتح الباري (7/ 350).

3 -  البخاري ، الفتح ، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. رقم(3039).  


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.36 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع