بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عادت إلى الساحة في الآونة الأخيرة أدراج المهتمون به على تسميته بالتقريب بين المذاهب، ولست بصدد مناقشة موضوع التقريب الآن لا من قريب ولا من بعيد، ولكني رأيت أن تسمية هذا العمل بالتقريب بين المذاهب قد يُحدث التباسًا على الكثير من الناس؛ لذا أردت التوضيح وباختصار:
إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة «المذاهب» أنها المذاهب الفقهية (الشافعي- مالك- أحمد- أبو حنيفة) وغيرهم، رحم الله الجميع. هذا أولاً،
وثانيًا: ذلك يوحي بأن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف مثل الخلاف الذي بين مذاهب الفقه، وشتَّان بين الأمرين:
فالخلاف بين المذاهب الفقهية خلاف في مسائل فرعية وليس في أصل العقيدة، وأصحاب المذاهب الأربعة المشهورة كلهم من أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في أصول الاعتقاد وإنما خلافهم في مسائل فرعية من مسائل الفقه مثل قنوت الفجر عند الشافعية وبقية المذاهب مثلاً. والخلاف في هذه المسائل مستساغ وموجود منذ زمن الصحابة، وسيستمر ولا حرج فيه، بل قد يكون رحمة في بعض الأحيان، وصاحب هذا الاختلاف مأجور على كل حال انطلاقًا من قاعدة من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر، وهي معتمدة على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أما الخلاف بين السنة والشيعة فهو خلاف في أصول الاعتقاد، وانطلاقًا من قاعدة الاختصار التي ألزمت نفسي بها سأختصر جدًا، فهو خلاف مذموم، هو كالخلاف بين السنة وبين الخوارج والقدرية والمرجئة، وهو الذي حذر منه القرآن الكريم حين قال تعالى: وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران: 105]. وقوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: 159].
وقد تحدث عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - موضحًا ومحذرًا حين قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وفي رواية أخرى قال: «فرقة» بدلاً من «ملة». وعندما سُئل عن النجاة قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وهذه الأحاديث رواها أصحاب السنن وصححوها، وصححها الألباني - رحمه الله - في السلسلة تحت رقم (204)،
وجمع بينها وعلَّق عليها.
وكما ترى هذا اختلاف تفرق وتشرذم يفت في عضد الأمة ويضعف قوتها ويفرق كلمة المسلمين، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبيل النجاة بلزوم سنته وسنة أصحابه من بعهد، وقد أكد هذا المعنى في أحاديث كثيرة منها ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -: «...فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».فأمر بالتمسك بسنته - صلى الله عليه وسلم - وسنة أصحابه وبخاصة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، - رضي الله عنهم -.
وما أحسن ما ذكره عبد الله بن المبارك - رحمه الله - حين قال: (أصل اثنتين وسبعين فرقة هوى): أربعة أهواء تشعبت منها الفرق كلها: 1- القدرية. 2- المرجئة. 3- الشيعة. 4- الخوارج. فمن قدَّم أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - رضي الله عنهم - فقد خرج من التشيع أوله وآخره.
ومن قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره. ومن قال: الصلاة خلف كل بر وفاجر والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره.
ومن قال المقادير كلها من الله - عز وجل - خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سنة. اهـ.
أسأل الله أن يقينا وإياكم شر الأهواء، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه.