متى نصر الله ( 1 )
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  تنبيه على عبارة : " لا تقل : يا رب عندي هَمّ ...
  ما هذه الفوضى
  بعض الدعوات المستجابات
  الحمد لله ... مات ابني!
  كذبة نيسان ( ابريل )
قائمة أخر الكتب إضافة
  بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني
  ما هي الصوفية وما دورها في الجهاد الإسلامي ؟
  المخدرات العقدية مع إبن شيخ الطريقة الخزنوية
  ما هي الصوفية وما دورها في الجهاد الإسلامي ؟
  أولياء الصوفية عند شيخ الإسلام ابن تيمية
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  نعمة الأمن
  طريق العزة
  الحج فضائل وأحكام
  الثبات على الطاعات
  الترويح ومفهومه، والفراغ وهمومه
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
متى نصر الله ( 1 )

أحمد بلوافي
أضيفت بتاريخ:   2008-02-09
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   573
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

1- بين يدي الموضوع:

الكل يدرك الواقع المزري الذي تعيشه أمة الإسلام منذ زمن ليس باليسير. إنه الواقع الذي يتخطفنا فيه الناس منكل مكان، فتداعوا علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، مرة باسم الحفاظ على الشرعية الدولية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأخرى بدعوى محاربة الإرهاب والتطرف وملاحقة الإرهابيين، وثالثة من أجل إحلال السلام العادل والشامل، ورابعة من أجل امتصاص مقدراتنا وثرواتنا لكي تصلهم بأبخس الأثمان، ثم تعود إلينا مصنعة لنقتنيها بأغلى الأثمان، كل ذلك يتم تحت غطاء الشرعية الدولية وحرية التجارة والعولمة وضرورة تبني النهج الليبرالي للالتحاق بركب الأمم المتقدمة، وغير ذلك من الأساليب والوسائل التي يتفنن أعداء الله في استخدامها من أجل الإبقاء على المسلمين ضعفاء أذلاء يحتلون قاع الركب لا مؤخرته.

 

وما استحلال أراضي العراق وضربه من قبل أمريكا وبريطانيا كلما عنَّ لهم ذلك وفي المقابل إعطاء الوقت الكافي لجزار صربيا سلوبودان ميلوسوفيتش للمضي قدماً في خططه الرامية إلى تطهير كوسوفو من المسلمين إلا أمثلة ونماذج على ذلك. ويضاف إليه ما يتعرض له الدعاة وطلبة العلم من التغييب في غياهب السجون، ومن البطش والقتل والتعذيب وتشويه السمعة والدعوة، والتضييق في جميع السبل والمنافذ؛ سبل الرزق، والتنقل والبحث عن الملاذ الآمن، كل ذلك أيضاً ما هو إلا صورة ومثال من واقع يعبر عن مدى العنت والحيف والظلم الذي يلحق بالمسلمين في غالب بقاع المعمورة، بل حتى في تلك الرقع التي تنعت ببلاد الإسلام اليوم.

 

وسط هذا الظلام الدامس يلتفت المسلمون يمنة ويسرة لعل أحداً دولة كانت أو زعيماً أو منظمة دولية يقف إلى جانبهم ويشد من أزرهم فيواسيهم في نكبتهم ومصابـهم هذا ليخفف عنهم وطأة هذا الواقع المرير غير أن التفاتتهم هذه قد طال أمدها ولم يتفاعل مع ما يتعرضون له من يفترض أنه يمثلهم أو ينوب عنهم باعتلائه سدة الحكم، لأنه مشارك في الجريمة وهو جزء من الأدوات التي تستخدم لتكريس هذا الواقع، ناهيك عن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة التي يصدق في تعاملها مع الضعفاء وخاصة المسلمين قول الشاعر:

 

ويقضى الأمر حين تغيب تيم  ولا يستأمرون وهم شهود

ولا حتى الدول التي صمت آذاننا من كثرة تردادها وتباكيها عن الشعارات البراقة مثل: حقوق الإنسان الديموقراطية، والعدالة والمساواة وسيادة القانون، كلا لم ينصف المسلمين أحدٌ ولم يكفكف دموعهم أحد ولا يتوقع حدوث مثل ذلك في قابل الأيام.

 

تحت وطأة هذه الحملة الشرسة وهذه الأرواح التي تزهق، وهذه السبل التي تضيق تثور في النفوس تساؤلات كثيرة مثل: أما آن لهذا الليل أن ينجلي ولهذه السحابة أن تنقشع؟ هل كتب الذل والهوان على أمة الإسلام في ظل الأوضاع التي تعيشها الآن؟ أما لهذه الغطرسة الأمريكية من نـهاية أو رادع؟ وبمعنى أدق: متى يتحقق الوعد الذي قطعه الله على نفسه بنصرة دينه والتمكين لأوليائه؟ أي: متى نصر الله؟.

 

قال عز من قائل: [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب][البقرة: 214].

 

يقول سيد قطب - رحمه الله -: "... إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه. من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إن سؤالهم[متى نصر الله؟] ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: [متى نصر الله].. "[1].

 

2 معنى الانتصار وحقيقته:

هو التمكين لدين الله، وظهور الإسلام على سائر الأديان، وعلو راية التوحيد عالية خفاقة، وطمس رايات الكفر والشرك والظلم والاستبداد، أو على الأقل خفوت صوتـها وعدم عبثها بالمؤمنين دون أن يكون هناك رادع يضع حداً لغطرستها.

هذا هو معنى النصر الذي تشرئب إليه أعناق المؤمنين، وتتطلع إليه أفئدتـهم، وهو بـهذا المفهوم تحقيق للوعد الذي قطعه الله - سبحانه وتعالى- على نفسه في كتابه الكريم، حيث قال: [وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً][النور: 55].

 

فحقيقة الانتصار في الدنيا هو الاستخلاف والتمكين في الأرض، وذلك بجعل الممكن لهم، وهم حملة الحق، أئمة الناس والولاة عليهم، وكنتيجة منطقية وأثر مباشر لذلك استبدال حال الخوف والزلزلة التي كان يعيشها المؤمنون بحال الأمن، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان وما يترتب على سوادها من استقرار في النفوس والمجتمعات.

 

لكن لفت انتباهي أنه أثناء الحديث عن هذا الموضوع وعن مقارعة المؤمنين لأعداء الله ذكرت الجنة قبل أي أمر آخر:

- قال - تعالى -: [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.. ]الآية.

 

- وقال - سبحانه -: [إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فَيَقْتلُون ويُقْتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن][التوبة: 111].

 

- وقال في سورة الصف: [يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنـهار إلى قوله وأخرى تحبونـها نصر من الله وفتح قريب][الصف: 10 13].

 

- وقال في سورة النساء: [فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً][الآية: 74].

 

فيلاحظ من خلال هذه الآيات وأضرابـها تقديم أمر الجنة على الظفر بالأعداء والتغلب عليهم، وذكر هذا الأمر بـهذا الترتيب أريد منه تحقيق أمرين في غاية الأهمية والعلم عند الله.

 

1 الأمر الأول: أن النصر الحقيقي والنهائي لكل مؤمن هو الفوز بالجنة والنجاة من النار[فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز]، [وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة]، وتثبيت هذا الأمر وتقديمه حتى تتجرد النفوس من حظوظ الدنيا العاجلة ومطامعها، حتى وإن كان في ذلك إعلاء كلمة الله والنيل من أعدائه، فيجب أن يستحضر المؤمن على الدوام أن هدفه الأسمى هو نيل رضا الله والفوز بالجنة، والأمور الأخرى يجب أن تكون تبعاً لتحقيق هذا المقصد: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

 

إن توطين هذا الأمر في سويداء النفوس ليكون واقعاً عملياً يحياه من يريد التمكين لهذا الدين ليس بالأمر الهين اليسير. لذا فإنه يحتاج إلى جهود تربوية كبيرة، وتقديم تضحيات جسام قد يتعدى أجلها وأمدها أجيالاً من الأمة قبل تحقيق الموعود المقطوع به المتمثل في ظهور الدين والتمكين لأوليائه. ولعل في النماذج التي حفظتها لنا كتب السير والمغازي عن الجيل الأول ما يعضد هذا الذي ذهبنا إليه.

 

2 الأمر الثاني: هو أنه قد تمر بالمسلمين ظروف لا يستطيعون فيها تحقيق أمر التمكين، فهل هذا الوضع مسوغ لهم لكي يرفعوا الراية البيضاء؟ ليكثروا من الحوقلة والاسترجاع دون أن يحاولوا جاهدين إلى الأخذ بالأسباب التي ترفع عنهم هذه الذلة والمسكنة؟ فربطهم بأمر الجنة فيه حافز لهم لأن يعملوا تحت كل الظروف، يستوي في ذلك زمن الاستضعاف وغيره، من أجل التمكين لدين الله، وذلك حتى تبرأ ذمتهم أمام الله على أقل تقدير وهم يبذلون وينافحون ضمن ما لديهم من إمكانات.

 

وقد وقعت على كلام جميل نقله ابن كثير في تفسيره نقلاً عن الطبري - رحمه الله -، وذلك عند قول المولى - عز وجل -: [إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد]، فيه إضافة هامة لمعنى النصر الذي ذكره الله في كتابه واعداً به عباده المؤمنين.

 

"قد أورد أبو جعفر ابن جرير - رحمه الله تعالى - عند قوله - تعالى -: [إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا]سؤالاً، فقال: قد عُلم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجراً كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين:

أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاماً والمراد به البعض فإن هذا سائغ في اللغة.

والثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتـهم أو في غيبتهم أو بعد موتـهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانـهم وسفك دماءهم.

 

وقد ذكر أن النمرود أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح - عليه السلام - من اليهود فسلط عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله - تعالى - عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينـزل عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - إماماً عادلاً وحاكماً مقسطاً فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنـزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظيمة.

 

وهذه سنة الله - تعالى - في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن أذاهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يقول الله - تبارك و تعالى -: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)[2]، وفي الحديث الآخر: (إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب)، ولهذا أهلك الله - عز وجل - قوم نوح، وعاداً، وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابـهم ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى الله - تعالى - من بينهم المؤمنين فلم يُهلك منهم أحداً، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحداً، قال السدي: لم يبعث الله - عز وجل - رسولاً قط إلى قومه فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق يُقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله - تبارك و تعالى - لهم من ينصرهم ويطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بـهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها.

 

وهكذا نصر الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه؛ فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصاراً وأعواناً، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم، وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتـهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم مَنَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليهم مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم... " أهـ.

 

وهناك مسألة أخيرة لابد من الوقوف عندها ملياً وهي مسألة ما بعد النصر، وهو المحافظة عليه والعمل وفق أوامر ونواهي الذي أمدنا بالنصر وهو الله جل ذكره، يقول الحق - سبحانه وتعالى- في سورة الأعراف: [قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون][الأعراف: 128 129].

 

وقال عز من قائل في سورة يونس: [ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتـهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون][يونس: 13-14].

 

فإهلاك الله للقوم الظالمين سنة ماضية من قديم الزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لكن المحك الحقيقي لأهل الحق والخير هو ماذا سيعملون إذا مكنهم الله من الأرض، هل سيقيمون شرعه ويبسطون عدله ورحمته بين الناس؟، أم لا يعدو الأمر أن يكون مجرد اختلاف في الشعارات والواجهات ليسام الناس سوء العذاب تحت يافطة الدين وشعاره هذه المرة؟

 

إننا عندما نقرر هذا الأمر ليس من أجل أن نتهيب صعود الجبال وتحقيق الغايات والمرامي النبيلة لنبرر أو نأنس بما نحن فيه من ذلة ومسكنة، كلا وإنما أريد التأكيد على مدى عظم المسؤولية وثقل الأمانة التي تناط بمن يريد أن يحكّم شرع الله ويتحاكم إليه.

 

3 مثل الذين خلوا من قبلكم:

قال ابن كثير - رحمه الله -: أي سنتهم، قال - تعالى -: [فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومضى مثل الأولين]، وقال جل ذكره: [فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا][فاطر: 43].

 

مثل الذين خلوا من قبلنا هاهنا هو قوله عز من قائل: [ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا]. إلى أي مدى: [حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ].

 

ويقول - سبحانه -: [ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا]، وفي هذا النص إشارة إلى استمرارية هذا الأمر وإصرار الأعداء عليه إلى الغاية التي ذكرت في الآية، وهو ما يشعر بتجدد الأساليب والتفنن في استحداث الوسائل بما يلائم كل عصر ومصر حسب الإمكانات المادية والنظم والقوانين التي يتحكم في أزمتها الملأ والمترفون. وقال - سبحانه -: [ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم][محمد: 31].

 

قال ابن كثير معلقاً على آية [3]: [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة]: "قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم … خوفوا من الأعداء زلزالاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال: قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال: "إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه" ثم قال: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون"... وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في يوم الأحزاب كما قال - تعالى –[إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبـهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ]الآيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجال، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة" اهـ.

ويقول القرطبي [4]: "نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابـهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد؛ وكان كما قال الله - تعالى -: [وبلغت القلوب الحناجر][الأحزاب: 10]، وقيل: نزلت في حرب أحد؛ نظيرها في آل عمران [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم][آل عمران: 142]، وقالت فرقة: نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهر اليهود العداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأسر قوم من الأغنياء النفاق؛ فأنزل الله تطييباً لقلوبـهم: [أم حسبتم ]… و[مثل]معناه شبه، أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا… فاستدعاهم - تعالى - إلى الصبر، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال: [ألا إن نصر الله قريب]. والزلزلة: شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالاً بالكسر فتزلزلت: إذا تحركت واضطربت، فمعنى[زلزلوا]خوفوا وحركوا … وقرأ نافع[حتى يقول]بالرفع، والباقون بالنصب … قال النحاس: فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول، أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى … قال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟. وروي عن الضحاك قال: يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم.. وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ الجهد بـهم حتى استبطؤوا النصر؛ فقال الله - تعالى -: [ألا إن نصر الله قريب]، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب" اهـ.

ويقول سيد - رحمه الله - [5]: "تنتهي هذه التوجيهات [القرآنية] بالتوجه إلى المؤمنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة الاختلاف بينهم وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب، وما كان يجره هذا الخلاف من حروب ومتاعب وويلات.. يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة، في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة، وليكونوا لها أهلاً: أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتـهم، وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر، وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة، حتى إذا ثبتوا على عقيدتـهم لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة.. استحقوا نصر الله، لأنـهم يومئذ أمناء على دين الله، مأمونون على ما ائتمنوا عليه، صالحون لصيانته والذود عنه، واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء. فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة، وأرفع ما تكون عن عالم الطين" اهـ.

 

وهكذا نخلص من خلال ترتيب آية}أم حسبتم أن تدخلوا الجنة …{ونسقها تم تعليق أهل التفسير عليها أن الهدف الأسمى الذي يريد المؤمن تحقيقه هو الفوز بالجنة ثم تحقيق أمر إعزاز هذا الدين والتمكين له، لكن لا بد له من طريق وسبيل يسلكه من أجل الوصول إلى ذلك، وقد اقتضت حكمة العزيز العلام أن يمر ذلك السالك بسبيل الابتلاءات والمحن والشدائد، مهما كان المنهج الذي يختاره.

 

----------------------------------------

[1] في ظلال القرآن، 1/218 219.

[2] رواه البخاري في الرقائق [6502].

[3] - تفسير القرآن العظيم، [1/230].

[4] الجامع لأحكام القرآن، [1/24-25].

[5] - في ظلال القرآن، [1/218].

 


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.088 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع