بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد:
لم يعد الكلام عن أهميَّة الشباب في بناء الأمم أمراً يحتاج إلى تأكيد ، وإنما الشأن كل الشأن في تقديم الأطروحات العمليَّة التي تعين أصحاب تلك الطاقات المتدفقة، وتمكِّنُهم من استغلالها لتهيئة أنفسهم للقيام بدورهم في صلاح أنفسهم ثم إصلاح ورفعة أمتهم؛ ولهذا لم يكن من الجور تخصيص هذا العمود لهذه الشريحة المهمة من أمتنا ومجتمعنا، ولا شك أن هذا التخصيص قد يستثير بعض من ليسوا من هذه الشريحة فيصدر منهم باستنكار السؤال الذي عنون به المقال، ولعل فيما سبق من التقديم إغناء عن الجواب.
والمتأمل في ما كان مخصصاً للشباب في كثير من وسائل الآلة الإعلاميَّة يلحظ فيها أنها أضحت عَلَماً على الفساد الخلقي والتهييج العاطفي بمقدماته ونهاياته، وما يلحق به من قضايا العلاقات الآسنة بين الجنسين، وفي أخف الأحوال يكون التخصيص بالشباب موجهاً للرياضة الملهية التي لا تقصد إلا لذاتها لا لأي غاية سامية أخرى.
كما أن المتأمل في الخطاب الدعوي المقدَّم لهذه الفئة يلحظ فيه نقصاً بالمقارنة مع حساسيَّة مرحلتهم، وعظمة ما يُرتجى منهم من دور في قيادة الأمة بالعلم الشرعي والمادي المقارن لصدق الاعتقاد، وحسن العمل.
لهذا ولذاك كان هذا التخصيص ( للشباب فقط ) لاسيما وأن التخصيص متَّسِق مع نفسيات الشباب الميَّالة بطبعها للخصوصيَّة، الكارهة لتدخُّلات الكبار، أو تطاولات الصغار، وما دام القصد الإصلاح فليكن وفق ما تميل إليه طبيعة المخَاطَب.
وليس المراد بالحديث إلى الشباب في هذه الزاوية ذلك المعنى الواسع الذي يندرج فيه حتى من هم في سن الأربعين كما هو عند الفقهاء كما نص على ذلك في مختصر خليل وغيره، على اختلاف بين أهل اللغة والفقه في الفترة العمريَّة التي تشملها هذه المرحلة، وإنما المعنيُّ بالخطاب هنا ما عليه العرف السائد من أولئك الذين هم في مقتبل هذه المرحلة المهمة، الذين يظهر فيهم أصل هذه الكلمة الذي هو النشاط والقوة كما نص عليه علماء اللغة كالأزهري، والذين يتمثَّل فيهم الامتزاج بين جمال هذه الفترة ولذة الاستقامة فيها، وبين اضطراباتها المتنوعة وما يقع فيها من تنازعات، ويمثلهم في السلم التعليمي طلاب المرحلتين الثانويَّة والجامعيَّة، وحديثو التخرج ممن لا يزالون يعيشون روح هذه المرحلة.
والخطاب في هذه الزاوية شامل للجنسين في عامة ما يُطرح من مواضيع، وإن كان قد يُلمح في بعضها نوع خصوصيَّة بالبنين.
ومن مقاصد هذه الزاوية - التي أسأل الله تعالى العون على تحقيقها أو مقاربتها - عرض وتصحيح جملة من المفاهيم التي تتعلق بهذه المرحلة الممتعة الحرجة، توجيهاً وتسديداً لمن منَّ الله عليهم بنعمة الأنس به، وتسهيلاً للانتظام في سلك الاستقامة من قبل طائفة الشباب المحبين للخير، يقدِّمون إليه رجلاً ويؤخِّرون أخرى، وتحريكاً لمعدن الخير في البقيَّة ممن لم يصبح سلوك سبيل الهداية فكرة أو خطرة لهم، لاسيما ونحن نعاني في هذا العصر من ضروب من الإفساد المتعمد لاسيما للمفاهيم والتصورات التي يقوم عليها بنيان الاستمتاع الحق بهذه النعمة العمريَّة التي لا تعود إن هي ولَّت.
بعد هذه التفصيل والبيان فليكن خطابنا من المقال القادم معك - أنت أخي الشاب الحبيب -، وليكن الكلام موجهاً فيه للشباب فقط.