بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن الناظر إلى واقع الجماعات الإسلامية ليرى أن كثيراً منها يعاني أمراضاً مختلفة ومتفاوتة في خطورتها سواء كانت في العقيدة أو الأحكام الشرعية أو السلوك والأخلاق والمعاملة.
ووقع بعض المنتسبين إلى الدعوة على أخطاء في المفاهيم الشرعية فقلبوها، أو حصل لهم لبس في إدراكها، وربما تساهلوا في تحقيقها وتأصيلها.
ومن تلك المفاهيم الشرعية الشورى وهو أمر يحتاج إليه المسلم سواء كان حاكماً أو محكوماً.
والعمل الإسلامي بأشد الحاجة إلى معرفة هذا النظام الشوروي وإدراكه وتطبيقه في الواقع، وكم تحتاج الدعوة إلى الشورى، فعقول تفكر خير من أن تجعل واحداً يفكر إذ هو أكثر تعرضاً للخطأ ومجانبة للصواب، ولا سيما أن أعداء الأمة يعقدون المؤتمرات والندوات ويضعون الخطط لغزو المسلمين فكرياً وعسكرياً، فحقيق بأمة الإسلام أن تواجه هذه الحرب بتطبيق الشريعة الإسلامية وامتثالها، وقوة الصلة بالله القوي الذي لا يغلب (( ألا إن حزب الله هم الغالبون))((وإن جندنا لهم الغالبون)).
وقد مرت الأمة بتصورات خاطئة زرعها المستعمر، وسقاها ورعاها منافقوا الأمة، فترعرعت في أرض ليست أرضها، ولذلك ولدت مشوهة ولكنهم أبوا إلا تزيينها وزخرفتها وتقديمها في صورة جميلة، فراج ذلك على ضعاف الإيمان وضعيفي الأفق، فاستطاع أعداء الإسلام أن يحصلوا على شيء مما كانوا يريدون، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
الشورى:
لمحة تاريخية:
الشورى ضرورة بشرية لا تستغني عنها أمة من الأمم، لأن العقول مختلفة، والخبرات متنوعة، فتختلف أنظار الناس في القضية الواحدة، ولأن من يعيش في مجتمع لا يمكن أن يستغني بنفسه عن غيره، فكانت لهذا تجد الأمم في الشورى حلاً لمشكلاتها، ومن الأمثلة على ذلك:
- استشارت بلقيس قومها وقالت: (( ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون)).
- وملك مصر في عهد يوسف - عليه السلام - استشار قومه في الرؤيا التي رآها فقال:(( يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي )).
- وفرعون يستشير قومه في شأن موسى: (( قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون)).
- وقريش اجتمعوا ليتشاورا في أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - في دار الندوة، وانتهوا إلى القول بقتله بطريقة محكمة.
- وهكذا كانت الأمم تتشاور في أمور الحرب والمصيرية في الأمة.
تعريف الشورى:
التعريف اللغوي: مأخوذة من الاختيار واستخراج الأصل.
التعريف الاصطلاحي: هي استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق.
أصل المشروعية:
تشرع بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: (( وأمرهم شورى بينهم)) وقوله: ((وشاروهم في الأمر)).
ومن السنة مشاورته - عليه الصلاة والسلام - لأصحابه يوم أحد والخندق والحديبية وقد ورد في البخاري: ( ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى)، وغير ذلك من النصوص الشرعية والآثار عن الصحابة.
الدليل الثالث: الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية الشورى.
حكم الشورى:
- هل الشورى واجبة على الإمام؟
للعلماء في ذلك ثلاثة اتجاهات:
الأول: يرى أن الشورى واجبة، واستدلوا بأمر الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - بها فقال: (وشاروهم في الأمر) مع استغنائه بالوحي، واستدلوا بما رواه الإمام أحمد في مسنده أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لأبي بكر وعمر: ( لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما).
واستدلوا بمشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في مواضع كثيرة، وهكذا الصحابة والخلفاء كانوا كذلك، وقالوا بأن الشورى تمنع الاستبداد بالحكم فالأخذ بها واجب؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: أنها مستحبة: واستدلوا بأن الإمام يجب أن يكون مجتهداً فلا يجب عليه تقليد مجتهد آخر، ولكن له أن يستطلع آراء ذوي الخبرة ليخرج من ذلك الرأي السديد.
الثالث: أنه بحسب حال الحاكم: فإن كان مجتهداً فلا يجب عليه اتباع أهل الشورى، وإن لم يكن مجتهداً فيجب عليه اتباعهم.
الراجح: رجح بعض العلماء القول بالوجوب، والذي يظهر أن القول الثاني أقوى من حيث الدلالة – والله أعلم -.
الحكمة من الشورى:
1- أنها من العبادات.
2- أن فيها تطييباً لخواطر الناس.
3- أنها الطريق لتصحيح المنهج وتقليل الأخطاء.
4- أن فيها التخلص من عهدة الخطأ فيتحمل المجموعة الخطأ دون الفرد.
5- أن فيها تعليم للأمة حرية الرأي والشجاعة في القول.
6- أن فيها ارتقاء بالعقل، وتنمية للمواهب، واستخراج الطاقات.
7- أنها تجعل المسلم دائم الاهتمام بأمور المسلمين.
8- أن فيها وقاية للمجتمع من الانحراف فتولد الثقة بين الحاكم والمحكوم.
9- أن فيها زوال الأحقاد والنزاع من النفوس.
من هم أهل الشورى؟:
المسألة فيها خلاف، فالبعض يقول: أنهم العلماء، والآخرون يقولون: بأنهم الأمراء، والصواب: أن الأمر راجع إلى العلماء وذلك لأن الذين قالوا بأن أولي الأمر هم الأمراء اشترطوا فيهم العلم.
شروط أعضاء مجلس الشورى:
1- الإسلام.
2- التكليف وهو البلوغ وكمال العقل.
3- الذكورة، فلا يجوز أن تكون المرأة في مجلس الشورى للأمور الآتية:
- قوله تعالى: ((وللرجال عليهن درجة ))، وقوله: ((الرجال قوامون على النساء))، وقوله: ((وقرن في بيوتكن)).
- وحديث البخاري: (( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ))، وقد علم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة أنهم لم يجعلوا المرأة كالرجل في الشورى.
- وقد أفتى بذلك الأزهر عام 1381هـ برئاسة الشيخ/ العناني.
- وهذا لا يعني أن لا تستشار المرأة وخاصة في أمور النساء، لكن الاستشارة لا تعني أن تكون المرأة في مجلس الشورى – والله أعلم-.
4- تقوى الله والاستقامة على المنهج.
5- العلم.
6- العدالة.
7- سداد الرأي.
8- الشجاعة.
9- الخبرة الواسعة.
10- الأمانة.
11- التحرر من العصبية.