بسم الله الرحمن الرحيم
فضول النوم وكثرته تميت القلب، وتثقل البدن، وتضيع الوقت، وتورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جداً، ومنه الضار غير النافع للبدن، وأنفع النوم ما كان عند شدة الحاجة إليه، ونوم أول الليل أنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه، وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه، وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر، والنوم أول النهار إلا لسهران، ومن المكروه النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة، حتى لو ساروا طول ليلتهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسمة، وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.
وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه نوم نصف الليل الأول، وسدسه، والأخير وهو مقدار ثمان ساعات، وهذا أعدل عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا جسيما.
ومن النوم الذي لا ينفع أيضا: النوم أول الليل عقب غروب الشمس، وكان رسول - صلى الله عليه وسلم - يكرهه فهو مكروه شرعاً وطبع.
وفي كثرة النوم ضياع العمر، وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب، والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر، والنوم موت فتكثيره ينقص العمر، ثم فضيلة التهجد لا تخفى، وفي النوم فواتها، ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة.
وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات، فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام من سوء المزاج، ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل، ويورث أمراضاً مختلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا ببدنه معها، وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير والله المستعان.