بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله، و على آله و صحبه و من والاه.
أما بعد:
(فإن النحو علم يُعرف به حقائق المعاني، و يوقف به على معرفة الأصول و المباني، و يحتاج إليه في معرفة الأحكام، و يستدل به على الفرق بين الحلال و الحرام، و يُتوصل بمعرفته إلى معاني الكتاب، و ما فيه من الحكمة و فصل الخطاب)[1]
و لابد له مع ذلك من أصول تُحكمه، و ضوابط تضبطه حتى يكون الاستدلال، و الاحتجاج على أصول و قواعد محكمة.
و قد كتب في ذلك الجلال السيوطي (الاقتراح في أصول النحو و جدله) فنثر فيه درراً، و غرراً، و فوائد بديعة، و شوارد رفيعة.
و مما زاده جمالاً على جماله شرح ابن الطيب الفاسي (فيض نشر الانشراح من روض طي الاقتراح) عليه، فجلى فيه غوامضه، و أبان مشكلاته.
و قد اعتراهما حشوٌ يُورث الملل و السآمة على المشتغل بالقراءة فيهما.
و قد صحَّ العزم باختصار و تهذيب لكتاب السيوطي مقتصراً فيه على المهم من تلك الأصول، وزائداً عليه المهم من غيـره، مجانباً للحشو فيه.
و سميته بـ (النحو إلى أصول النحو).
و مرادي بـ (النحو) الأولى القصد إذ هو من معانيه [2]، و بالثانية العلم - أي علم النحو -.
و الله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله.
مقدمات:
أصول النحو: علم يُبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته، و كيفية الاستدلال بها، و حال المستدل بها.
حد النحو: علم بأصولٍ يُعرف بها أحوال أواخر الكلم العربية إعراباً و بناءً.
و قيل: انتحاء سمْتِ كلام العرب ليلحق مَنْ ليس مِنْ أهل العربية بأهلها في الفصاحة.
حد اللغات: اللغة أصوات يُعَبِّر بها كل قوم عن أغراضهم.
فصل في مبدأ اللغة:
اختلف أهل العربية في ذلك على أقوال ثلاثة:
الأول: أنها من وضع الله - تعالى -. وهو الأرجح.
الثاني: أنها اصطلاحية.
الثالث: التوقف.
فصل في المناسبة بين الألفاظ و المعاني:
أطبق أهل اللغة على التناسب بين الألفاظ و المعاني، بل الألفاظ قوالب للمعاني.
و هي شرط في الألفاظ لأنها إن كانت من وضع الله - تعالى -فهي لازمة لحكمته، أو كانت من وضع البشر فهي ظاهرة لمرادهم لمعناها.
و دلالة الألفاظ على المعاني إما:
(1) بذواتها.
(2) أو بوضع الله - تعالى -.
(3) أو بوضع الناس.
(4) أو بكون البعض بوضع الله، و البعض بوضع الناس.
فصل في الدلالات النحوية:
الدلالة هي ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه.
و هي ثلاث دلالات:
الأولى: دلالة لفظية: وهو ما يعود إلى القول و الكلام.
الثانية: دلالة صناعية: و هي ما يعرف بالمصطلح.
الثالثة: دلالة معنوية: وهو ما يفهم من الملابسات المحيطة بالمتكلم من غير استعانة بكلام كـقولك للمسافر: سفرا سعيدا أي تسافر سفرا سعيدا.
فصل في الحكم النحوي:
الحكم النحوي ستة أقسام:
الأول: الواجب؛ كـ (رفع الفاعل) و تأخره عن الفعل.
الثاني: الممنوع؛ كعكس ما سبق.
الثالث: الحسن؛كرفع المضارع الواقع جزاءً بعد شرط ماضٍ.
الرابع: القبيح؛ كرفع المضارع بعد شرط مضارع. وهو ضعيف أو ضرورة.
الخامس: خلاف الأوْلى؛كتقديم الفاعل على المفعول نحو (ضرب غلامُهُ زيداً) بدلاً من (ضرب زيداً غلامه).
السادس: جائز على السواء؛ كحذف المبتدأ أو الخبر أو إثباته حيث لا مانع من الحذف و لا مقتضى له.
و منه رخصة: وهو ما جاز استعماله لضرورة الشعر.
فصل في طرق معرفة العجمة:
الكلام العجمي هو كلُّ ما ليس بعربي، و لو نقل إلى العربية.
و لمعرفة العجمة في الاسم طرائق سبعة:
الأولى: أن يُعرف بالنقل عن إمام من أئمة العربية.
الثانية: أن يكون خارجاً عن أوزان الأسماء العربية.
الثالثة: أن يكون أوله نون ثم راء كـ (نرجس)، فإنه لا يعرف في العربية اسم هذه حاله.
الرابعة: أن يكون آخره دالٌ بعدها زاي كـ (مهندز)، أو دالٌ بعدها ذال كـ (بغداذ).
الخامسة: أن يجتمع فيه:
(1) الجيم و الصاد كـ (الصولجان).
(2) الجيم و القاف كـ (المنجنيق).
(3) الجيم و الكاف كـ (جنكيز).
(4) الجيم و الطاء كـ (الطاجن).
(5) السين و الذال كـ (السذَّاب).
(6) الصاد و الطاء كـ (صراط) [3].
(7) الطاء و التاء كـ (طست).
السادسة: أن يكون خماسياً أو رباعياً عارياً من الحروف الذلاقية و هي: الباء، و الراء، و الفاء، و اللام، و الميم، و النون.
فإذا كان الاسم كذلك أي رباعي أو خماسي وهو خالٍ من تلك الحروف فهو أعجمي[4].
السابعة: أن يأتي الاسم و فيه لام بعدها شين، فإن الشينات في العربية كلها قبل اللام.
الأدلة:
تثبت النحويات بأمور هي:
الأول: السماع: و المحتج به منه:
القرآن: فكلُّ ما ورد أنه قريء جاز الاحتجاج به في العربية سواءً كان:
(1) متواتراً وهو ما قرأ به السبعة.
(2) آحاداً وهو ما روي عن بعضهم و لم يتواتر.
(3) شاذاً: وهو ما كان عن غير السبعة.
و الإجماع على الاحتجاج بالقراءات الشاذة.
و ليس فيه لغة ضعيفة و لا شاذة و فيه لغات قليلة.
و ليس فيه ما ليس من لغة العرب، و إنما يتوافق اللفظُ اللفظَ و يقاربه و معناهما واحد. و أحدهما بالعربية و الآخر بغيرها. و كل ما فيه فهو أفصح مما في غيره إجماعاً.
الحديث: الصحيح الاحتجاج به، و هو أولى من غيره عدا القرآن.
و يستدل منه بما ثبت عن النبي نقله على اللفظ المروي به، و سواء فيه:
(1) المتواتر.
(2) الآحاد.
كلام العرب: و يحتج منه بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم، حتى و لو كانوا كفاراً.
و يحتج بكلام قبائل قلب الجزيرة: قريش، قيس، تميم، أسد، ثم هذيل، و بعض كنانة، و بعض الطائيين.
و لا يؤخذ عمن جاور غير العرب لفساد ألسنتهم.
و لا يحتج بكلام المولّدين و المُحدَثِيْن.
و فرقٌ بين المولَّد و المصنوع، فإن المصنوع يورده صاحبه على أنه عربي فصيح، و المولَّد بخلافه.
فصل في أقسام المسموع:
ينقسم المسموع عن العرب إلى قسمين:
(1) مُطّرِد: وهو الكلام المنقول عن العرب، مستفيضاً، بحيث يُطْمَأَن إلى أنه كثير كي يقاس عليه.
(2) شاذ: وهو كلُّ كلام عربي أصيل، لم تذكر له قاعدة كلية، و لم يحظَ بالشيوع و الكثرة، و لا يقاس عليه.
و هما على أربعة أضرب:
الأول: مطرد في القياس و الاستعمال معاً و هذا هو المطلوب و الغاية: و هو الكلام:
(1) الذي لا يخرج عن القواعد العامة المبنية على الأعم و الأشمل.
(2) و الذي كثر استعماله في العربية.
الثاني: مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: و هو الكلام:
(1) الذي لا يخرج عن القواعد العامة المبنية على الأعم و الأشمل.
(2) و ندر استعماله.
الثالث: مطرد في الاستعمال شاذ في القياس: و هو الكلام:
(1) الذي خرج عن القواعد العامة المبنية على الأعم و الأشمل.
(2) الذي كثر استعماله.
الرابع: شاذ في القياس و الاستعمال معاً: و هو الكلام:
(1) الخارج عن القواعد العامة المبنية على الأعم و الأشمل.
(2) و لم تستخدمه العرب. وهو مجمع على رفضه.
فصل في حكم اللغات:
جميع لغات العرب حجة على اختلافها، و يقاس عليها.
و يستعمل الأقوى و الشائع منها.
فائدة: اختلاف اللغات من وجوه:
الأول: الاختلاف في الحركات.
الثاني: الاختلاف في الحركة و السكون.
الثالث: الاختلاف في إبدال الحروف.
الرابع: الاختلاف في الهمز و التليين.
الخامس: الاختلاف في التقديم و التأخير.
السادس: الاختلاف في الحذف و الإثبات.
السابع: الاختلاف في الحرف الصحيح يُبْدَل حرفاً معتلاً.
الثامن: الاختلاف في الإمالة و التفخيم.
التاسع: الاختلاف في الحرف الساكن يستقبله مثله فمنهم من يكسر الأول، و منهم من يضم.
العاشر: الاختلاف في التذكير و التأنيث.
الحادي عشر: الاختلاف في الإدغام.
الثاني عشر: الاختلاف في الإعراب.
الثالث عشر: الاختلاف في صورة الجمع.
الرابع عشر: الاختلاف في التحقيق و الاختلاس.
الخامس عشر: الاختلاف في الوقف على هاء التأنيث.
السادس عشر: الاختلاف في الزيادة، نحو: انظر و انظور.
و من اختلاف اللغات ما هو اختلاف تضادٍّ.
و قد يكون في الكلمة لغتان، أو ثلاث، أو أربع، أو خمس، أو ست، و لا يكون أكثر من ذلك.
الثاني: الإجماع: وهو اتفاق علماء النحو و الصرف على مسألة أو حكم.
و المراد بالعلماء أئمة البلدين الكوفة و البصرة، أو أكثر النحاة، لا كلّ العلماء في العصور.
و إجماع العرب إن وقف عليه.
و هو حجة إذا لم يخالف:
(1) المنصوص.
(2) المقيس على المنصوص.
و يعمل بالمجمع عليه عند تعارضه مع المختلف فيه.
و إحداث قولٍ من تركيب للمذاهب شبيه بتداخل اللغات.
مسألة: هل يعتبر الإجماع السكوتي؟
التحقيق على اعتباره.
الثالث: القياس: وهو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه.
وهو معظم أدلة النحو، و التعويل عليه في أغلب المسائل النحوية.
و لا يتحقق إنكاره لأنه أغلب النحو، و إنكاره إنكار للنحو.
و ينقسم إلى:
(1) حمل فرع على أصل.
(2) حمل أصل على فرع.
(3) حمل نظير على نظير.
(4) حمل ضد على ضد.
و الأول و الثالث هو قياس المساوي: وهو أن تكون العلة في الفرع و الأصل على سواء.
و الثاني قياس الأولى: و هو أن تكون العلة في الفرع أقوى منها في الأصل.
و الرابع قياس الأدون: و هو أن تكون العلة في الفرع أضعف منها في الأصل.
وهو ينقسم أيضاً:
(1) قياس جلي: أي واضح ظاهر لوضوح جامعية علته للأصل و الفرع.
(2) قياس خفي: وهو ترك القياس و الأخذ بما هو أوفق للناس، و هو الاستحسان.
والقياس أنواع ستة:
الأول: القياس الأصلي: وهو إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب، حتى انتظمت منه قاعدة عامة.
الثاني: قياس التمثيل: وهو إعطاء الكلم حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، و لكن توجد بينهما مشابهة في بعض الوجوه.
الثالث: قياس الشبه: وهو حمل العرب لبعض الكلمات على أخرى، و إعطاؤها حكمها لشبه بينهما من جهة المعنى.
الرابع: قياس العلة: وهو اشتراك المقيس و المقيس عليه في العلة التي يقوم الحكم عليها. و يأتي الكلام على العلة إن شاء الله - تعالى -.
الخامس: قياس الطرد: وهو الذي يوجد معه الحكم للاطراد.
السادس: إلغاء الفارق: وهو بيان أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر، فيلزم اشتراكهما.
و شروطه:
الأول: أن لا يكون المقيس عليه شاذاً.
الثاني: أن يكون المقيس قد قيس على كلام العرب.
الثالث: أن يكون الحكم قد ثبت استعماله عن العرب.
و أركانه أربعة:
الأول: الأصل: و هو المقيس عليه.
و من شرطه: أن لا يكون شاذاً خارجاً عن سَنَنِ القياس.
و ليس من شرطه الكثرة؛ إذ قد يقاس على القليل لموافقته للقياس، و لا يقاس على الكثير لمخالفته إياه.
و يجوز تعدد الأصول المقيس عليها.
الثاني: فرع: وهو المقيس.
و هو من كلام العرب إذ القياس على كلامهم.
الثالث: الحكم: وهو ما يكتسبه الفرع من الأصل.
و يقاس على حكم ثبت استعماله عن العرب، و على ما ثبت بالقياس و الاستنباط.
و هل يجوز القياس على أصل مختلف في حكمه؟
يجوز عند إقامة الدليل، و يمنع عند عدمه.
الرابع: العلة الجامعة بين الأصل و الفرع.
اعتلالات النحويين صنفان:
الأول: علة تطرد على كلام العرب و تنساق إلى قانون لغتهم، و هي الأكثر استعمالاً، و أشد تداولاً.
الثاني: علة تُظهر حكمة العرب، و تكشف عن صحة أغراضهم و مقاصدهم في موضوعاتهم.
و العلة قد تكون:
(1) بسيطة: و هي التي يقع التعليل بها من وجه واحد.
(2) مركبة: وهي التي يقع التعليل بها من عدة أوجه.
و أكثر العلل على الإيجاب.
و ثبوت الحكم في محل النص ثبوت بالعلة لا بالنص.
من شرط العلة: أن تكون هي الموجبة للحكم في المقيس عليه.
و يجوز:
(1) التعليل بعلتين.
(2) تعليل حكمين بعلة واحدة.
(3) التعليل بالأمور العدمية.
فصل في مسالك العلة:
الأول: الإجماع: وهو أن يجمع أهل العربية على أن علة هذا الحكم كذا.
الثاني: النص: وهو أن ينصَّ العربي على العلة.
الثالث: الإيماء: وهو الإشارة إلى العلة بخفاء.
الرابع: السبر و التقسيم: و هو ذكر الأقسام المحتملة، ثم يختبر ما يصلح منها و ينفي ما عداه بطريقه.
الخامس: المناسبة: و هو أن يحمل الفرع على الأصل بالعلة التي علّق عليها الحكم في الأصل.
و هل يجب لإظهار المناسبة عند المطالبة؟
قيل يجب، و قيل لا يجب.
السادس: الشبه: وهو أن يحمل الفرع على الأصل بنوع من الشبه غير العلة التي علّق عليها الحكم في الأصل.
و قياسه قياس صحيح يجوز التمسك به كقياس العلة على الصحيح.
السابع: الطرد: وهو الذي يوجد معه الحكم وتفقد المناسبة في العلة.
الثامن: إلغاء الفارق: و هو بيان أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر فيلزم اشتراكهما.
فصل في القوادح في العلة:
الأول: النقض: و هو أن توجد العلة و لا يوجد الحكم.
و هذا عند من لا يرى التخصيص ببعض الأفراد لوجود اطّرادها، فإذا وُجدت وجد الحكم فتخلفه عنها مع وجودها نقض لها.
الثاني: تخلف العكس: أي كون العلة غير منعكسة.
و العكس شرط في العلة وهو: أنه إذا فقدت العلة فقد الحكم.
الثالث: عدم التأثير: وهو أن يكون الوصف لا مناسبة له أي لا أثر له في الحكم.
و الأوصاف في العلة مفتقرة إلى شيئين:
أولهما: أن يكون لها تأثير.
ثانيهما: أن يكون فيها احتراز.
الرابع: القول بالموجب: و هو أن يسلم للمستدل ما اتخذه موجباً للعلة مع استبقاء الخلاف، و متى توجه الخلاف كان المستدل منقطعاً، فإن توجه الخلاف في بعض الصور المختلف فيها مع عموم العلة لتلك الصور لم يعد المستدل منقطعاً.
الخامس: فساد الاعتبار: وهو أن يستدل بالقياس في مقابلة النص عن العرب.
السادس: فساد الوضع: و هو كون الجامع في القياس ثبت اعتباره بنصٍ أو إجماع في نقيض الحكم.
و هو أيضاً: تعليق العلة على ضد المقتضى.
السابع: المنع للعلة: أي عدم قبولها و قد يكون في الأصل و الفرع.
و عدم قبول العلة مكابرة، و موجب لقطع المناظرات.
الثامن: المطالبة بتصحيح العلة: أي أن يطالب المعترضُ المستدلَّ بثبوت العلة.
التاسع: المعارضة: وهو أن يعارَض المستدل بعلة مبتدأة.
فصل في الأسئلة:
السؤال مبناه على أربعة أركان:
الأول: السائل و هو الطالب للجواب.
و ينبغي له أن يقصد قصد المستفهم، و يسأل عما ثبت فيه الغموض.
الثاني: المسؤول به: و هي أدوات الاستفهام المعروفة.
و يكون السؤال مفهوماً غيرَ مبهمٍ.
الثالث: المسؤول منه: و هو المطلوب منه الجواب على السؤال.
و شرطه أن يكون من أهل الفن المسؤول فيه كالنحوي عن النحو.
و يستحب له: أن يجيب بعد تعيين السؤال، و سكوته بعده قبيح، إلا إذا كان سكوته لما رآه من الحاضرين ما لا يليق بالأدب.
و قبيحٌ سكوته عن ذكر الدليل بعد الجواب زمناً طويلاً؛ إلا إذا كان سكوته بحثاً عن أقرب الطرق إيفاءً بالغرض، و ينبغي له أن يتحرى في الفتوى ما لا يتحرى بالمذاكرة.
و له أن يزيد في الجواب إذا اقتضى ذلك.
و النقص فيه أي الجواب عيب لما فيه من الإخلال بالجواب، و عدم استيفائه.
و إذا كان السؤال عاماً كان الجواب عاماً.
الرابع: المسؤول عنه: وهو الأمر المتطلب جواباً.
وينبغي أن يكون مما يمكن إدراكه و الإحاطة به.
و الجواب: هو المطابق للسؤال.
فصل في اجتماع الأدلة:
قد تجتمع الأدلة السابقة السماع و الإجماع و القياس دليلاً على مسألة.
فصل في الاستصحاب:
وهو استمرار الحكم و بقاء ما كان على ما كان.
و هو من الأدلة المعتبرة، و من أضعفها.
و لا يجوز التمسك به حال وجداننا لدليل.
و إذا تعارض مع دليلِ سماعٍ أو قياسٍ فلا عبرة به.
فصل في أدلة متفرقة شتى:
اعلم أن أدلة النحو كثيرة جداً لا تحصر، و ما مر ذكره فهو منضبط بضابط، و هناك أدلة لا ضابط خاص لها تندرج تحته، منها:
الأول: الاستدلال بالعكس: وهو أن يعكس دليل على حكم مّا لإبطال هذا الحكم.
الثاني: الاستدلال ببيان العلة: و هو تبيان علة الحكم للاستدلال بوجودها على وجوده، و بعدم وجودها على عدم وجوده.
وهو نوعان:
الأول: أن يبيِّن علة الحكم و يستدلَّ بوجودها في موضع الخلاف ليوجد بها الحكم.
الثاني: أن يبين العلة ث يستدل بعدمها على عدم ذلك الحكم في موضع الخلاف.
الثالث: الاستدلال بعدم الدليل في شيء على نفيه: وهو نفي الدليل لعدم وجوده، لأنه يلزم من فقد العلة فقد المعلول.
و هذا يكون في أي أمر ثبت فإن دليله يظهر ظهوراً لا خفاء فيه.
الرابع: الاستدلال بالأصول: وهو إبطال دليل بالرجوع إلى الأصل.
الخامس: الاستدلال بعدم النظير: وهو النفي لعدم وجود دليل على الإثبات.
فإن وجد الدليل على الإثبات لم يلتفت إليه.
السادس: الاستحسان: وهو ترك القياس و الأخذ بما هو أوفق للناس.
وهو القياس الخفي.
و دلالته ضعيفة غير محكمة.
ومنه:
(1) ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة.
(2) ما يخرج عن أصل قاعدته كـ (استحوذ).
(3) ما يبقى الحكم فيه مع زوال علته.
(4) إذا اجتمع التعريف العلَمي و التأنيث السماعي أو العجمة في الثلاثي الساكن الوسط، فالقياس منع الصرف، و الاستحسان صرفه لخفته.
مثال المؤنث: هند. العجمة: نوح.
السابع: الاستقراء: و هو تعرُّف الشيء الكلي بجميع جزئياته.
أو إثبات الأمر الكلي بتتبع الجزئيات.
الثامن: الدليل المسمى بـ (الباقي): و هو بقاء الدليل على حكمه الأصلي في جانب معيَّن بعدما خولفت الجوانب الأخرى لعلة اقتضت ذلك.
بيان ذلك:
أن الإعراب لا يدخل منه شيء في الفعل، لأن الأصل البناء لعدم وجود علة تقتضي الإعراب.
و لكن هذا الحكم قد خولف في دخول الرفع و النصب في المضارع. لوجود العلة المقتضية للنصب و الرفع.
و هذا الحكم لم يُخالَف في الجر، و هذا هو الدليل الباقي من أن الأصل عدم دخول الإعراب على الفعل.
التعارض و الترجيح
إذا تعارض نقلان أخذ بأرجحهما:
و الترجيح إما أن يكون في:
(1) الإسناد: و ذلك بأن يكون رواة أحد النقلين أكثر من الآخر، أو أعلم و أحفظ.
(2) المتن: و ذلك بأن يكون أحد النقلين على وَفْق القياس، و الآخر على خلافه.
إذا تعارض ارتكاب شاذ و لغة ضعيفة فارتكاب اللغة الضعيفة أولى من الشاذ.
إذا تعارض قياسان أخذ بأرجحهما و هو ما وافق دليلاً آخر من: نقلٍ أو قياس.
و إذا تعارض القياس و السماع نُطِقَ بالمسموع على ما جاء عليه لأنه نص الأصل.
و إذا كان التعارض في قوة القياس و كثرة الاستعمال قُدِّم ما كثر استعماله.
و إذا تعارض أصل و غالب فالعمل بالأصل، و قد يعمل بالغالب على قلة.
و إذا تعارض قبيحان أُخذ بأقربهما، و أقلهما فحشاً.
و إذا تعارض قولان عن عالم أحدهما مرسل أي لم يقيَّد بدليل، و الآخر معلل أي مقيَّد بدليل أخذ بالثاني لقيام حجته.
أحوال مستنبط هذا العلم
من شرطه:
(1) أن يكون عالماً بلغة العرب.
(2) أن يكون محيطاً بكلامها.
(3) أن يكون مطلعاً على نثرها و نظمها.
(4) أن يكون خبيراً بصحة نسبة ذلك إليهم.
(5) أن يكون عالماً بأحوال الرواية.
(6) أن يكون عالماً بإجماع النحاة.
و إذا أدى المجتهدَ القياسُ إلى شيء ثم سمع العرب نطقت بغيره على قياسٍ غيره فإنه يدع ما كان عليه.
قال مقيده عفا الله عنه: وافق الفراغ من رَقْم هذه الوجيزة الأصولية النحوية مغرب يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الأول عام اثنين و عشرين و أربعمائة و ألف في رياض نجد.
و الحمد لله رب العالمين.
--------
[1] شرح عيون الإعراب لابن فضال 123.
[2] قال الداودي ناظماً معاني كلمة (نحو):
النحو في لغة قصد كذا مثل و جانبٌ وقريب بعض مقدار
نوع و مثل بيان بعد ذا عقب عشر معانٍ لها في الكل أسرار
انظر: فيض نشر الانشراح 1/229، حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/10.
[3] و حكموا بأن الصاد مبدلة من السين، و ليستا لغتان. (الفيض 1/403).
[4] نظم السيوطي بعض هذه الضوابط بقوله:
و تعرف العجمة بالنقل و أن يخرج عن وزن به الاسم اتزن
و إن تلا في الابتدا النون را و الدال زاي أو رباعي عـرا
عن الذلاقـة و ماذا تبعـا و الصاد أو قاف و جيم حمعا
أنظر: الفريدة 1/108 (الشرح).