بسم الله الرحمن الرحيم
لون من ألوان الاختصار، ونوع من أنواع الاشتقاق عند المحدثين، والحديث عنه سيتناول ما يلي:
أولاً: تعريفه:
أ - تعريفه في اللغة: هو مصدر الفعل نحت ينحت نحتاً، أي شقَّه وبراه، وهذبه.
قال ابن فارس - رحمه الله -: "النون والحاء، والتاء كلمة تدل على نجر شيء وتسويته بحديدة.
ونحت النجار الخشبة ينحتها نحتاً.
والنحيتة: الطبيعة، يريدون الحالة التي نحت عليها الإنسان كالغريزة التي غرز عليها، وما سقط من المنحوت: نُحاته".
وقال ابن منظور - رحمه الله -: "ونحت الجبل ينحته: قطعه، وهو من ذلك.
وفي التنزيل: {وتنحتون الجبال بيوتاً آمنين}.
ب - تعريفه في الاصطلاح: أن يؤخذ من كلمتين فأكثر كلمة واحدة.
أو هو: استخراج كلمة واحدة من كلمتين أو أكثر.
ومعنى ذلك: أن يُعْمَدَ إلى كلمتين فأكثر، فيُجْعَلَ منهما كلمة واحدة تعبر عن الكلمتين.
مثال ذلك: عبشمي: نسبة إلى عبد شمس، وحيعل نسبة إلى حي على الفلاح، وسيأتي مزيد أمثلة للنحت.
ثانياً: شروط النحت: من خلال التعريف الماضي يتبين أنه يشترط للكلمة المنحوتة شروط وهي:
1- أن تكون معبرة عن معنى الكلمات التي أخذت منها.
2- أن تَجْمع بين حروف ما أخذت منه خصوصاً إذا كان من كلمتين فقط.
مثل: عبدري نسبة إلى عبد الدار، حيث جُمع بين حروف الكلمتين.
أما إذا كان من ثلاث كلمات فلا يشترط الأخذ من كل كلمة مثل: جعفدة من قولهم: جعلني الله فداك؛ فلفظ الجلالة لم يؤخذ منه شيء.
ثالثاً: أهم طرق النحت(1): هناك طرق يتم من خلالها النحت، ومن أهمها ما يلي:
إلصاق الكلمة بالأخرى دون تغيير شيء بالحروف والحركات، نحو: برمائي، واللاأدرية.
2- تغيير بعض الحركات دون الحروف نحو: شَقَحْطَب، من: شق حطب.
3- إبقاء إحدى الكلمتين كما هي، واختزال الأخرى نحو: مُشلْوَز منحوت من المشمش واللوز، ومُحَبْرَم من: حب الرمان.
4- إحداث اختزال متساوٍ في الكلمتين؛ فلا يدخل في الكلمة المنحوتة إلا حرفان من كلٍّ منهما، نحو: تَعَبْشَم من: عبد شمس.
5- إحداث اختزال غير متساوٍ في الكلمتين، نحو: سبحل من قال: سبحان الله.
6- حذف بعض الكلمات حذفاً تاماً دون أن تترك في الكلمة المنحوتة أي أثر، نحو: طَلْبَق - أي أطال الله بقاءك - وهيلل - قال: لا إله إلا الله - فإن لفظ الجلالة (الله) حذفت منه الكلمتين، ولم يبق لها أي أثر في الكلمتين المنحوتتين، وقد مر ذلك في الفقرة الماضية عند الحديث عن شروط النحت.
رابعاً: النحت عند العلماء: كان النحت معروفاً عند العرب قديماً، ولكنهم لم يعنوا به، ويعد ابنُّ فارسٍ - رحمه الله - فارسَ هذه الفكرة، وإمامها المتوسع فيها.
وعلماء العربية قديماً وحديثاً يعدونه رائد هذا المضمار، والمطبق الفعليَّ له.
وقد بين ابن فارس أن العرب تعرف هذا، ونقل عن الخليل وغيره؛ ليبين أن هذه الفكرة ليست مبتدعة من قِبَلِهِ.
قال - رحمه الله - في باب عقده في كتابه الصاحبي عنوانه (باب النحت): "العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك: (رجل عبشمي) منسوب إلى اسمين، وأنشد الخليل:
أقول لها ودمع العين جارٍ * ألم تحزُنْك حيعلة iiالمنادي
مكان قوله (حي على)
وهذا مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثره منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد: (ضِبَطْر) من ضبط وضبر.
وفي قولهم: (صهصلق) إنه من (صهل) و (صلق) وفي (الصِّلدم) إنه من (الصَّلْد) و (الصَّدْم).
وقد ذكرنا ذلك بوجوهه في كتاب مقاييس اللغة".
وبهذا يتبين أن ابن فارس هو إمام هذا الفن، وأنه أول من أرجع كثيراً من الكلمات الرباعية والخماسية إلى النحت؛ حيث كان ذلك منهجه في كتاب (معجم مقاييس اللغة) في أبواب ما زاد على ثلاثة أحرف من الكلمات، وإن كان - كما سبق - قد ذكر أن الفكرة كانت موجودة عند الخليل.
ومن أمثلة المنحوت التي أوردها من الرباعي قوله: "ومن ذلك قولهم: (بَلْطَحَ) الرجلُ إذا ضَرَب بنفسه في الأرض؛ فهي منحوتة من بُطِح وأُبلِط إذا لَصِق ببلاط الأرض.
ومن ذلك قولهم: (يزمخ) الرجل إذا تكبر، وهي منحوتة من قولهم: زَمخَ إذا شمخ بأنفه، وهو زامخ، ومن قولهم: بزخ إذا تقاعس، ومشى متبازخاً إذا تكلف إقامة صُلبه".
وقال: "ومن ذلك (البِرْقِش) وهو طائر، وهو من كلمتين: من رقشتُ الشيء - وهو النقش - وهو من البرَش وهو اختلاف اللونين، وهو معروف".
ومما أورده من أمثلة الخماسي قوله: "ومن ذلك (الدَّلَهْمَس): وهو الأسد.
قال أبو عبيد: سمي بذلك لقوَّته وجرأته.
وهي عندنا منحوتة من كلمتين: من دَالَسَ، وهَمَسَ؛ فَدَالس: أتى في الظلام، وقد ذكرناه، وهمس: كأنه غمس نفسه فيه، وفي كل ما يريد، يقال: أسدٌ هموس".
وقال: "ومن ذلك (دغمرت) الحديث: إذا خَلَطْته، قال: الأصمعي في قوله:
ولم يكن مؤتبشاً دِغماراً
قال: المُدَغْمِر: الخفي.
وهذه كلمة منحوتة من كلمتين: من دغم يقال: أدغمت الحرف في الحرف إذا أخفيته، وقد فسرناه، ومن دغر: إذا دخل على شيء".
هذا وسيأتي مزيد أمثلة فيما بعد.
ومن العلماء الذين ألفوا في النحت الظهير العماني.
قال السيوطي - رحمه الله -: "وقد ألف في هذا النوع أبو علي الظهير بن الخطير الفارسي العماني كتاباً سماه (تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب) ولم أقف عليه، وإنما ذكره ياقوت الحموي في ترجمته في كتابه معجم الأدباء.
قال ياقوت في معجم الأدباء: "سأل الشيخ أبو الفتحِ عثمانُ بن عيسى الملطيُّ النحوي الظهير الفارسي عما وقع في ألفاظ العرب، على مثال شَقَحْطَب فقال: هذا يسمى في كلام العرب المنحوت، ومعناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين كما ينحت النجار خشبتين ويجعلهما واحدة، فشقحطب منحوت من شِقّ حَطَب، فسأله الملطي أن يُثبت له ما وقع من هذا المثال إليه؛ ليعول في معرفتها عليه، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها كتاب (تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب".
خامساً: أقسام النحت: يمكن أن يقسم النحت باعتبار كلماته المنحوتة إلى أربعة أقسام وهي:
1- النحت النِّسبي: وهو ما يكون لبيان نسبة الشخص إلى قبيلة أو مذهب أو غير ذلك، ومن أمثلته: عبدري نسبة إلى عبدالدار، وعبشمي نسبة إلى عبد شمس، وعبقسي نسبة إلى عبد القيس، ومرقسي نسبة إلى امرئ القيس، وتيلمي: نسبة إلى تيم اللات.
ومن ذلك: شفعنتي، وحنفلتي نسبة إلى مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله -.
2- النحت الفعلي: وهو ما يكون في الأفعال، وهو ما ينحت من الجملة دلالة على منطوقها، وتحديداً لمضمونها، نحو: بسمل من قال: بسم الله، ومن شواهده:
لقد بسملت ليلى غداة iiلقيتها * فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
ومن ذلك قول: حيعل وقد مر، ومن ذلك: حوقل: أي قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلل: أي قال: لا إله إلا الله.
3- النحت الوصفي: وهو أن تنحت من كلمتين كلمة على صفة بمعناها أو بأشد من هذا المعنى، ومن أمثلته: صهصلق: صفة للرجل الشديد الصوت الصخاب، يقال: امرأة صهصلق: صخابة.
قال ابن فارس - رحمه الله -: "وهذا منحوت من كلمتين: من صهل، وصلق".
4- النحت الاسمي: وهو أن تنحت من كلمين فأكثر اسماً، وهو أقل هذه الأنواع، مثل: جلمد من جلد وجمد، قال ابن فارس: "وهذا من كلمتين: من الجَلَد: وهي الأرض الصُّلبة، ومن الجَُمُد: وهي الأرض اليابسة".
ومن ذلك: الضرغام: الأسد، ومن ذلك عقابيل: من عقبى وعلة، وحبقر: من حب وقرَّ.
يقول ابن فارس: "فهذا منحوت من كلمتين: من ضغم وضرم، كأنه يلتهب حتى يَضْغَم".