بسم الله الرحمن الرحيم
حسم الخلاف في ضوء الواقع المعاصر:
الأول: يغلب على الظنّ أنّ الخروج المسلّح ينتهي إلى إزالة المنكر، ولا يتسبب بمنكر أكبر منه.
الثاني: ألا يكون دفع المنكر ممكناً إلاّ بواسطة الخروج المسلّح.
أقول: في المجتمعات السابقة كان الثوار يملكون نفس سلاح الحكّام (السيف مقابل السيف)، وغالباً ما تكون أعداد الثائرين قريبة من أعداد جند السلطان، فهناك احتمال واضح أن ينتصر الثائرون ويزيلوا المنكر الذي قاموا ضدّه، ومع ذلك فقد انتهت أكثر حركات الخروج إلى الفشل، فبقي الانحراف قائماً، وأضيف إليه الفتنة بين أبناء الأمّة، وتمزيق عرى وحدتها.
أما الآن فإنّ الجيوش النظامية تملك من أنواع السلاح الثقيل من المدافع والدبابات والطائرات، ما لا يمكن أن تحصل عليه أية جماعة شعبية. فضلاًً عن أن الجيوش في أضعف نظام حكم، تمتلك من القدرات الإدارية والمالية والمخابراتية ما لا تملكه أي حركة جماهيرية. ونضيف إلى ذلك أنّ انفتاح العالم اليوم على بعضه، يتيح للدول الاستعمارية الكبرى مساعدة الأنظمة ضدّ كلّ خروج مسلّح يهدف إلى إصلاح حقيقي.
لذلك فإنّ أي معركة عسكرية تحصل بين جيش نظامي وبين تمرّد شعبي مسلّح، لا يمكن أن تكون إلاّ لمصلحة الجيش النظامي..وبالتالي فإنّ الخروج المسلّح إذا كان في الماضي محتمل النجاح، وهو بالتالي قد يؤدي إلى إزالة المنكر، فهو في هذا العصر أقرب إلى الفشل المحتّم، ولا ينتج عنه إلاّ تثبيت الحكم المنحرف، وقيام الفتنة بين المسلمين، واستنزاف طاقات الأمّة.
وقد توصّلت المجتمعات البشرية بعد طول معاناة وفي أكثر دول العالم إلى إقامة أنظمة دستورية وفق عقد اجتماعي أساسه أن يختار الشعب حكامه، وأن يحاسبهم ويعزلهم بالوسائل السلمية التي تحفظ وحدة الأمّة، فصار الحاكم إذا انحرف يحاسب ويعزل أو تنتهي مدّة ولايته.وبإمكان المسلمين أن يستفيدوا من هذه الإنجازات البشرية، وهم أولى بها لو التزموا بأحكام الشورى كما وردت في الكتاب والسنّة. لقد صار بالإمكان تغيير منكر الحكام دون الحاجة إلى الخروج المسلّح والفتن التي تمزّق المجتمع.
ومما لا شكّ فيه أنّ هذه الطريقة السلمية أدّت إلى تضحيات كبيرة لكنّها نجحت في إزالة المنكر، وهي أكثر احتمالاً للنجاح في المجتمعات الإسلامية، والضرر الذي يمكن أن يترتّب عليها أقلّ بكثير من ضرر الخروج المسلّح.
إنّ المسلمين اليوم هم أحرى الناس باعتماد هذه الوسائل السلمية المسماة (ديمقراطية)، والتوقّف عن النقاش النظري حول الخروج المسلّح، والأدلّة التي تسمح به أو تمنعه، بعد أن أكّد التاريخ والواقع ازدياد ضرره وانعدام نفعه.. وليس في أحكام الشريعة ما يمنع المسلمين من الاستفادة من آليات توصّلت إليها البشرية بعد تجارب مريرة، طالما أنها تحقق مبدأ الشورى بأفضل الوسائل، وتحفظ وحدة الأمّة وقوتها، بل الظاهر والمؤكّد أنّ أحكام الشريعة ومقاصدها تفرض ذلك.
ما أسلوب التعامل مع الحكّام المنحرفين؟
ولا يصحّ أن يتبادر إلى الظنّ أنّ عدم جواز الخروج المسلّح على الحكّام المنحرفين يعني الرضا بالمنكر، أو السكوت عليه، وعدم السعي لتغييره.
فالفقهاء جميعاً متّفقون على أنّ الحاكم لا يطاع في معصية الله، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"(1) فيجب على المسلم عدم تنفيذ أوامر الحاكم إذا كانت معصية لله.
والإنكار على الحاكم مطلوب حين ينحرف، فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيّ الجهاد أفضل؟ فقال: كلمة حقّ عند سلطان جائر" وفي رواية أخرى: "كلمة عدل عند سلطان جائر" (2). فيجب على المسلم إنكار منكر الحاكم باللسان، إن استطاع أن يتحمّل النتائج، وهذا هو الأفضل، وإلاّ فيكتفي بالإنكار القلبي.
بل إنّ المسلم قد يبلغ بمعارضته السلمية للحاكم المنحرف أعلى درجات الشهادة، فقد روى عبد الله بن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "سيدّ الشهداء يوم القيامة حمزة ابن عبد المطّلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله"(3). وفي رواية أخرى عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قلت يا رسول الله أيّ الشهداء أكرم على الله - عز وجل -؟ قال: "رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بمعروف ونهاه عن منكر، فقتله"(4).
الخروج المسلّح حرابة تؤدي إلى فتنة
أكثر الذين أجازوا الخروج المسلّح على الإمام قيّدوه بما إذا كان (لا يؤدي إلى فتنة) بين المسلمين، وقد مرّ معنا أنّ وقوع الفتنة في هذا العصر بسبب الخروج أمر مؤكّد، وهي قد وقعت فعلاً. فضلاً عن أنّ الخروج المسلّح في الماضي كان محصوراً في أغلب الحالات بالحاكم ومن معه، ولم يكن يطال الجميع إلاّ نادراً. أما الآن فإنّ الخروج المسلّح يطال المجتمع كلّه، فهو أقرب إلى الحرابة.
ما الحرابة؟
الحرابة في اصطلاح الفقهاء هي "الخروج عن طاعة إمام أهل العدل بتأويل غير مقطوع الفساد(5) أو بمجرّد الفسق ولو على غير تأويل(6)". وهي بالتالي قيام فرد أو مجموعة من المسلمين بإعلان الحرب ضدّ المجتمع، واستباحة الدماء والأموال، والقيام بأنواع الترويع والإيذاء، وهو ما يعتبر فساداً في الأرض، ويستحقّ عقوبة أقسى من عقوبات القاتل والسارق والزاني، لأنّ الجريمة هنا ليست نزوة فردية لإشباع نهم مالي أو شهوة جنسية أو ثأر شخصي، إنما هي منهج يتحرّك فيه صاحبه ضدّ المجتمع أياً كانت دوافع هذا التحرّك. قال - تعالى -: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) (المائدة). ومما يلفت النظر أنّ الله - تعالى -اعتبر الحرابة ضدّ المجتمع، حرباً لله ورسوله، وإفساداً في الأرض مما يشير إلى خطورة هذه الجرائم من الناحية الدينية.
ما الفتنة؟
الفتنة هي وقوع القتال بين المسلمين، وكثرة الهرج والمرج، وتعدّد الأهواء والأحزاب، والتباس الأمور على الناس، حتى لا يعرف المقتول لماذا قتل؟ وقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدخول في أنواع الفتن، وقال: "القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذاً فليعذ به" (7). فإذا نزلت الفتن: "فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: أرأيت من لا يكون له إبل ولا غنم ولا أرض؟ فقال: يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدّه بحجر، ثمّ لينج إن استطاع النجاء". فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: "يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار"(8).
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قَتَل، ولا المقتول فيم قُتِل" فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتل والمقتول في النار"(9).
فالخروج المسلّح في هذا العصر يعتبر حرابة بالمصطلح الفقهي، وهو يؤدي يقيناً إلى الفتنة التي حذّرنا منها النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولذلك ينبغي على من يبرّره من الناس، وعلى المغرر بهم الذين سلكوا هذا السبيل، وهم يظنون فيه الخير للإسلام وللبلاد، ينبغي عليهم جميعاً الموازنة بين أمرين:
أمر مؤكّد يترتّب على الخروج وهو وقوع الحرابة والفتنة.
أمر محتمل في أحسن تقدير: وهو تغيير بعض المنكر، أو إيذاء العدو.
ولا يمكن لمسلم عاقل أن يدخل في أمر، الشرّ فيه مؤكّد، والخير حسب تصوره محتمل؟
أخيراً..
من منطلق إسلامي صرف، نجد من واجبنا إدانة العمليات الإجرامية الإرهابية التي تحصل في مجتمعاتنا الإسلامية، فتصيب الأبرياء والمدنيين، من المسلمين أو من غير المسلمين، لكننا نرفض أن ينسب الإرهاب للمسلمين وكأنه حكر عليهم، وكلّ شعوب الأرض مارست الإرهاب، وبصورة أسوأ مما فعله بعض المسلمين. مع فارق واحد هو أنّ المسلمين لم يمارسوا أي نوع من هذه العمليات إلاّ في إطار الدفاع عن النفس، فعملهم مقاومة مشروعة من حيث الأصل، وقعت فيها هذه التجاوزات، أما الآخرون فهم يمارسون الإرهاب ابتداءً، وفي إطار العدوان الواضح على غيرهم، كما يحصل في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها.
مع الإدانة الكاملة لكلّ عمليات الإرهاب مهما كانت دوافعها وأسبابها.
لا بدّ من التمييز بين الإرهاب العدواني الابتدائي، الذي لا سبب له إلاّ العدوان على الآخرين، طمعاً بالتسلّط على بلادهم وثرواتها. وبين المقاومة المشروعة التي تقوم بها الشعوب المقهورة دفاعاً عن حقوقها وكرامتها، ثمّ تتورّط ببعض الأعمال الإرهابية، أو توصم بالإرهاب حتى ولو لم تتورّط فيه.
ولا بدّ لنا إلى جانب الإدانة الكاملة للعمليات الإرهابية في كلّ بلاد العالم من مطالبة المقاومين بتنقية أعمال المقاومة من مثل هذه التجاوزات، والاكتفاء بتوجيه السلاح إلى المقاتلين الأعداء، التزاماً بالقيم الإسلامية والإنسانية.
------------------------
الهوامش
(1) أخرجه البخاري (فتح الباري 13-121).
(2) أخرجه أبو داود (4-514) كتاب الملاحم، والترمذي (4-409) كتاب الفتن، وأحمد في المسند (4-314)، والبيهقي في السنن الكبرى (10-91)، كتاب آداب القاضي، وابن ماجه (4-404) كتاب الفتن، وهو حديث صحيح.
(3) رواه الطبراني في الأوسط.
(4) رواه البزار.
(5) نهاية المحتاج (7-402).
(6) الزرقاني (8-192).
(7) متّفق عليه (البخاري 9-66).
(8) رواه مسلم في كتاب الفتن.
(9) رواه مسلم في كتاب الفتن.