بسم الله الرحمن الرحيم
أعرفها جيداً..تهتم بالدروس الخصوصية، تعطيها أغلب وقتها..طالبات يأتينها في العصر.. وأُخريات في المغرب.. وفي حالات الطوارئ تمتد الحصص إلى ما بعد صلاة العشاء..
تأمّلت طفلها يوماً فقد لفتت انتباهي حركاته.. لم يكمل الثالثة من عمره بعد.. إنه يمسك بكتاب بين يديه.. يقلّب صفحاته بطريقة منظمة.. يشير بخطوط صغيرة على المربعات البارزة.. وبلغة غير مفهومة يتحدّث ناظراً إلى الكتاب، ويحرك القلم على كل سطر في الصفحة..
إنه وببساطة - يحاكي أمه فيما تصنعه كل يوم..
ذلك المدرس الخصوصي الصغير.. !!
وهذه أيضاً أعرفها.. مدربة للحاسب الآلي في إحدى المراكز المتخصصة.. ابنتها ذات الأربع سنوات ترافقها بشكل مستمر وقت الدوام.. ثماني ساعات يومياً.. جلست الطفلة على الكرسي.. وبخطوات واثقة فتحت الحاسب الآلي، وبدأت الرسم في برنامج (الفوتوشوب).. ثم أغلقته وانتقلت إلى (الرسام)، ورسمت مجموعة من الدوائر الملونة.. ملّت من الرسام، وانتقلت إلى معالج النصوص(الوورد)، وشرعت في الكتابة والمسح.. جمل غير مفهومة.. ولكنها تفهم ما معنى الحاسب الآلي نوعاً ما..
كان يدخّن عند محطة الوقود.. في انتظار أن تمتلئ سيارته ويذهب..
طفل صغير.. عمره أربع سنوات أيضاً.. أخرج رأسه من نافذة سيارة أخرى.. (يا أخي، جزاك الله خيراً.. ارم السيجارة.. الدخان حرام)..
إن والده من أهل الحسبة.. وهو يأخذه معه في كثير من الأحيان أثناء عمله..
أُهدي إليها مسّاكة شعر سماويّة اللون.. أخذتها الطفلة ذات الأعوام الأربعة فرحة جذلى.. سألتها: أعجبتك؟ قالت: نعم.. فلديّ ثوب سماوي اللّون.. لن أحتاج لشراء ثوب سماويّ آخر حتى ألبسها..
هذه الطفلة تعيش في أسرة ديدنها شراء الملابس والزينات بشكل مبالغ فيه..
وهذه المرأة أعرفها منذ ثلاثة أعوام.. لم تتخلف يوماً عن دار التحفيظ.. كانت تأتي وبنياتها الصغار معها يحفظن القرآن.. وتحمل بين يديها رضيعتها الصغيرة..
كبرت الطفلة.. وتلك المرأة لم تزل كما عهدتها.. مردّدة بشفتيها القرآن في كل وقت.. لا تفتر ولا تملّ.. قد تكون هناك كثير من النساء يفعلن ذلك.. ولكن انظروا إلى تلك الطفلة ذات السنتين حينما كانت تنظر إلى وجه أمها وهي تردّد القرآن.. ثم ابتعدت عنها قليلاً، وبدأت تحاكي نفس الحركات في الترديد..
إنها ليست هذه القصص وحسب.. بل مئات القصص التي مرت في التاريخ، ومررت بها في حياتي اليومية.. تسرد نفس الموضوع.. ونفس النتيجة.. بتفاصيل مختلفة..
فتّشوا في ذاكرتكم وستجدونها ملأى زاخرة بمثل هذه المواقف.. وإن لم يخطر ذلك ببالكم فيما مضى.. فلتتأموا من حولكم.. وستجدون مواقف أجمل بكثير من التي قد ذكرتها لكم.. أتوقع منكم إخبارنا بمثل هذه المواقف.. التي قد تكون مشرفة.. وقد تكون مؤلمة محزنة..
إننا نعلم أن التربية صعبة.. نعلم أنها تحتاج إلى خطوات كثيرة كي نقطف الثمرة.. الإخلاص.. الدعاء.. القدوة.. الرحمة.. إشباع الحاجات الأساسية..
كلنا يعلم أن الطفل من عادته محاكاة من هم أكبر منه، ومن هم في سنه.. بل ومن هم دونه أيضاً.
نعم.. قد تكون أيها القارئ أو القارئة قدوة في الأخلاق.. أو قراءة القرآن.. أو في أساليب إنكار المنكر.. أو حتى في علومك الحياتية.. رسم.. حاسب آلي.. أو أي شيء جميل مفيد في هذه الدنيا..
ولكن المأساة حينما يستمتع الناس بصوتك.. إبداعك.. علومك ومهاراتك.. وأخلاقياتك.. ويُحرم منها أقرب الناس إليك..
إن حديثي هذا ليس خاصاً بأحد الجنسين دون الآخر.. أو للوالدين دون المعلمين والأئمة في المساجد.. والإخوة والأخوات.. إنه عام لكل من يملك موهبة أو منفعة.. وخيراً لأمته الإسلامية..
كم هم الذين يقرؤون القرآن، ويغلقون دون أبنائهم الأبواب لكي لا ينزعجوا من ضوضائهم.. !!
كم هم الذين يذهبون لإلقاء الدروس والمحاضرات دون اصطحاب أبنائهم وتركهم مع الخادمة.. أو في الأماكن الترفيهية.. بحجة أنهم مزعجون لا يفهمون شيئاً.. !!
يجلس الكثيرون إلى جهاز الحاسب الآلي دون التفكير في إدخال هؤلاء الأطفال إلى هذا العالم الجميل.. السهل الممتع.. أهم مزعجون إلى هذا الحد؟
أليس لك أيها المربي هيبة تمنعهم من إصدار الضجيج.. وممارسة ما لا يليق فعله وقت عملك؟
أليس ذلك أصلاً من واجبك أن تعلمهم آداب الجلوس في المجالس والمحاضرات أيها المربي؟
علّمهم الآداب.. واسمح لهم بتعلم الفوائد منك بالمحاكاة..
قلوب أبنائنا فارغة، ولا بد لها أن تمتلئ، فلا تجعلوا لأحد سبيلاً كي يملأها بالفساد أو الشر.. أو التفاهات..
ألكم هدف.. موهبة.. همٌّ سامٍ تحملونه بين جوانحكم؟
لتدعوا أبناءكم إذاً أن يشاركوكم تلك الإيجابيات لكي يمتلكوها.. ويكونوا مثلكم.. بل وأفضل منكم أيضاً.