بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: تعريف الإبدال:
أ - تعريفه في الأصل: الإبدال - في الأصل - جعل الشيء مكان شيءٍ آخر.
ب - التعريف الصرفي للإبدال: هو جعل حرف مكان حرف آخر، سواء كان الحرفان صحيحين مثل: اصطبر واصتبر، أو معتلين: قال وباع أصلها: قَوَل وبَيَع، أو مختلفين: دينار وقيراط أصلها: دنار وقرَّاط.
والأحرف التي تبدل من غيرها إبدالاً شائعاً مطرداً لغير إدغام تسعة يجمعها: قول ابن مالك: (هدأت موطياً).
وجمعها - رحمه الله - في التسهيل في (طويت قائماً).
ج - التعريف اللغوي للإبدال: يُعَرّف الإبدال في اصطلاح فقه اللغة بتعريفات أشهرها تعريفان:
1- تعريف المتوسعين في الإبدال: حيث يعرفونه بأنه: وضع حرف مكان حرف في الكلمة مع الاتفاق بين الكلمتين في المعنى، أو تقاربهما.
قال ابن فارس - رحمه الله -: "ومن سنن العرب إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، ويقولون: مَدَحَهُ ومَدَهه، وفرسٌ رِفلٌّ ورِفنٌّ".
2- تعريف غير المتوسعين: كابن جني وغيره ممن يقيدونه هو: إبدال حرف مكان حرف مع تقاربهما في المخرج، واتحاد الكلمتين في المعنى والمكان، وألا يتصرف أحدهما تصرفاً كاملاً.
ومعنى اتحادهما في المكان: أي أن يكونا في بيئة واحدة.
مثال ذلك: جذا وجثا؛ فمعناهما واحد، ومخرجهما واحد، ولكن العرب أبدلوا إحداهما من الأخرى؛ فإحدى الكلمتين هي الأصل.
أما جاس وحاس فهاتان ليس بينهما اتحاد تام في المعنى والمخرج؛ فليسا داخلين ضمن الإبدال عند غير المتوسعين.
أما المتوسعون فيه فيرون أنهما داخلان في الإبدال.
ثانياً: أمثلة أخرى للإبدال: نقل السيوطي - رحمه الله - في المزهر أمثلة كثير للإبدال نقلها عن أئمة اللغة، ومن تلك الأمثلة:
1- استأديت عليه، مثل: استعديت.
2- الأيْم والأين: الحية.
3- طانه الله على الخير وطامه: يعني جبله.
4- فِنَاء الدار وثِناء الدار.
5- جَدَثٌ وجدفٌ للقبر.
6- وجذوتُ وجثوت: والجذو أن تقوم على أطراف الأصابع.
7- نبض العِرْق ونبذ.
8- أيا وهيا، وإياك وهياك.
9- أرَّخ وورَّخ.
10- وُشَاح وإشاح.
11- وسادة وإسادة.
12- رجل ألمعي ويلمعي.
13- الناس والنات، وأكياس وأكيات.
14- الأقطار والأقتار: النواحي.
15- تلعثم، وتلعذم.
16- الحثالة والحفالة: الرديء من كل شيء.
17- الثوم والفوم: الحنطة.
18- اللثام واللفام.
19- يرتج ويرتك: إذا ترجرج.
20- ضبحت الخيل وضبعت.
21- كدحه وكدهه.
22- اطرخمَّ واطرهم: إذا كان طويلاً مشرفاً.
23- وصخرته الشمس وصهرته إذا اشتد وقعها عليه.
24- زعه ونسفه: إذا طعنه.
25- الشَّرز والشَّرص: الغَلْظ من الأرض.
26- أملصت الناقة وأملطت: ألقت ولدها ولم يشعر.
27- في صدره عي حسيفة وحسيكة.
28- الغيم والغين: السحاب.
ثالثاً: الفروق بين الإبدال الصرفي والإبدال اللغوي: هناك فروق بين الإبدال الصرفي والإبدال اللغوي ومنها:
1- أن الصرفي له قواعد منضبطة ثابتة كما أنه مطرد منقاس مثل إبدال الواو أو الياء همزة في اسم الفاعل: نحو: قائل، وبائع.
أما اللغوي فهو سماعي لا ينقاس ولا يطرد.
2- الإبدال الصرفي ضروري في الاستعمال؛ فالإبدال واجب في مثل: قاول، وسماء، فلا بد أن يقال: قائل، وسماء.
أما الإبدال اللغوي فليس ضرورياً، وإنما هو للتوسع، أو الميل إلى اليسر والسهولة.
3- الإبدال الصرفي لا يجوز فيه استعمال الصيغة الأصلية مثل: قاول وإنما يقال: قائل - كما مر - فالصيغة الأولى لا تستعمل؛ لأنه لا وجود لها في اللغة، وإنما يؤتى بها للتوضيح والتعليم.
أما الإبدال اللغوي فالصيغتان تستعملان كأن ينطق العرب بالذال أو الثاء مثل: جذا، وجثا.
4- الإبدال الصرفي يقع في حروف محدودة فابن مالك - كما مر - يراها تسعة.
جمعها في قوله: (هدأت موطياً) وفي التسهيل يراها ثمانية جمعها في قوله: (طويت دائماً).
وعلى اختلاف عِدَّتها فهي محصورة.
إما الإبدال اللغوي فليس له حروف محصورة؛ لأنه سماعي واللغة كلها مجال له.
رابعاً: التأليف في الإبدال: تنبه علماء العربية للإبدال، وعنوا بجمع الألفاظ المبدلة والتأليف فيها:
ومن أشهر من ألف في هذا ابن السِّكِّيت في كتابه (القلب والإبدال).
وهو من الذين ينظرون إليه بالمعنى العام، ويعني بالقلب: الإبدال نفسه؛ فهو تفسير له.
وممن ألف في الإبدال: الزجاجي وهو من علماء القرن الرابع؛ حيث ألف رسالة صغيرة سماها: (الإبدال والمعاقبة والنظائر).
وهي أصغر من كتاب ابن السكيت.
وكذلك أبو الطيب اللغوي جمع كتاباً سماه (الإبدال).
وهو أوسع كتاب في العربية في الإبدال، ويقع في مجلدين، ويظهر فيه أنه يمثل أوسع تعريف للإبدال؛ حيث لم يشترط الاتفاق بين الكلمتين في المعنى فحسب، وإنما يجعل التقارب بين الكلمتين داخلاً في الإبدال.
كذلك ابن مالك له كتاب مخطوط اسمه (وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم).
أما الكتب التي تكلمت على الإبدال ضمناً فكثيرة؛ فابن فارس أشار إليه في الصاحبي، وكذلك ابن جني؛ حيث ذكره في مواضيع متعددة في الخصائص، وكذلك السيوطي في المزهر؛ حيث أفرد النوع الثاني والثلاثين في معرفة الإبدال، وكذلك أورده في مواضع أخرى من المزهر.
وأما أوسع الكتب التي تكلمت على الإبدال ضمناً وأعظمها فهو كتاب (سر صناعة الإعراب) لا بن جني؛ حيث أودعه خلاصة أرائه وأراء شيخه أبي علي الفارسي في الإبدال، فمن ضمن ما أورده ابن جني في ذلك الكتاب أنه أفرد لكل حرف من حروف العربية باباً ذكر فيه أحواله، وتصرفه في الكلام من أصليته، وزيادته، وصحته، وعلته، وقلبه إلى غيره، وقلب غيره إليه، فهو - بحق - لم يؤلف مثله بعده في بابه.
وكما اعتنى القدماء بالإبدال فكذلك اعتنى به المحدثون، ومن الكتب التي تكلمت عليه ضمناً كتاب (من أسرار اللغة) لإبراهيم أنيس، و(الاشتقاق) لعبد الله أمين، وغيرهما.