بسم الله الرحمن الرحيم
عاشق الفردوس:
في زحمة المسؤوليات، وكثرة الأعمال، قد ينسى صاحب الدعوة نفسه، فيظلمها ويهمل حقوقها عليه، فلا يزكيها ولا يحاسبها أو يقوِّمها، وقد يضيع حقوق إخوانه ودعوته عليه، فيتأخر عن اللقاءات والالتزامات الدعوية، ويكون التنفيذ لها حسب الظروف والمزاج. إن صاحب الدعوة هو صافرة الإنذار التي تنذر بالخطر حال حدوثه.. فهو النائم المستيقظ، المستقر في جميع أحواله، ولهذا فإن لصاحب الدعوة الحق علامات وسمات، لا تنفك عنه، فهي تعبر عما يحمله من الحق، وتبرز الهداية والنور فيما يحمل من دعوة ومنها
1- الإيجابية:
فصاحب الدعوة رجل إيجابي..
" إن الداعية روح مفعم بالحق والنشاط والأمل واليقظة، فمهمته العظمى أن يرمق الحياة بعين ناقدة وبصر حديد، حتى إذا رأى فتوراً نفخ فيه من روحه ليقوى، وإذا رأى انحرافاً صاح به ليستقيم " [الشيخ محمد الغزالي].
2- قوة الإرادة:
وصاحب الدعوة قوي الإرادة..
" على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين، أن نؤمن بالفكرة إيماناً يخيّل للناس حين نتحدث إليهم عنها أنها ستحملنا على نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر بها وتنتصر بنا " [من رسالة دعوتنا، رسائل الإمام حسن البنا، ص 16].
3- العطاء:
وصاحب الدعوة رجل معطاء..
" وكم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون، على شباب الإخوان المسلمين وقد سهرت عيونهم والناس نيام، وشغلت نفوسهم والخليون هجع، وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملاً مجتهداً ومفكراً مجداً، ولا يزال كذلك طول شهره حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده مورداً لجماعته، ونفقته نفقة لدعوته، وماله خادماً لغايته، ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته: لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الله " [من رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس" الرسائل: ص 36].
4- التضحية:
وصاحب الدعوة رجل مضح:
" قليل من الناس من يعرف أن الداعية من دعاة الإخوان، قد يخرج من عمله في القاهرة في عصر الخميس، فإذا هو في العشاء بالمنيا يحاضر الناس، وإذا هو في صلاة الجمعة يخطب في منفلوط، وإذا هو العصر يحاضر في أسيوط، وبعد العشاء يحاضر بسوهاج، ثم يعود أدراجه فإذا هو في الصباح الباكر في عمله بالقاهرة قبل إخوانه الموظفين" [من رسالة المؤتمر الخامس، الرسائل: ص 129].
5- علو الهمة:
"وصاحب الدعوة رجل ذو همة عالية، وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا، وتنهض في مهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها، لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد: بين الحق والباطل وبين النافع والضار وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد والجهد هو العناء وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السري" [من رسالة: هل نحن قوم عمليون، الرسائل: ص 69].
6- الحكمة:
وصاحب الدعوة رجل حكيم في تصرفاته، وترتيب أولوياته، فهو يقدم الأهم على المهم، ويركز في دعوته على العقائد قبل العبادات، والأخلاق والفرائض قبل المندوبات والنوافل، ودرء المفاسد على جلب المصالح.
فالحكمة من الأمور التي أمر الله بالدعوة بها: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125]، وهي كذلك أفضل ما يُعطاه المرء: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269].
والدعوة إلى الله تحتاج إلى حكمة الداعي عند قيامه بها، فهو يتعامل مع نفس بشرية لها طبائعها.. ولها سلوكياتها، وسيواجهها فكرياً.. واجتماعياً.. وسيتعامل معها من كل الجوانب ولو لم يحسن الداعي التعامل مع هذه النفس "المدعو" فسوف يبوء بالفشل.
وتنجلي أهمية هذا الأسلوب عندما تدعو وسط جماعة تربص بها الأعداء يريدون النيل منها وقديماً قالوا: "أرسل حكيماً ولا توصه".
7- قدوة حسنة:
وصاحب الدعوة قدوة لغيره: ويعلم جيداً أن الناس في زماننا هذا يفتقرون إلى القدوة الحسنة التي تجعلهم يقتنعون بسمو الفكرة الإسلامية.. التي قامت على الأعمال لا الأقوال وبالأفعال لا بمعسول الكلام.
فالناس في حاجة إلى قدوة تدفعهم إلى الأمام.. لا تقهرهم إلى الخلف.. في حاجة إلى قدوة تجعلهم يؤمنون بمصداقية هذا الدين الذي يحمل أصحابه على الالتزام بتعاليمه وشرائعه قبل أن يأمروا به الآخرين: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2].
لأن من طبيعة البشر وفطرتهم التي فطرهم الله عليها أن يتأثروا بالمحاكاة و"القدوة" أكثر مما يتأثرون بالقراءة أو السماع خاصة في الأمور العملية. ولأن القدوة أيضاً ذات تأثير أعمق في النفس البشرية، ولأن الخطأ الصادر عن الداعية ليس كخطأ الرجل العادي، فإن خطأ الرجل العادي قد يختص به ولا يتجاوزه... أما خطأ الداعية فيتعدى أثره إلى الآخرين.. وقد تضر نتائجه بالدعوة كلها، شعر بذلك أم لم يشعر.
فمما شوه كمال الدعوة وجمالها وأفقدها مصداقيتها عند الكثير من المدعوين شيوع انفصال العلم عن العمل والفكرة عن التطبيق عند البعض من الدعاة.
8- اجتماعي:
الإنسان اجتماعي بطبعه يتعامل مع من حوله.. ويتكيف معهم ويخالطهم... ويتأثر بهم ويؤثر فيهم.. ويأخذ منهم ويعطيهم.. ومهما حاول الإنسان أن ينطوي على نفسه وينزوي بعيداً عن الناس... فسوف يأتون إليه وتفرض عليه معاملاتهم ومخالطتهم.
وفي هذه الحالة يصبح ذلك الشخص إنساناً سلبياً اجتماعياً، هذا الشخص لا ينبغي أن يكون واحداً من أبناء الدعوة.. التي قامت على التعارف.. وارتكزت على الانتشار داخل المجتمع.. وانفتحت على كل البشر تعرض عليهم رسالة الإسلام الذي غاب عن كثير من الناس.. تُظهر لهم محاسنه، وتبين لهم شرائعه، وتقف بكل قوة في وجه أعدائه تقاومهم بالقدوة الحسنة والكلمة الطيبة.
ولن يتأتى ذلك من هذا الشخص المعزول اجتماعياً القابع في بيته ينتظر من يحركه ويدفعه إلى الإمام.
9- الذكاء والفطنة:
وصاحب الدعوة يوظف الإمكانيات المتوافرة لديه، فهو رجل فطن.. ولا يقبل بالسلبية ولا يقبل بالبطالة وسط أبناء فكرته فهو يوظف كل الطاقات.. ويستفيد من كل الإمكانيات المتاحة صغيرة كانت أم كبيرة.
فمن الأشياء الخاطئة عند توزيع الأعمال والتكاليف على أبناء الفكرة الاكتفاء بالأفراد المعروف عنهم النشاط والحركة والإيجابية.. لأنهم بالتأكيد أكثر الناس استعداداً لقضاء وتنفيذ ما يوكل إليهم من أعمال وترك الأفراد المعروف عنهم الانطواء.. أو المتصفون بالسلبية الاجتماعية مما يجعل الأمر يتفاقم عندهم.. وتزداد سلبياتهم وتضعف ثقتهم بأنفسهم والخوف من المسؤولية.. ويزداد تثاقلهم إلى الأرض.. وتقل حركتهم.. وينقص عطاؤهم.. ويصبحون عبئاً على الدعوة بدلاً من أن يكونوا حامليها.
فالعضو الذي يعمل ينمو ويتطور، والعضو الذي لا يعمل يضمحل ويموت، فكثيراً ما شاهدنا وتابعنا عندما تغيب الأفراد والعاملون الإيجابيون عن أعمالهم لأسباب السفر أو الزيارات أو الاعتقالات أو لأي أسباب أخرى.. ظهر أفراد جدد كانوا بين أيدينا.. وأمام أعيننا.. ولكننا لم نستعن بهم ولم نشركهم في أنشطتنا..لظننا عدم كفاءتهم أو لأنهم سلبيون اجتماعياً..وعندما أوجدتهم الضرورة وجدناهم شعلة من النشاط.. وأصحاب حركة دؤوب.. وعمل مستمر.. وظهرت مواهبهم.. ووضحت معالمهم الإيجابية.