بسم الله الرحمن الرحيم
شُهُودُ الملائكةِ وقعةَ بَدْرٍ:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ:وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر,أنَّه حدَّث عن ابنِ عبَّاسٍ,قَالَ:حدَّثني رَجُلٌ من بني غِفَار، قال: أقبلتُ أنا وابنُ عمٍّ لي حَتَّى أصعدنا في جبلٍ يُشرِفُ بنا على بَدْرٍ،ونحن مُشركان ننتظر الوقعةَ على مَن تكون الدبرة،فننتهبُ مَعَ مَن ينتهبُ.قال: فبينا نحنُ في الجبل إذْ دنت مِنَّا سحابةٌ,فسمعنا فيها حمحمةَ الخيلِ،فسمعتُ قائلاً يقول: أقدم حيزوم،فأمَّا ابنُ عمِّي فانكشفَ قِنَاعُ قلبِهِ,فمات مكانه، وأمَّا أنا فكدتُ أهلك، ثم تماسكتُ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر،عن بعضِ بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة-وكان شهد بدراً-,قال- بعد أن ذهب بصرُه-: لو كنتُ اليوم ببدرٍ,ومعي بصري لأريتُكم الشِّعبَ الذي خرجتْ منه الملائكةُ، لا أشكُّ فيه ولا أتمارى.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وحدثني أبي إسحاق بن يسار،عن رجال من بني مازن بن النجار,عن أبي داود المازني وكان شهد بدراً،قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدرٍ لأضربه,إذ وقع رأسُهُ قبل أن يَصِلَ إليه سيفي،فعرفت أنه قد قَتَلَهُ غيري.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وحدَّثني مَنْ لا أتهم عن مِقْسَم-مولى عبد الله بن الحارث-،عن عبد الله بن عباس، قال:كانت سِيْما الملائكةِ يومَ بدرٍ عمائمَ بيضاً، قد أرسلُوها على ظهورِهم,ويوم حنين عمائمُ حمراء.
قال ابنُ هشام: وحدَّثني بعضُ أهل العلم,أنَّ عليَّ بن أبي طالب,قَالَ:العمائمُ تِيجانُ العرب،وكانت سيما الملائكة يومَ بدرٍ عمائمَ بيضاء قد أرخوها على ظهورِهم،إلا جبريل فإنَّه كانت عليه عمامةٌ صفراء.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وحدَّثني مَن لا أتهم عن مقسم، عن ابن عبَّاس، قال: ولم تقاتلِ الملائكةُ في يومٍ سوى بدرٍ من الأيام،وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومَدَداً لا يضربون.
شِعَارُ المسلمينَ ببدرٍ:
قال ابنُ هشام: وكانَ شِعَارُ أصحابِ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-يومَ بدرٍ، أحدٌ أحدُ.
قصة سيف عُكَّاشة:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وقاتل عُكَّاشةُ بن محصن بن حرثان الأسدي-حليف بني عبد شمس بن عبد مناف- يومَ بدر بسيفه،حَتَّى انقطع في يدِهِ,فأتى رَسُولَ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-,فأعطاه جِذْلاً من حَطَبٍ, فَقَالَ: قَاتِلْ بهذا يا عُكَّاشةُ، فلمَّا أخذَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-هَزَّهُ, فعاد سيفاً في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة،فقاتل به حَتَّى فتح اللهُ- تعالى- على المسلمين، وكان ذلك السيفُ يُسمَّى" العون". ثم لم يزلْ عنده يشهد به المشاهدَ مع رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-حَتَّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ,وهُو عنده،قَتَلَهُ طُليحةُ بن خُويلد الأسديُّ،فَقَالَ طُليحةُ في ذلك:
|
فمـا ظنـَّكم بالقــوم إذْ تقتـلونهم |
|
أليســوا وإنْ لم يُسلموا برجالِ |
|
فإنْ تــكُ أذاودٌ أُصـبـن ونسـوةٌ |
|
فلـن تذهبـوا فرغاً بقتل حِبـالِ |
|
نصبتُ لهم صــدرَ الحمالة إنّـَها |
|
معــاودةٌ قيـل الكُمـاة نـزالِ |
|
فيومـاً تـراها في الجلالِ مصونة |
|
ويوماً تـراها غيـرَ ذاتِ جلالِ |
|
عشيـةَ غـادرتُ ابنَ أقـرم ثـاويا |
|
وعُكَّـاشة الغنـمي عنـد حجالِ |
حديثٌ بينَ أبي بكرٍ وابنِهِ عبدِ الرَّحمنِ يومَ بدرٍ:
قال ابنُ هشامٍ:ونادى أبو بكر الصَّدِّيقُ ابنَهُ عبدَ الرَّحمنِ،وهُوَ يومئذٍ مع المشركينَ،فَقَالَ: أين مالي,يا خبيث ؟،فقال عبدُ الرَّحمنِ:
|
لم يــقَ غيــرُ شكَّةٍ ويعبوبِ |
|
وصـــارمٌ يقتلُ ضُلَّالَ الشَّيبِ |
فيما ذُكر لي,عن عبد العزيز بن محمد الدراورديِّ.
طرح المشركين في القليب:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ:وحدَّثني يزيد بن رومان,عن عُروة بن الزُّبيرِ,عن عائشةَ،قالتْ:لما أَمر رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-بالقتلى أنْ يُطرَحُوا في القَلِيْبِ،طُرِحُوا فيه إلا مَا كَانَ مِنْ أُميَّةَ بنِ خَلَف،فإنَّه انتفخَ في دِرْعِهِ فملأها،فذهبوا ليُحرِّكوه، فتزايل لحمُهُ،فأقرُّوه وألقَوا عليه ما غيَّبَهُ من التُّرابِ والحِجَارةِ.فلمَّا ألقاهم في القَلِيبِ،وَقَفَ عَلَيهم رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-,فقال:"يا أهلَ القَلِيْبِ،هل وجدتُم ما وَعَدَكُم ربُّكم حَقَّاً ؟فإنِّي قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حَقَّاً ".قالت:فَقَالَ له أصحابُهُ: يا رَسُول اللهِ أتكلِّمُ قوماً موتى؟فقال لهم: "لقد علمُوا أنَّ ما وَعَدَهُم ربُّهم حقا ".مجمع الزوائد، (6/91)، وأحمد(2/131).
قالتْ عائشةُ:والنَّاس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم،وإنما قال لهم رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لقد عَلِمُوا. قَالَ ابنُ إسْحَاقَ:وحدَّثني حميدٌ الطويل,عن أنس بن مالك،قال:سمع أصحابُ-رَسُولِ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-من جوفِ اللَّيلِ،وهو يقول: "يا أهلَ القَليب،يا عُتبة بن ربيعة، ويا شَيبة بن ربيعة، ويا أُمية بن خَلَف،ويا أبا جهل بن هشام "، فعدَّدَ مَنْ كان منهم في القَليبِ:"هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقاً،فإنِّي قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً ؟ " فقال المسلمون: يا رَسُول اللهِ، أتُنادي قوماً قد جيَّفوا ؟ قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،ولكنهم لا يستطيعون أنْ يُجيبوني". قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وحدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ رَسُولَ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-,قالَ-يوم هذه المقالة-:"يا أهلَ القَليبِ، بئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتُم لنبيِّكم،كذَّبتموني وصَدَّقني النَّاس،وأخرجتمُوني وآواني النَّاسُ، وقاتلتمُوني ونَصَرني النَّاسُ "، ثم قال: "هل وجدتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقَّاً ؟ " للمقالة التي قال. تاريخ الطبري(2/37).
شعر حسان فيمن أُلقوا في القَليب:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وقال حسَّانُ بن ثابت:
|
عرفتُ ديـــارَ زينب بالكثيـتـبِ |
** |
كخطِّ الوَحْي في الورقِ القشيبِ |
|
تداولها الرِّيــاحُ وكُـلُّ جـــون |
** |
مـن الوسمـيِّ منهمـرٌ سكوب |
|
فأمسى رسمُـها خَلـَقاً وأمســت |
** |
يَبَـاباً بعد ساكنِــهـا الحبيـب |
|
فــدعْ عنك التذكـرَ كُلَّ يــتـوم |
** |
ورد حرارةَ الصَّـدرِ الكئيــبِ |
|
وخَبــِّر بالذي لا عيبَ فيــــه |
** |
بصدقٍ غيـر إخبـارِ الكـذوب |
|
بمـا صنــع المليكُ غـداةَ بــدر |
** |
لنا في المشركينَ من النَّصيـب |
|
غـداةِ كـأنَّ جمعهــم حـــراء |
** |
بـدت أركانُه جنــح الغُـُروب |
|
فـلاقينــاهـــم منَّــا بجمـعٍ |
** |
كأُسْدِ الغـابِ مردان وشـيـب |
|
أمــام محمـدٍ قــــد وازروه |
** |
على الأعداءِ في لفـحِ الحروب |
|
بأيديـهم صــوارمُ مُرْهَفَـــاتٌ |
** |
وكل مجرب خاظـي الكعـوب |
|
بنــو الأوس الغطـارفِ وازرتها |
** |
بنو النجـارِ في الدِّيـنِ الصَّليب |
|
فغــادرنا أبا جهـلٍ صَـرِيْعَــاً |
** |
وعُتبــةَ قَدْ تركنا بالجَبُــوب |
|
وشيبـةَ قـد تركنـا في رِجَــالٍ |
** |
ذَوِيْ حَسَبٍ إذا نُسِبـُوا حَسِيْب |
|
يُناديـهـم رَسُــولُ اللهِ لمَّـــا |
** |
قذفناهُم كباكـبَ في القَلـيـب |
|
ألم تَجِـدُوا كَلَامـي كَانَ حَــقَّـاً |
** |
وأمـرُ اللهِ يأخذُ بالقُـلُــوب؟ |
|
فَمَا نَطــَقُوا، ولـَوْ نَطَقُوا لَقَالُـوا |
** |
صَـدَقْتَ وكَنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيْب |
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ولمَّا أمر رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-أنْ يُلقَوا في القَليبِ،أُخِذَ عُتبةُ بنُ رَبِيعة، فسُحِبَ إلى القَلِيْبِ، فنظر رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-فيما بلغني- في وجهِ أبي حُذيفة بن عُتبة، فإذا هو كئيبٌ قد تغيَّر لونُهُ,فَقَالَ:"يا أبا حُذَيفة،لعلك قد دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أبيك شَيءٌ ؟ " ابن هشام،(3/190)تاريخ الطبري(2/37). أو كما قال-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-، فقال:لا-والله-يا رَسُول اللهِ،ما شككتُ في أبي،ولا في مصرِعِهِ، ولكنني كنتُ أعرف مِنْ أبي رأياً وحِلْماً وفَضْلاً، فكنتُ أرجُو أنْ يهديَهُ ذلكَ إلى الإسلامِ،فلمَّا رأيتُ ما أصابَهُ، وذكرتُ ما مَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ،بعد الذي كنتُ أرجُو له،أحزنني ذلكَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-بخيرٍ,وقَالَ لَهُ خيراً.
ذِكْرُ الفِتْيَةِ الذينَ نَزَلَ فيهم:{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}():