 |
|
 |
|
المؤسس و المشرف :
سعد بن زيد آل محمود |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
عقيدة السلف
|
|
|
|
|
|
ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
 ما هي هذه الخدمة؟؟
|
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، فإن الله - سبحانه وتعالى- قد اختار من الأنبياء محمدا - صلى الله عليه وسلم - واختار له من الأتباع أصحابه الذين شرفهم الله بصحبته والاجتماع معه مؤمنين به على الوجه المتعارف، فرباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما جاء به من عند الله فكانوا خير قرون هذه الأمة وبعدهم التابعون الذين صحبوهم وتعلموا علمهم ورأوا عملهم، فكانوا أشبه الناس بهم، ثم بعدهم أتباع التابعين الذين سلكوا طريقة التابعين أيضا، فكانوا مثلا يقتدى بها، وأسوة صالحة لمن يأتي بعدهم، وهي القرون المزكاة التي شهد لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفضل، ـ فقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى محمدا فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى محمدا، فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمدا، فيقولون نعم، فيفتح لهم". إن هؤلاء كانوا قدوة هذه الأمة وإسوتها وقد سبقوها إلى كل خير، ونالوا فضل الصحبة فلا يمكن أن يلحق بهم من سواهم، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه"، فهم أولى الناس بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقربهم سابقة في الإسلام وأكثرهم بلاء فيه، وهم كذلك الذين أحرزوا فضل ثناء الله عليهم في كتابه، فقد قال الله - تعالى -: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)، وقد قال - تعالى -: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) وقال - تعالى -: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) وقال الله - تعالى -: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) فقد شرفهم الله - تعالى -بهذا الفضل الجزيل العظيم، ورفع منزلتهم وقدرهم، وأمر من بعدهم بالدعاء لهم والترحم عليهم، وجعل أجور اللاحقين في كفة حسناتهم وميزانهم، لأنهم الذين بلغوا الدين وحملوه إلى الآفاق وجاهدوا في سبيله، ونصروا الله ورسوله وأدوا الحق الذي عليهم، كما شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك لكثير منهم، فقد وقف على شهداء أحد قبل موته بثمانية أيام فقال: "إني شهيد على هؤلاء بأن صدقوا الله ما عاهدوه عليه"، وقال في الأنصار عند ذكره لهم "واستوصوا بالأنصار خيرا فإنهم أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم"، وأوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم، كل ذلك يدلنا على فضل سلف هذه الأمة الصالح، وأن الخير كله هو ما سبقوا إليه، وما بدئوا به، فلا يمكن أن يكون خير في هذه الأمة إلا ما سبق إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون، وأتباع التابعين، ثم إن ما كانوا عليه، هو الذي زكاه الله ورسوله، فهو إذن طريق الحق، فلا طريق لنا لمعرفة الحق إلا الوحي، فالوحي المنزل وحده هو المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما كانوا عليه هو الوحي لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم به من عند الله - تعالى - نقيا صافيا وتركهم عليه عند موته، فقال: "تركتكم على مثل المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" فلذلك كانوا على الحق فلا يمكن أن تجتمع قلوبهم إلا عليه، ضحوا في سبيله بأرواحهم وأعمارهم وأموالهم، وقد قال أحد شعراء هذه البلاد، وهو الشيخ غالي البوصادي - رحمه الله -:
وقامت بنصر الله أنصار دينه * * * وبيعت من الله النفوس النفائس
ضحوا بنفوسهم في سبيل الله، ونقلوا هذا الدين إلى كل مكان، ولم يتركوا مكانا من الأرض يستطيعون الوصول إليه إلا أوصلوا إليه هذا الدين، فلذلك لا يمكن أن يرغب عما كانوا عليه، إلا من سفه نفسه، فهم الإسوة والقدوة الصالحة في كلما سلكوه عقيدة وعبادة ومعاملة وسلوكا وخلقا وتضحية وجهادا، كل ذلك من منهجهم هو طريق الحق المرضي الذي لا يمكن أن يعدل عنه إلا من فتن في دينه، فمن هنا كان لزاما علينا معاشر المؤمنين أن نبحث عن منهجهم وسبيلهم وأن نتعلم اعتقادهم وعبادتهم ومعاملتهم وعملهم، وأن نحرص أن نقتدي بهم فهم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة، وعلينا عباد الله أن نتذكر أنهم هم تمثيل هذا القرآن وبيانه، ففيهم نزل وعنهم أخذ، ولذلك لا يمكن أن يفهم القرآن فهما أصوب ولا أصدق من فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتباعهم وأتباع أتباعهم، كذلك فإن الله زكى عقيدتهم في كتابه، فقال - تعالى -: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) وهذه تزكية من رب العزة والجلال، لاعتقاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أي في خلافات، فإنما هم في شقاق، فلذلك علينا إخواني أن نتدارس ما كانوا عليه من الاعتقاد، وأن نأخذ به وأن لا نعدل عن رأيهم، فإن الله - تعالى -أنزل فيهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وقد صح عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - أنه قال: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوها فإن الأول لم يترك للآخر مقالا، وكذلك فقد وقف - رضي الله عنه - على قوم في المسجد لهم آمر يأمرهم بأعداد من الذكر فقال لهم حذيفة: يا هؤلاء، لقد جئتم جرما، أو لقد فقتم أصحاب محمد علما، ولهذا كان مالك - رحمه الله - يقول: إن الله - تعالى -قد أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا، فإن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، وقد سمع مالك - رحمه الله - رجلا من الخوارج يسب بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعاه فقال يا هذا آنت من المهاجرين الأولين، قال: لا، قال: أفأنت من الأنصار الذين آووا ونصروا، قال: لا، قال: فأنا أشهد أنك لست من الذين اتبعوهم بإحسان، فقد قال الله - تعالى -: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وأنت تلعنهم، فلذلك علينا أن نتدارس ما كانوا عليه من الاعتقاد وأن نتدارس ما كانوا عليه من العبادة وما كانوا عليه من المعاملة وما كانوا عليه من الخلق وما كانوا عليه من التضحية، وما كانوا عليه من الجهاد والدعوة، وأن نحرص على أن نقتدي بهم، فهم القدوة الصالحة والأسوة، وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "من كان مقتديا فليقدي بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن فتنته"، وسبيلهم وسننهم وهديهم كله بيان لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أهل الحديث: ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ابن مسعود، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى ابن مسعود - رضي الله عنه - علقمة، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى علقمة إبراهيم النخعي فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى إبراهيم النخعي الأعمش فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى الأعمش منصور بن المعتمر فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى منصور بن المعتمر سفيان الثوري فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى سفيان الثوري وكيع بن الجراح فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى وكيع بن الجراح أحمد بن حنبل، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، وربى أحمد بن حنبل أبا داود سليمان بن الـأشعث، فكان مثله في هديه ودله وسلوكه، إنه توارث عجيب للهدي والسلوك والسمت، ينبغي أن لا ينقطع في هذه الأمة، وأن يحرص كل إنسان على أن يلتحق بأولئك فالتشبه بهم فلاح، كما قال الحكيم، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح كذلك فإن مجرد تدارس أخبارهم وحكاياتهم وسيرهم مما يثبت الله به قلوب عباده، ومما يعين على الاستمرار على الثبات على دين الحق، ومما يعين كذلك على التضحية والبذل في سبيل الله، ولهذا قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله -: سير الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده، ومصداق ذلك من القرآن قول الله - تعالى -: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) إن ما كان عليه أولئك من الاعتقاد كان يزيد حبا لله - تعالى -وحبا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وحبا لدينه، وكان يدفع إلى التضحية والجهاد في سبيل الله، وكان يدفع إلى إيثار الآخرة على الدنيا، وكان يدفع إلى إيثار الإنسان إخوانه في الله على نفسه في عاجل أمور الدنيا، وكان يدفع كذلك إلى قيام الليل وصيام النفل، والإكثار من الذكر وقراءة القرآن، وكان يدفع إلى المبادرة إلى الطاعات، وإجابة نداء الله - تعالى -، وكان يدفع إلى شهود الصلوات في المساجد وإجابة المنادي، وكان يدفع كذلك إلى تعلم العلم النافع وروايته والمبادرة إلى العمل به، كل ذلك من فوائد تعلمنا لما كان عليه سلفنا الصالح وهو أيضا وفاء لنا وشرف، فأية أمة مبتورة ليس لها تاريخ ولا صلة لها بأسلافها، لا يمكن أن تبرز الزعامات، ولا أن تنتج القادة المجددين، فلذلك لا بد أن ترجع هذه الأمة إلى تدارس تاريخها، وأمجادها، فهي والله أيام عطرة، عبد الله - تعالى -فيها وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعليت فيها كلمة الله وجوهد فيها في سبيل الله ونصر فيها الحق وحصلت فيها العدالة الاجتماعية بين الناس، وتفيأ الناس ظلال القرآن، وأمنوا بأمن الله - تعالى - وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، فلذلك أنتجت جيلا ما عرفت الأرض جيلا أفضل منه ولا أكمل ولا أحسن خلقا ولا خُلقا، ما عرفت هذه الأرض أياما كانت أعدل ولا أقوم ولا أصوب من تلك الأيام التي جاء فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستجاب الناس لدعوته وسلكه منهجه وطريقه، لكن هذا الطريق يصعب السلوك عليه، فلا يناله إلا الأقوياء، إلا ذوو الهمم العالية، وقد قال أبو العلاء المعري: أرى العنقاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا فلذلك تحتاج هذه الملة وهذه المحجة إلى من كان من أهل الهمم العالية الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا، والذين يستطيعون التضحية والبذل، وهم الذين يستطيعون سلوك طريق النبي - صلى الله عليه وسلم -، من لا يتحمل الجوع ولا السهر ولا العطش ولا الظمأ لا يمكن أن يسلك طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، لا يستطيع أن يسلك طريق أصحابه الذين وصفهم سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فيما أخرج البخاري في الصحيح بقوله: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد رأيتنا نغزوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وما لنا زاد إلا ورق السمر وهذه الحبلة، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خبت إذن وضل سعيي. إن هذا الأمر شاق، وقد جعل الله - تعالى -عليه النكبات والعراقيل التي تصرف من لا يرتضي الله خدمتهم للدين، فقد تعهد الله بصرف المأفوكين عن الحق، فقال - تعالى -: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) إن من عدل عن طريق الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في الاعتقاد، لا بد أن يتردد في الوحل والفتنة، ولا بد أن يعيش كثيرا من الخلافات التي لا تطمئن إليها النفوس، ولا بد أن يبقى دائما عرضة للرجوع والتذبذب ولذلك قال الفخر الرازي - رحمه الله - بعد توبته ورجوعه عن منهج الكلام، يقول: نهاية إقدام العقول عقال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا و غاية سعي العالمين ضلال وغاية دنيانا أذى ووبال سوى أن بحثنا فيه قيل وقال وكذلك قال أبو المعالي الجويني - رحمه الله - عند موته، قال: لقد درست عقائد العالم، فما تركت ملة ولا نحلة إلا درستها، وها أنا اليوم أموت على عقائد عجائز نيسابور، أي ما كان عليه السلف السابق، فلهذا نحتاج يا إخواني إلى مدارسة ما كانوا عليه من الاعتقاد وأن نعلم أنه الحق الذي لا تكلف فيه ولا إشكال، وهو الموافق لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فطرة ومنهجا، إن عقيدة السلف الصالح تقوم على أركان ستة بينها الله في كتابه وبينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - أوضح بيان في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جوابه: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ستة أركان، هي الإيمان بالله، والإيمان بملائكته، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، أما الإيمان بالله - تعالى -فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، إلى إيمان بألوهيته أي أنه - سبحانه وتعالى - وحده الذي يستحق العبادة ويستحق الدعاء ويستحق أن يستيغاث به، ويستحق أن يتوكل عليه، فهو وحده الذي يستحق أن يصرف له كل أنواع التعبد، فمن صرف شيئا من العبادة لغيره فقد أشرك به ولم يعرفه حق معرفته، فلهذا لا بد أن نعلم أن الإيمان بالله - تعالى -مقتض لتحقيق العبادة الكاملة له، وأن يعلم الإنسان أن الله وحده الذي يستحق العبادة وأن من دونه يموتون، ويمرضون ويحتاجون ويفتقرون فلذلك لا يستحقون العبادة، إنما يستحقها الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وهو الذي لا يموت والإنس والجن يموتون هو الذي السماوات السبع في قبضة يمينه والأرضون السبع في قبضة يمينه والقلوب كلها بين إصبعين من أصابعه يرفع إليه أمر الليل قبل النهار وأمر النهار قبل الليل، لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ?لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ?، فلذلك كان وحده مستحقا للعبادة وكان من دونه لا يستحق أن يصرف إليه شيء منها، ولهذا قال: (ذالكم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير) وقال - تعالى -: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله، إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته، قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) وقال - تعالى -: (أليس الله بكاف عبده) وقال - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) وقال - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله، يصيب به من يشاء من عباده) وقال - تعالى -: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) وهذا النوع من أنواع الإيمان بالله - تعالى -وهو الإيمان بألوهيته يقتضي تمام التوكل عليه والاتصال به والأنس به، والتقرب إليه في كل الأحيان والتوكل عليه في كل الأمور لأن كل من سواه مفارق لك، فمن تعايشه وتعاشره في هذه الحياة مفارق لك (إنك ميت وإنهم ميتون)، وكل من أعجبك فيه شيء من الصفات فإنه زائل عنه إلا الله - سبحانه وتعالى-وحده، فصفاته باقية خالدة دائمة، فلذلك لا بد أن يتذكر المؤمن بالله - تعالى -هذا الإيمان بألوهيته وأن يكون حريصا على الاتصال به والعناية به، فلذلك لا يمكن أن يكون المؤمن بهذا الإيمان مفرطا في عبادة الله ولا مقصرا فيها ولا متضجرا من شيء منها، فقد قال الله - تعالى -في ذكر الصلاة: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) وقد قال بعض أهل العلم: المقصود بالخاشعين الموحدون، فهم الذين لا تكبر عليهم العبادة لأنهم عرفوا الله - سبحانه وتعالى - فعرفوا أنه يستحقها فبذلوها له طائعين، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الصلاة: "أرحنا بها يا بلال" وكان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، فهي اتصال بالله - سبحانه وتعالى - يأنس به المؤمن ويتسلى به عن كل ما يصيبه من الآفات ويجد فيه سعادة عجيبة ولذة المناجاة، ويجد فيه كذلك روحا وريحانا وإقبالا على الله، وقوة رهيبة عجيبة ويجد فيه نورا ربانيا، فنور الله يواجه القائم في الصف والمصلي في جوف الليل والناس نيام، يجد فيه الإنسان عدة وعددا ويجد فيه نصرة على الحق ويجد فيه كذلك اتصالا بالله - سبحانه وتعالى - وشعورا بالتقريب هو في غاية السعادة به، كذلك النوع الثاني من أنواع الإيمان بالله - تعالى -هو الإيمان بربوبيته، ومعنى ذلك الإيمان بأنه وحده خالق هذا الكون ومدبر أمره، وأنه لا يمكن أن يفوت عن علمه شيء من الكائنات، فقد قال - تعالى -: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)، (وهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض)، وهو الذي يسمك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، وهو الذي يمسك الطير في الهواء، وهو الذي رفع السماء بغير عمد، وهو الذي أجرى الأنهار في الأرض والبحار تحمل السفن، وهو الذي قسم الأرزاق على الخلائق جميعا، رزق كل شيء عليه ومصير كل شيء إليه (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين)، (ألا إلى الله تصير الأمور) وهو الذي يرزق الإنسان حياته وخلقته، ولذلك فخلقة الإنسان وهيأته كلها من تدبير الله وقدره، كما قال الله - تعالى -: (في أي صورة ما شاء ركبك) وقال: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) فكل ذلك من تدبيره - سبحانه وتعالى -، وهو الذي يرزق الإنسان الذرية (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم قدير) وهو الذي يرزق من شاء الغنى، ويرزق من شاء القنية، ولذلك أثنى على نفسه بذلك (هو أغنى وأقنى) أغنى أي أعطى من شاء الغنى، وأقنى أي أعطى من شاء قدر القنية فقط، أي القدر الذي يكفيه فقط ولم يزده على ذلك، وكذلك فإن من تدبيره لهذا الكون أنه هو الذي يحيي ويميت فموت كل إنسان إنما يكون بتدبير الله - تعالى - وعلمه وعلى وفق إرادته السابقة، وسيترك مكانه في الأرض، ومحله فوق ظهرها لغيره يشغله من سواه ويجد هو مكانه في بطنها، فالأرض جعلها كفاتا أحياء وأمواتا، فلذلك لا بد من الإيمان بربوبية الله - تعالى -لهذا الكون كله، و لا بد أن نعلم أن هذا الكون ليس فيه مدبر ولا متصرف إلا الله - سبحانه وتعالى - وحده فلا تدبر الأفلاك ولا تشعر بتصريفها، إنما يصرفها الله - سبحانه وتعالى-، ولا تؤثر الطبيعة في شيء ولا تشعر به إنما يصرفها الله - تعالى -، ولذلك قال: (وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان، تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل) فلو كانت الطبيعة مؤثرة لكانت القطع المتجاورة التي طبيعتها واحدة و تسقى بماء واحد تخرج نوعا واحدا من الثمر، وهي في القطعة الواحدة ينبت فيها ما هو في غاية المرارة وما هو في غاية الحلاوة، وما هو أحمر، وما هو أصفر وما هو أخضر، لو كانت الطبيعة مؤثرة لكان الجميع على صورة واحدة، كذلك فإنه - سبحانه وتعالى - من ربوبيته لهذا الكون أنه فطر العباد على توحيده، فالبشر جميعا يقرون بالإلهية، ويبحث كل إنسان منهم عن إله يعبده، فلو ولد إنسان في جزيرة من جزائر البحر ولم يجد معلما ولا عرف أحدا فإنه سيبحث عن شيء يعبده إن هدي إلى عبادة الله عبده، وإلا بحث عن شجر أو حجر أو غير ذلك، ولهذا فالإنسان بفطرته محتاج لغيره متعلق القلب بذلك الغير أبدا، كل هذا يدلنا على ربوبية الله - سبحانه وتعالى - وتدبيره لهذا الكون وحده لا شريك له، ليس له أعوان ولا أنداد ولا نظراء ولا مستشارون ولا وزراء، يدبر الأمر - سبحانه - وحده، وهو سريع الحساب، لا يختلط عليه أمر مكان عن أمر مكان، لا يشغله شأن عن شأن - سبحانه وتعالى -، والنوع الثالث من أنواع الإيمان بالله هو الإيمان بأسمائه وصفاته، وذلك يقتضي إقرار الإنسان بكل ما وصف الله به نفسه، فلا بد أن يؤمن الإنسان بأن الله - تعالى -متصف بكل كمال وبكل جلال وبكل جمال، فهو - سبحانه وتعالى - المتصف بجميع الكمال المنزه عن جميع النقائص لا يعروه نقص ولا ضعف هو - سبحانه وتعالى - الذي اتصف بالكمال والجلال والجمال وتعزز بالملك والكبرياء والجبروت، وقهر العباد بالموت، فلذلك لا يمكن أن يبلغه عباده بنفع ولا بضر، ولا أن يصلوا إلى مجرد إدراكه (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) قد اتصف بصفات الكمال والجلال وتسمى بالأسماء الحسنى واتصف بالصفات العلى، ولا يمكن أن يعرف شيء من ذلك إلا بوحيه الذي أنزل وبين فإنه - سبحانه وتعالى - سمى نفسه بالأسماء الحسنى ووصف نفسه بالصفات العلى، وجاء بذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتشربت ذلك القلوب المؤمنة حتى باشر شغاف القلوب، فأحب أهل الإيمان ربهم وآمنوا بما وصف به نفسه وبما سمى به نفسه، وبذلك لم يعنوا أنفسهم عناء ولا إتعابا في تصورات هذه الأمور وتكييفها، بل آمنوا بذلك على وفق ما أخبر الله به عن نفسه فله المثل الأعلى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فكلما وصف به نفسه فهو متصف به، وكلما نفاه عن نفسه فهو منفي عنه، وكل ما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو متصف به، وكل ما نفاه عنه فهو منفي عنه سواء أدركت ذلك العقول أو لم تدركه، فلا مجال للعقول في مناقشة ما لم تأت به أصلا، فهذه الأمور لم تأت بها العقول وإنما جاء بها جبريل من عند الله - تعالى -، ولذلك لا يمكن أن تحكم فيها العقول بل لا بد من الاستسلام التام فيها للوحي المنزل من عند الله - تعالى -، وإذا استسلم الإنسان للوحي المنزل وانقاد لما جاء به جبريل من عند الله - تعالى -ونزل به على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يقع لديه أي إشكال، فيعلم أن كل الوحي من عند الله فيؤمن بجميعه محكمه ومتشابهه، ويعمل بمحكمه ولا يتبع متشابهه، كما قال الله - تعالى -: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)، فلذلك يؤمنون به جميعا ويصدقون به جميعا ويقرون به ويستسلمون له، فما أدركته عقولهم وفهموه علموا أن الله تفضل عليهم بفهمه، وما لم تدركه عقولهم علموا أن الله حجبهم عنه، فالعقول ـ كما تعلمون ـ كلها من عند الله ومن فضله، ولذلك لا يمكن أن يفهم عقل إنسان ولا أن يستوعب إلا ما رزقه الله به، ولهذا قال محمد بن مالك - رحمه الله - في مقدمة التسهيل: وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، وقال العلامة ولد متال - رحمه الله -: وقسمة الحظوظ فيها يدخل فهم المسائل التي تنعقل فيحرم الذكي من فهم الجلي إن لم يكن من حظه في الأزل فلا بد من الاستسلام التام لهذا الوحي وتقديمه على مقتضيات العقول، لأن العقل جارحة من جوارحك، وأنت تعلم أن جوارحك قاصرة، أيكم الآن يدعي أن بصره تام كامل لا حدود له يخترق السبع الطباق، لا أحد منكم يدعي ذلك، كل إنسان منكم يعلم أن بصره محدود المكان، وأنه فقط يصل إلى مداه ولا يتعداه، كذلك أيكم يدعي أن سمعه هو أقوى الأسماع وأنه يسمع أصوات الملأ الأعلى فيما يختصمون فيه، لا أحد منكم يدعي ذلك، فأنتم تعلمون أن أسماعكم محصورة وأن لها مدى تصل إليه ولا تتعداه، كذلك ما الفرق بين عقولكم وأسماعكم وأبصاركم؟، لا فرق بين العقل والسمع والبصر أنت الآن ترى إنسانا وتتصوره ببصرك القاصر جسيما وسيما، وينظر إليه سواك فيراه بنظرة أخرى، وقد تختلفون في الألوان، فبعضكم الآن يرى شيئا بلون معين ويخالفه غيره في النظر، فهذا يدلنا على أن البصر مشكك، وكذلك السمع بعضكم يسمع أصواتا فيرى أنها مزعجة سمجة قبيحة، وبعضكم يرى أنها حسنة مؤثرة، وأنتم تتفاوتون في سماعها بعدا وقربا كذلك فدل هذا على أن ما أدركته الجوارح مشكك أيضا، وأبلغ دليل على ذلك أن ينظر أحدكم الآن مدى بصره، فسيرى القادم إليه يراه من بعيد صغيرا ولا يتبين شكله ولا هيئته وكلما اقترب إليه تبين، لكنه سيصل إلى مدى إذا وصل إليه وقف عنده التصور، ما اقترب منه نقصت رؤيته، انظر إلى يدك بعيدا عنك ثم زدها قربا فإذا وصلت إلى هذا المدى احتجب عنك ما وراء إطار العين منها، هذا يدلنا على أن جوارحنا جميعا علمنا الحاصل بها هو علم مشكك، وأن العلم الذي لا شك فيه ولا لبس فيه ولا خفاء فيه هو ما نزل به جبريل من عند الله - تعالى - لأنه من علم الله، فهذا القرآن الذي تقرأونه من علم الله وعلم الله ليس له حدود (إن الله بكل شيء عليم)، فلذلك لا يمكن أن يقاس بعلمنا نحن ونحن نعلم قصور علمنا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، ما منا أحد إلا ويخفى عنه حتى ما في شعر رأسه، ويخفى عنه عدد نبضات قلبه وهي أقرب شيء إليه، ويخفى عنه تصور نفسه التي بين جنبيه، هل فيكم أحد يستطيع أن يصف لي روحه الآن؟، هل هي بيضاء أو سوداء، أطويلة أو قصيرة لا يستطيع أحد منكم أن يصف روحه، ومع ذلك تؤمنون بأرواحكم وهي أقرب شيء إليكم، فدل هذا على أنكم لا بد أن تؤمنوا بالله العظيم وأن تعلموا أنه لا يمكن أن تدركه أبصاركم فقد آمنتم بأرواحكم التي هي أقرب شيء إليكم فكيف لا تؤمنون بالله - سبحانه وتعالى -..!، كذلك فإن الإيمان بأسمائه وصفاته يقتضي زيادة المحبة له، فكلما ازددت صفة من صفات الله أو اسما من أسمائه فقد ازددت حبا لله - تعالى -بذالك، لأن كل اسم من أسمائه يقتضي صفة، وكل صفة من صفاته تقتضي كمالا، فإذن تزداد معرفة بالله - تعالى -كلما ازددت معرفة لأسمائه وصفاته، ومن هنا فإن زيادتك في الثناء على الله - تعالى - بأسمائه وصفاته زيادة قرب إليه ومحبة، وكلما تقربت إليه تقرب إليك لذلك لا بد أن يكون إيماننا بأسماء الله وصفاته منطلقا من هذا المنطلق بالاستسلام التام فنؤمن بها على نحو ما جاءت من عند الله - تعالى - من غير بحث في تأويلها فلا نؤول شيئا منها ولا نكيفها فكيفها مجهول بالنسبة إلينا ولا نعطل شيئا منها بل نؤمن بأنها الحق إذن الذي لا غبار عليه، وأن جبريل ما افترى فيها على الله وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك معصوم، لا يمكن أن يكذب على الله فهي الحق الذي لا غبار عليه ولا يمكن أن يختلف فيه فإذن نؤمن بها من غير تشبيه له بخلقه ومن غير تعطيل لشيء مما وصف به نفسه أو سمى به نفسه ومن غير تأويل لشيء منها بما لا نعرف، ومن غير تكييف لشيء منها بما لا نعرف أيضا، فكل ذلك هو من القصور والمجاوزة، ولم يفعله سلفنا الصالح، فنقتصر على ما كان لديهم، وقاعدتنا خلاف قاعدة المشركين، فالمشركون قالوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه، ونحن نقول، لو كان خيرا لسبقونا إليه، فالخير كله ما سبقونا إليه، فقد سبقونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى الإيمان والتقوى، فالخير كله ما سبقونا إليه، كذلك فإن صفات الله - سبحانه وتعالى -، بعضها يدرك العقل معنى كونه صفة، فلا يختلف الناس في الوصف به كصفة العلم وصفة الحياة وصفة القدرة وصفة الإرادة وصفة السمع وصفة البصر وصفة الكلام ونحو ذلك، وبعضها لا يدرك العقل معنى ذلك، لأن سميه في المخلوق ـ أي المشترك معه في الاسم في المخلوق ـ هو جارحة من جوارحه، والله - تعالى -منزه عن ذلك، فلذلك من صفاته أنه وصف نفسه بأن له وجها وأن له يدين وأن له عينا وأن له قدما وأن له ساقا وأن له أصابع، وكل ذلك وصف به نفسه ونحن نشهد أنه صفة كمال له، ولا نشبهه بخلقه، ولا نعطل هذه الصفات ولا ننفيها ولا نؤولها ونحاول إدراكها لأننا لا تصل إليها عقولنا، ولكن نعلم أنها الحق، كذلك من صفاته نوع ثالث وهو الصفات الفعلية، فإنه - سبحانه وتعالى - يفعل ما يشاء، فإنه - تعالى -قد استوى على عرشه استواء يليق به، وكذلك فإنه - تعالى - تجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وكذلك فإنه - تعالى - كلم موسى بكلامه وكذلك فإنه - سبحانه وتعالى - ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى سدس الليل فلا يزال يقول: "ألا من يدعوني فأستجيب له، ألا من يسألني فأعطيه، ألا من يستغفرني فأغفر له" وكذلك فإنه - سبحانه وتعالى - يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وكذلك فإنه - سبحانه وتعالى - يرى في الآخرة، فيراه المؤمنون على قدر إيمانهم، رؤية هي تفضل من الله - سبحانه وتعالى - عليهم، ويحجب عنه الكافرون والمنافقون فلا يرونه (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وأهل الإيمان يبيض الله - تعالى -وجوههم فيرون الله - عز وجل - كما قال الله - تعالى -: (وجوه يومئد ناضرة إلى ربها ناظرة) وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" وكذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم فيرفعون أبصارهم فإذا الرب - سبحانه وتعالى - يناديهم من فوقهم سلام قولا من رب رحيم" فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجهه الكريم، كذلك فإنه - سبحانه وتعالى - من صفاته الفعلية أنه كتب التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وأشهد على ذلك على تسليمها إلى موسى سبعين رجلا من بني إسرائيل، وكل هذا من صفاته الفعلية - سبحانه وتعالى - ومنها خلقه للخلائق ورزقه لها، فقد خلق آدم بيمينه ونفخ فيه من روحه وكذلك فإنه - سبحانه وتعالى - استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم، فكل ذلك من صفاته الفعلية الاختيارية (يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) إذن هذا ما يتعلق بالإيمان بالله - سبحانه وتعالى - وحده لا شريك له، ثم الركن الثاني من هذه الأركان هو الإيمان بملائكة الله - عز وجل -، وهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، خلقهم الله لعبادته ومحضهم لطاعته، كلفهم بالتكاليف ولم يمتحنهم بالشهوات، وجعلهم أنواعا وأقساما، فمنهم حملة العرش الذين وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفا عجيبا، فذكر أن ما بين حلمة أذن أحدهم وظلفه مسيرة خمسمائة عام للحجر الصلد الهاوي، ومنهم كذلك المقربون منهم إسرافيل الذي ينفخ في الصور، وسينفخ فيه وقد أمسكه الآن والتقمه بفيه وأصغى ليتا ينتظر الأمر له بالنفخ، فإذا نفخ فيه نفخة الفزع صعق الناس لها جميعا، ثم يمكثون أربعين سنة فينفخ فيه النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون، ومنهم جبريل وهو أمين الوحي - عليه السلام - وله ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، ومنهم ميكائيل وهو المكلف بتقسيم أرزاق العباد عليهم يكتب جميع الأرزاق ويوزعها فكل قطرة من المطر في يد ملك حتى يوصلها إلى مكانها، وكل بذرة في الأرض كذالك في يد ملك حتى تنبت وتخرج، وكذلك فإن منهم الذين يعبدون الله - تعالى -عبادة خاصة كالركوع والسجود، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أطت السماء وحق لها أن تئط، فما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع" ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع، ومنهم الذين لهم عبادات أخرى كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث المعراج أنه قال: فأتيت البيت المعمور فإذا هو كل يوم يدخله سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، كل يوم، منذ خلق البيت المعمور يدخله سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، هؤلاء الملائكة الكرام جنس من الخلائق مشرف بتشريف الله - سبحانه وتعالى -، هم محل رضوان الله ومحل عنايته وتقريبه - سبحانه وتعالى - ولذلك محضهم للطاعة فلم يخلقهم للمعصية أصلا، فجعل منهم خازن الجنة، وجعل منهم خازن النار وهو مالك، وجعل منهم ملك الموت، وهم جميعا مشتغلون بالطاعة التي من أجلها خلقوا، لا يفترون عنها طرفة عين، لا يشتغلون بالمآكل ولا بالمشارب ولا بغير ذلك، شغلهم وحياتهم هي عبادتهم التي من أجلها خلقوا، وهم ذوو عدد كثير، وذوو قوة عجيبة، وقد وصف الله - تعالى - جبريل في كتابه بالقوة، فقال - تعالى -: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى) ذو مرة أي ذو قوة، (وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) وقال - تعالى -: (وإنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون) إن الملائكة الكرام منهم أيضا مكلفون بنا، مكلفون بالبشر وهم أنواع منوعة، فمنهم صاحب اليمين الذي يكتب الحسنات وصاحب الشمال الذي يكتب السيئات، وكلاهما رقيب عتيد، كلاهما رقيب عتيد للإنسان، وكلاهما قعيد له، وكلاهما ملازم له، لا يفارقه إلا في حالين حال غشيانه أهله وحال دخوله للخلاء، وهما يكتبان جميع أعمال العباد، ولذلك قال الله - تعالى -: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وقال - تعالى -: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) ومن هؤلاء أيضا المعقبات من بين يدي الإنسان ومن خلفه (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) ومنهم ملائكة الجوارح، كل جارحة من الإنسان عليها ملك يحفظها، ومنهم كذلك القرين فكل إنسان له قرين من الملائكة يسدده و يرشده إلى الخير.وكذلك منهم الملائكة الذين يتعاقبون في الناس يأتون المساجد في الصباح والمساء يشهدون صلاة العصر وصلاة الفجر في الجماعة، فيرتفعون إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، وهم يقدمون التقارير إلى الله - تعالى - بأعمال عباده جميعا وهو أعلم لا تخفى عليه خافية - سبحانه وتعالى -، وكذلك منهم الملائكة السيارون في الأرض بغيتهم حلق الذكر، نسأل الله أن يكونوا معنا الآن، بغيتهم حلق الذكر، إذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا وتنادوا أن هذه طلبتكم، فيرتفعون عند خروجهم إلى ربهم فيسألهم ماذا يقول عبادي، فيقولون يحمدونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول و هل رأوني، فيقولون لا؟ فيقول فكيف لو رأوني، فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكرا، فيقول وماذا يسألونني، فيقولون يسألونك الجنة فيقول وهل رأوها، فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوها، فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا وعليها أشد حرصا، فيقول ومما ذا يستعيذونني فيقولون يستعيذونك من النار، فيقول وهل رأوها فيقولون لا، فيقول فكيف لو رأوها فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفا، فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك يا رب فيهم عبدك فلان، وليس منهم إنما جاء لحاجته فيقول هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، ومنهم كذلك ملائكة يتنزلون على أهل الإيمان بالثبات والتوفيق، وهؤلاء هم أولياء المؤمنين ينصرونهم ويذكرونهم بالله، ويذكرونهم بما أعد الله لهم، ويثبتونهم في الأزمات والمشكلات، فهم يدخلون مع المسجونين في السجون، ويحضرون جنازات المستشهدين من المسلمين، ويسددونهم في كل أمورهم، وقد وصفهم الله - تعالى -بقوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) ومنهم الملائكة المستغفرون للمؤمنين عبادتهم لله ووظيفتهم عنده هي الاستغفار للمؤمنين، شغلهم هو الدعاء للمؤمنين، يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) الإيمان بأولئك الملائكة مفيد لنا جدا، لأنه يقتضي منا الإحساس بهم والاتصال بهم، ومنافستهم في العبادة والتقرب إلى الله - تعالى - فإنهم لما علموا بخلق آدم قالوا لله - تعالى -: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وهذا يقتضي منا نحن أن نكون من المسبحين المقدسين حتى ننافس الملائكة في ذلك، ولذلك شرع لنا الصوم تشبها بالملائكة، وشرع لنا كذلك أن نصف في الصف كما تصف الملائكة عند ربها، ولذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها"، فلذلك من الإقتداء بهم إحسان الصف واستواؤه، فهو من الإقتداء بالملائكة ومنافستهم في الخير، ثم بعد هذا الركن الثالث من أركان الإيمان هو الإيمان بكتب الله المنزلة، وهي كلام الله - سبحانه وتعالى - بألفاظها ومعانيها تكلم الله بها وأنزلها على عباده، وشرع لهم فيها ما يحتاجون إليه مما ينظم علاقاتهم بربهم وعلاقاتهم فيما بينهم، وبين لهم فيها كل ما يحتاجون إليه من أخبار الدنيا والآخرة، وهذه الكتب المنزلة أوحاها الله إلى أنبيائه ونزل بها جبريل - عليه السلام - عليهم، فمنها ما نزل صحفا منزلة قد كتب الله فيها الوحي، كصحف إبراهيم وموسى، ومنها ما كتب في الألواح كالتوراة التي كتبها الله لموسى بيمينه، ومنها ما أنزل على قلوب الأنبياء فحفظوه كالقرآن الذي أنزل على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فحفظه و- حفظه الله - له في صدره كما قال الله - تعالى -: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) وقال - تعالى -: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال - تعالى -: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) ومن هذه الكتب المنزلة القرآن، وهو خاتمها والمهيمن عليها والناسخ لجميعها وهو مصدق لما بين يديه من الحق وشاهد عليه، وهو هذا الوحي الذي تقرؤونه تحفظونه في صدوركم ومصاحفكم هو أحدث الكتب بالله عهدا، وهو حبل المتين وصراطه المستقيم، من تمسك به عصم، ومن تركه من جبار قصم الله ظهره، فيه ذكر لكم ولهذه الأمة، وفيه كذلك بيان لكل ما نحتاج إليه من أمر الدنيا والآخرة، وفيه ما نحتاج إليه من العقائد والأحكام والأخلاق والمعاملات، حتى ما نحتاج إليه من أمور الدنيا وعلومها قد تضمن إشارات إليه معجزة، وهو الحجة القائمة على الخلائق جميعا، ت الله به الثقلين الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك جميعا، ومن هذه الكتب كذلك الإنجيل المنزل على عيسى بن مريم - عليه السلام -، ومنها كذلك التوراة المنزلة على موسى - عليه السلام -، ومنها كذلك الزبور المنزل على داود - عليه السلام -، ويجب الإيمان بكل الكتب المنزلة ويجب الإيمان بأن القرآن ناسخ لها جميعا ومهيمن عليها وأنه مصدق لما بين يديه من الحق وإنما نعرف أسماء هذه الكتب الأربعة التي جاء ذكرها في القرآن، التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ما سواها من الكتب نؤمن به إجمالا ونعرف منه صحف إبراهيم وصحف موسى، ولكننا نعلم أن كل نبي من الأنبياء أوحى الله إليه شرعا، وقد قال الله - تعالى - في كتابه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وذلك الوحي المنزل إلى الأنبياء كله من كلام الله - عز وجل -، فيجب الإيمان بأن الله تكلم به كلاما يليق بجلاله و كماله، وهذا الكلام هو صفة الله - سبحانه وتعالى - وهي تدل على كماله - سبحانه وتعالى - يتكلم بما شاء كيف شاء إذا شاء، ومن الإيمان بكلام الله - تعالى -الإيمان كذلك بأن كلام الله ينقسم إلى قسمين إلى: كلمات كونية وكلمات تشريعية، فالكلمات الكونية هي أمره للخلائق، وهي الكلمات التكوينية التي يكون بها خلقه، وقد قال الله - تعالى -: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) وقال - تعالى -: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وقال - تعالى -: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) فهذه الكلمات الكونية القدرية نافذة لا يتعداها بر ولا فاجر ولا انحصار لها، لا يمكن أن تنتهي أبدا، وقد قال الله - تعالى -: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) وقال - تعالى -: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) وهذه الكلمات هي التي لا مبدل لها، فقد قال الله - تعالى -: (ولا مبدل لكلمات الله) أما النوع الثاني من الكلام فهو الكلمات التشريعية، وهي الوحي الذي أنزله على عباده، وقد ختم الوحي بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلا يمكن أن ينزل بعده وحي، فقد ختم الله الرسالة ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - فجعله خاتم النبيين، فلا نبي بعده، ومن هنا فقد انتهت الكلمات التشريعية وانحصرت فيما أنزل من قبل، ولا يمكن أن تزداد بحرف واحد، أما الكلمات الكونية فلا حصر لها ولا يمكن أن تنتهي أبدا، كذلك الركن الرابع من أركان الإيمان هو الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين أرسلهم الله إلى عباده وكلفهم بالبلاغ والنذارة والبشارة (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، وقد اختارهم الله - تعالى -اختيارا وانتقاهم انتقاء واصطفاهم اصطفاء، فكمل خلقهم وخلقهم، وجعلهم أشرف الخلائق وأكمل الخلائق وأكثرها إيمانا وأرجحها عقولا وأقواها في الله - سبحانه وتعالى - وأكملها فطرة، وقواهم الله - تعالى -على تحمل الوحي والأمانة العظيمة، وأول الرسل إلى أهل الأرض نوح-عليه السلام-، فقد كان آدم رسولا إلى ذريته، ثم نوح أرسل إلى أهل الأرض كافة ثم بعد ذلك تتابع الرسل تترى، فما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولا، كما قال الله - تعالى -: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وكما قال - تعالى -: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وقال - تعالى -: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، جاؤوا بهذه العقيدة وبهذا الإيمان، ولذلك فإن ملتهم واحدة، فشريعتهم بالتفاصيل تختلف، لكن عقيدتهم وهي الملة واحدة، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد أبناء علات" أبناء علات أي كالأولاد الذين أبوهم واحد وأمهاتهم عدد، فكذلك الرسل عقيدتهم واحدة وشرائعهم والأحكام التي تنزل عليهم مختلفة، ولهذا قال الله - تعالى -: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) ويجب الإيمان بهم جميعا، وأنهم كذلك رسل من عند الله - تعالى - بلغوا عنه ما أمروا بتبليغه، ويجب الشهادة لهم بالتبليغ، وأن الله - تعالى – عصمهم عن الكذب عليه، وعصمهم كذلك من الإقرار على معصيته وأن الله - سبحانه وتعالى - صدقهم بالمعجزات الظاهرة الباهرة، وأنه - سبحانه وتعالى - قوى عقولهم فمنع أي تأثير عليها، فلا يمكن أن يصل أي ضرر إلى عقولهم، فعقولهم أكمل العقول وأتمها، ويجب الإيمان بختمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه أفضلهم وإمامهم، ومنهم أولوا العزم من الرسل وهم أفضلهم، وهم الذين ذكرهم الله - تعالى -في قوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) فأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم إبراهيم - عليهم السلام - أجمعين، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام تجب موالاتهم جميعا ومحبتهم جميعا، والإيمان بهم جميعا وبصدقهم وبما جاؤوا به من عند الله - تعالى -، ومن كذب واحدا منهم فقد كذبهم جميعا، كما قال الله - تعالى -: (كذبت قوم نوح المرسلين) وإنما كذبوا نوحا وحده، فتكذيب واحد تكذيب لهم جميعا، وكذلك من بعده (كذبت عاد المرسلين) (كذبت ثمود المرسلين) (كذبت قوم لوط المرسلين) (كذب أصحاب الأيكة المرسلين)، فجميعهم كذبوا المرسلين جميعا بتكذيب نبي واحد من الأنبياء، ومن هنا فعقيدة المسلمين تقتضي أن كل من كذب نبيا من الأنبياء فهو كافر مطلقا، كل من كذب نبيا من الأنبياء في أي شيء أخبر به فهو كافر، ولا نعلم حصار عددهم، فقد قال الله - تعالى -: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما) وقد بين الله - سبحانه وتعالى - لنا أسماء بعضهم في كتابه فجاء منهم خمسة و عشرون سموا في القرآن، وقد تضمنت آيات سورة الأنعام 18 منهم، كما قال الله - تعالى -في قصة إبراهيم - عليه السلام -: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيي وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) وكذلك فإن آية سورة النساء أيضا تضمنت عددا منهم وهي قول الله - تعالى -: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما)، فـأولئك رسل الله عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلائق وأكملها، ومن فائدة الإيمان بهم أن تتعلق النفوس بهم، وأن تحبهم وأن تقتدي بهم في محبتهم لله وعبادتهم له وأن تتسلى عما يصيبها في الله - تعالى -بما أصاب الأنبياء فهم خير منا، ولو كانت هذه الدنيا دار قرار لعجل الله فيها الخيرات للأنبياء، فلذلك تعلمون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو أشرف الأنبياء وأشرف الخلائق جميعا وأكملهم، وأتقاهم وأخشاهم لله وأحبهم إليه وأكرمهم عليه، ومع ذلك يقاتل ويبذل الأسباب في هذه الحياة وتكسر رباعيته وتدخل الحلقة في جبينه من المغفر وتجحث ركبته ويجوع حتى يعصب الحجر على بطنه من الجوع ويغزو كذلك في العدد اليسير من الناس ويسكن في بيت إذا وقف الرجل فيه وصلت يده إلى سقفه وينام على الحصير فيؤثر في جنبه بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا عرفنا ذلك هانت علينا الدنيا ونظرنا إليها بنظرة دونية جدا، لو كانت هذه الدنيا محلا للخير ومحلا لرضا الله ومحلا لنظره لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بها وأكثر من الذين يتطاولون فيها الآن من الملوك، أنتم تعرفون أن ملكة بريطانيا ذكر أنها مكثت 40 سنة لم تدخل مستشفى قط، وهي تعيش في أنواع زخارف هذه الحياة الدنيا، وهي الآن ملكة لبريطانيا وكندا واستراليا، ولو كان هذا خيرا لعجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - خير منه، لكن لما عرفنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاش نبيا عبدا هانت علينا الدنيا ولم نولها أي اعتبار ولم تكن أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولم نجعلها محلا لتنافسنا، وتذكرنا قول الله - تعالى -: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فالملوك الذين يستطيع أحدهم أن يمكث السنة كلها كل يوم يدخل قصرا من قصوره لا يدخله في بقية السنة حالهم الدنيوي لا يمكن أن يشغلنا عن حال محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فلذلك لا بد أن نتذكر أن الدنيا لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء، وقد عجلت طيباتها لأعداء الله - سبحانه وتعالى -، ولذلك يقال لهم يوم القيامة (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) أما الركن الخامس من هذه الأركان، فهو الإيمان باليوم الآخر، وهو الإيمان بالقيامتين، القيامة الصغرى والقيامة الكبرى، أما القيامة الصغرى، فهي قيامة كل إنسان وهي مقدمه على الله بالموت "إذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته" فكل إنسان قيامته الصغرى هي انتزاع الروح من بدنه عند الموت، (توفته رسلنا وهم لا يفرطون) (والنازعات غرقا والناشطات نشطا) (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وهذا الموت هو انتقال من دار إلى دار وتحول واقعي عما كان الإنسان يألفه، فكل ما يعرفه الإنسان في هذه الحياة وكلما يخطر على قلبه سيرى الأمور على خلافه تماما، كل الأمور تغاير تصور الإنسان وما كان يتصوره، فنحن نرى الناس يموتون، فنظن أن الأمر سهل ميسور، لكن وصف عمرو بن العاص الموت وصفا عجيبا فقد سأله ابنه عبد الله فقال: يا أبت إنك كنت تتمنى أن تجد رجلا عاقلا يحتضر حتى يصف لك الموت، وأنت ذاك الرجل العاقل فصف لنا الموت، فقال: أشعر كأن الشوك يجر في عظامي، وكأن الأرض سويت فوضعت عليها ثم وضعت السماء على صدري، وكأن نفسي تخرج من خرت إبرة أي من ثقب الإبرة.الموت أمر عظيم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغمس يديه في الماء ويمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتذكر الموت، فقال: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات ـ الموت ـ ما ذكر في سعة إلا ضيقها، ولا في ضيق إلا وسعه"، أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت أي قاطع اللذات الموت، فما ذكر في سعة إلا ضيقها، ولا في ضيق إلا وسعه، وهذا الموت هو عبارة عن انكشاف ينكشف للإنسان فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب، وتنتهي مهمته في هذه الحياة، وينتقل إلى ما قدم فيجد أعماله مرصوصة أمامه جميعا لا يفقد منها كبيرا ولا صغيرا، وهو يتمنى حينئذ الفرار منها، (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه) ينكشف للإنسان بها كثير مما كان خفيا عنه، كما قال الله - تعالى -: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) وأول مشاهد هذه القيامة الصغرى هو القبر، فهو أول منازل الآخرة وهو أعظم من كل ما قبله وأعظم منه كل ما بعده، وأول ما يلقاه الإنسان فيه ضمة القبر التي تختلف منها الأضلاع وتزول منها الحمائل ثم بعد ذلك سؤال منكر ونكير ما ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل، ثم بعد ذلك عرض الأعمال على الإنسان، ومجيئها إما في أحسن صورة وإما في أقبح صورة، ثم بعد ذلك عرض مقعده عليه ثم محاسبته على أعماله ثم جزاؤه إما بنعيم القبر وإما بعذابه والمقصود بذلك ما يعجل له من جزائه فقط، هذه هي مشاهد القيامة الصغرى، وهي هول هائل وحدث عظيم ولذلك جاء في الخبر ليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهما ليلة يبيت مع الموتى ولم يبت معهم قبلها وليلة صبيحتها يوم القيامة، لكن هذه القيامة الصغرى على هولها وضخامتها وفظاعتها وشناعتها لا تساوي شيئا من القيامة الكبرى فالقيامة الكبرى بداية مشاهدها بإذن الله - تعالى -للملك في النفخ في الصورة، فينفخ فيه نفخة الفزع فيصعق الناس لها جميعا، (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) (ونفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله وكل أتوه داخرين). فلذلك هذا هو أول مشاهد القيامة النفخ في الصور، ثم بعد ذلك النفخة الثانية التي تنبت منها الأجسام ويعود منها الناس قياما ثم بعد هذا زلزلة الأرض (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان مالها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها) يهزها الجبار - سبحانه وتعالى - فتستوي جميعا، تكون جبالها كالعهن المنفوش، تتفيؤها الرياح، وتكون أوديتها مستوية تماما، ويخرج كل ما فيها من الأجداث والقبور، تنفضها نفضا، ويخرج ما فيها من المعادن وما فيها من الكنوز كالجيراب ينفض، ثم بعد ذلك تشقق السماء فهي يومئذ واهية وتطوى كطي السجل للكتب، ثم بعد هذا ينادي المنادي في الناس هلموا إلى ربكم فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وتبدل الأرض غير الأرض فيحشرون جميعا في الساهرة، وهي أرض كالكرسفة البيضاء، يقف الواقف على طرفها فيرى طرفها الآخر، يدارك فيها الخلائق أمة بعد أمة حتى يأتي آخرهم حفاة عراة مشاة غرلا، ليس مع أحد منهم إلا عمله، (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) وقد قالت عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا رسول الله واسوأتاه الرجال والنساء حفاة عراة ينظر بعضهم إلى بعض، قال: يا عائشة الأمر أهول من ذلك" الأمر أهول من ذلك، لا يمكن أن ينظر أحد منهم إلى أحد، يفر المرء في ذلك الوقت من أبيه وأمه و بنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه، يفر من كل من عرف وجهه في الدنيا لئلا يطالبه بحق عند الملك الديان، فالله - تعالى -يسأل عن صحبة ساعة، فكل من عرفته في الدنيا إذا رأيته في الموقف هربت منه، ثم بعد هذا طول الموقف طولا عجيبا، يؤتى فيه بالشمس فتدنو فوق الرؤوس حتى تكون كالميل، في شدة حرها وأوجها، ثم بعد ذلك يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف ملك، سبعون ألف زمام في كل زمام سبعون ألف ملك، أي أربع مليارات وتسعمائة مليون (4.900.000.000) من الملائكة يجرون جهنم جرا، يجرون جهنم جرا حتى تحيط بالناس من كل جانب، وهم ينظرون إليها فيرون بعضها يركب بعضا، ويرون ما فيها من الظلام، والأودية الهائلة، وما فيها من البرد الشديد الزمهرير وما فيها من الحر الفظيع الهائل، هذه الشمس التي تشعرون بحرارتها الآن، ودرجة الحرارة المتوقعة عليها تقريبا 14مليون درجة حرارية، ومع ذلك تكون عقيرة في النار يوم القيامة، توضع في النار يوم القيامة، حرارتها لا يمكن أن تقارن بشيء، وفيها كذلك من النتن والخبث، الشيء العجيب جدا، فلو أن قطرة واحدة من قطران النار قطرت بالأرض لخبثت كل شيء فيها وبشعته حتى لا يستطيع أحد أن يتنفس في هوائها ولا أن يشرب من مائها، فيرونها فلا يرون مشهدا أفظع من ذلك المشهد، وهم يرون جهنم تقاد والملائكة يجرونها جرا، ويطول بهم الموقف ويشتد العرق، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه ومنهم من يصل إلى ركبتيه ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يصل إلى سرته ومنهم من يصل إلى ثدييه ومنهم من يصل إلى ترقوتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، ويشتد بهم الأمر فيتداعون إلى العلماء فيقولون كنا نرفع إليكم أمورنا في الدنيا فيقول العلماء ليس اليوم لنا إنما هو للأنبياء، فيذهبون إلى آدم فيقولون يا آدم خلقك الله بيمينه ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وجعلك خليفته في الأرض فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول آدم نفسي، نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله وأكلت من الشجرة، ولكن اذهبوا إلى نوح فيأتونه فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وأنت أبو البشر بعد آدم، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول نوح نفسي، نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني سألت الله ما لم يأذن لي به ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتونه فيقولون يا إبراهيم قد اصطفاك الله من الخلائق خليلا، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار فيقول إبراهيم نفسي، نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وهل كنت إلا خليلا من وراء وراء، وإني قد كذبت ثلاث كذبات، ولكن اذهبوا إلى موسى فيأتونه فيقولون يا موسى قد اجتباك الله برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار فيقول موسى نفسي، نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم يؤذن لي بها ولكن اذهبوا إلى عيسى، فيأتونه فيقولون يا عيسى أنت كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار فيقول عيسى نفسي، نفسي، رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عبدت من دون الله لا يجد شيئا يأثره غير ذلك، ولكن اذهبوا إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، فيأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول يا محمد أنت خاتم الرسل وإمامهم فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار فيقول أنا لها، فيخر ساجدا تحت العرش، فيلهمه الله ثناء عليه لا يحسنه في الدنيا لم يثن به أحد على الله - تعالى - قبله، فيناديه، فيقول يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع واسأل تعطه، فيشفع للناس فيخرجون من الموقف ويتجلى الباري - سبحانه وتعالى - لفصل الخصام، (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) (وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) ثم بعد ذلك تتالى مشاهد القيامة، ومنها العرض على الله - تعالى -، فكل إنسان يعرض عليه وحده، (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) جميع الخلائق ما منهم أحد إلا و هو يعرض على الله وحده، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا، ثم يعرض الله - تعالى - أعمال العباد عليهم، فيسألهم عنها ويبسط كنفه على عبده المؤمن، فيقول أي عبدي أتذكر يوم كذا إذ فعلت كذا وكنت قد نهيتك عنه، فيقول نعم يا رب وكنت قد نسيته فيقول، لكنني لم أنسه، ثم بعد ذلك يعطي الله - تعالى -الكتب للناس، فبعضهم يعطى كتابه بيمينه تلقاء وجهه، فيُبيض الله وجهه فيسير في النور مسيرة خمسمائة عام، وإذا نال كتابه بيمينه فرح فرحا لم يفرحه قط في حياته، ولذلك ينادي بأعلى صوته (هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وأما الآخرون نسأل الله السلامة و العافية، فتدخل أيديهم من بين ثديهم وتخرج من بين أكتافهم وهي الشِّمال اليد الشمال تدخل بين الثديين وتخرج من بين الكتفين، فيعطى كتابه بشماله وراء ظهره نسأل الله السلامة والعافية، فيساء مساءة لم تدخل عليه قط، فلذلك يقول (يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ما ليه هلك عني سلطانيه) فيقول الله لملائكة الشمال (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون) ثم بعد ذلك توزن أعمال العباد في ميزان القسط، وله كفتان ولسان، فمن رجحت كفة حسناته كان فائزا، ومن رجحت كفة سيئاته كان خاسرا، ثم بعد ذلك يؤتى بجهنم فتقرب وتزلف الجنة كذلك فترفع، وينصب الصراط على متن جهنم وهو أحد من السيف وأرق من الشعر وعليه كلاليب كشوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟، يتفاوت الناس عليه بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدوا، ومنهم من يزحف على مقعدته فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم، ثم بعد ذلك يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فيأتي أهل الجنة، يأتون إلى أبوابها فيرونها موصدة وقد كانوا ينظرون إليها من بعيد، فيصل إليهم من روحها وريحانها، فأول من يستأذن فيحرك الحلقة محمد - صلى الله عليه وسلم - فتفتح أبواب الجنة الثمانية، ويؤذن للمؤمنين في دخولها، ثم بعد ذلك تفتح أبواب النار السبعة، نسأل الله السلامة والعافية، ويقسم أهلها بين تلك الأبواب (لكل باب منهم جزء مقسوم) فيدخلونها على تفاوت درجاتهم ومنازلهم، وتتفاوت درجات أهل الجنة ومنازلهم فيها كذلك تفاوتا عجيبا، إن أهل الجنة ليتراءون الغرف كما يتراءى أهل الأرض الكوكب الدري في السماء، هذه بعض مشاهد القيامة يجب الإيمان بها جميعا، وهي داخلة في هذا الركن الخامس من أركان الإيمان، ثم الركن الأخير، وهو السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وهو أربع مراتب، هي أولا علم الله السابق بجميع الأشياء إجمالا وتفصيلا، ثانيا: كتابته لكل ما هو كائن في الصحف التي عنده فوق عرشه، وهي أم الكتاب لا محو فيها ولا تبديل، (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) والمرتبة الثالثة توزيعه لما هو كائن على الزمن، ففي كل عام ليلة القدر يفرق فيها كل أمر حكيم أمرا من عند الله، وكل جنين يكتب معه وهو في بطن أمه أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد، وكل شجرة يكتب معها أجلها وعدد ما ينبت فيها من الورق وما يتساقط منها، إن لهذه الأشجار لآجالا كآجالكم، ثم المرحلة الرابعة، المرتبة الرابعة من مراتب القدر تنفيذ ما هو كائن على وفق علم الله السابق، جلستنا هذه علمها الله قبل خلق السماوات والأرض، وكتبها كما هي في الصحف التي عنده فوق عرشه، ثم قدرها في هذا العام في هذه الليلة في هذه الساعة ثم نفذها الآن على وفق علمه قبل خلق آدم وقبل خلق السماوات والأرض، هذا القدر يجب الإيمان به بمراتبه الأربعة، ثم يجب الإيمان بأقسام القدر الأربعة وهي القدر الخير الحلو، والقدر الخير المر والقدر الشر الحلو والقدر الشر المر، فالقدر الخير الحلو هو ما يعجله الله لعباده المؤمنين مما يعينهم على الطاعات، ما يفسح لهم فيه من الأعمار وما يرزقهم من العافية والتوفيق، وما يرزقهم من الأموال والأولاد التي تعينهم على الصلاح والاستقامة، هذا من القدر الخير الحلو، هو خير لهم لأنه يقربهم من الله، و هو حلو لأنه موافق لمبتغاهم، والنوع الثاني من القدر هو القدر الخير المر، وهو ما يصيب الله به عباده المؤمنين من المصائب التي تكون تكفيرا للسيئات ورفعا للدرجات وهي خير لهم لأنها تكفير لسيئاتهم وتقريب لهم إلى الله وإن كانت مرة لأنها غير موافقة لأهوائهم، والنوع الثالث من القدر هو القدر الشر الحلو، وهو ما يعجله الله لأعدائه الكفرة الفجرة، مما يعينهم على معصيته (وأملي لهم إن كيدي متين) فالله - تعالى -يمهل ولا يهمل، فيستدرج أعداءه، فيعطيهم الأموال والأولاد ويفتح لهم في التكنولوجيا والعلوم حتى يتمردوا على سلطان الله فيقولوا ما قالت عاد من أشد منا قوة، كما تسمعون أمريكا تقول اليوم، فهذا التمرد على الله - تعالى -وعلى سلطانه إنما هو بالتقوي بما أنعم به وبما قدره من الخيرات التي كان بالإمكان أن يحجبها وبالإمكان أن يضاعفها أيضا له الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، فهذا الذي يزيدهم جراءة وجسارة على الكفر هو من القدر الشر الحلو، فهو شر لهم لأنه يزيد طغيانا وكفرا، لكنه حلو لأنه موافق لهواهم، والنوع الرابع هو القدر الشر المر وهو صناديد القدر التي يعجلها الله لأعدائه من الكوارث والأوبئة، فما يسلط الله عليهم من الكوارث كتحطم المراكب الفضائية، وما يسلط عليهم كذلك من الأوبئة والأمراض كالجمرة الخبيثة وغيرها، كل هذا من القدر الشر المر، وهو صناديد القدر، تتحطم الطائرات تتحطم السيارات، تقع الكوارث، كل ذلك من القدر الشر المر، فهو شر لهم لأنه يعجلهم إلى مصيرهم الحتمي وهو النار، وهو مر لأنه مخالف لهواهم، يكرهونه، فإذن هذه الأقسام الأربعة يجب الإيمان بها، يجب الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل ذلك من الله - سبحانه وتعالى -، بهذا نعلم أن عقيدة السلف الصالح موافقة للفطرة، وموافقة للوحي ومحققة لحب الله - سبحانه وتعالى - وحب رسوله وحب رسله جميعا وحب ملائكته، والإيمان بقدره خيره وشره والإيمان كذلك باليوم الآخر وتفاصيل ما فيه، فلذلك علينا أن لا نعدل عنها وأن نأخذ بها، وأن نعلم أن تعلمها مما لا يمل، حتى ولو كررت مرارا وتكرار على أسماعنا، فلا يزيدها التكرار إلا وضوحا وظهورا، فلذلك نحتاج إلى تكرارها كما نكرر القرآن، ألم يشرع لنا تكرار الفاتحة في كل سورة هل يحصل الملل بتكرار القرآن. ؟ أبدا، وقد قال الشاطبي - رحمه الله -: و ترداده يزداد فيه تجملا، فلذلك نحتاج إلى مراجعة هذه العقيدة دائما، ونحتاج إلى مثل هذه الجلسات الإيمانية التي ننفض فيها الغبار عن إيماننا ونناقش فيها قضاياه ونتوكل فيها على الله - سبحانه وتعالى - ونتصل به ونسمع الوحي المنزل من عنده، ويزول عنا الظلام عما أمامنا فنحن الآن نسير في طريق إلى الله، وما أمامنا مظلم مستور عنا لا يتضح إلا بالوحي، فالوحي هو النبراس الذي ينير لنا الطريق أمامنا، ونعرف به ما ينتظرنا، فالناس جميعا يعلمون مما أمامهم الموت، فقط، لكن الغافلون عما بعد الموت يظنون أن الموت راحة وانقطاع وينسون ما بعد الموت، والذين لا يؤمنون بالبعث بعد الموت كذلك، يظنون أن الأمر ميسور و هو أن يموت الإنسان فتنقضي حياته فلا يعود بعد أن يكون رفاتا لا يعود إلى هذه الحياة، لا يعود إلى الحياة أبدا، وهذا كله تصور خاطئ على خلاف الأمر تماما، فلذلك نحتاج إلى ما ينير لنا الطريق أمامنا ويدلنا على ما ينتظرنا نسأل الله - تعالى - أن يحسن ختامنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل خير أيامنا آخرها وخير أعمارنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.
|
تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن
ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.
الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.
لا توجد تعليقات
أرسال لصديق
|
|
|
|
|
|
أحصائيات
|
|
|
|
|

عدد المقالات (26769)
|
|

عدد الكتب (4770)
|
|

عدد الصوتيات (114455)
|
|
|
|
|
|
|
|
|