ضوابط السلام في شريعة الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  الدعاء قبل إتيان الزوجة
  تنبيه على عبارة : " لا تقل : يا رب عندي هَمّ ...
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  بعض الدعوات المستجابات
  دعاء طرد الشيطان ووساوسه
قائمة أخر الكتب إضافة
  الشيخ إبراهيم بن سعيد الشاغوري
  الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمش...
  ابن الحاج
  هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون...
  برعي اليمن يسلط الضوء على الصوفية
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  الرحمة
  رسالة الأسرة المسلمة
  الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب
  دعوة للمحاسبة
  احذروا نواقض التوحيد
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
ضوابط السلام في شريعة الإسلام

محمد عبد الكريم
أضيفت بتاريخ:   2008-02-14
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   788
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أخبار (معاهدات السلام) في سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام -:

أولا: صلح الحديبية:

خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية في يوم الاثنين مستهل ذي القعدة من السنة السادسة، وقد قصد بخروجه العمرة، وفي ذلك إظهار لحقيقة مشاعر المسلمين نحو البيت العتيق وتعظيمهم له، وإبطال لدعاية قريش المعادية التي تريد إظهارهم وكأنـهم لا يعترفون بحرمة الكعبة.. وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتوقع أن تصدّه قريش وتقاتله؛ ولذلك أراد أن يخرج بأكبر عدد من المسلمين، وأخذوا معهم سلاحهم لتوقّع الشر من قريش، فكانوا مستعدين للقتال.

 

فلما اقترب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية بركت ناقته، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون بـها حرمات الله إلاّ أعطيتهم إياها)[1].

 

وبيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقريش - عن طريق رجال محايدين أحياناً، وبواسطة رجال أرسلهم لهذا الغرض أحياناً أخرى - أنه لا يريد حرب أحد وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه. وأرسل فيمن أرسل عثمان بن عفان إلى قريش، فأجاره أبان بن سعيد بن العاص، حتى أبلغهم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سمحت له قريش بالطواف فأبى أن يسبق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطواف، وقد أخرته قريش فحسب المسلمون أنـها قتلته، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه للبيعة تحت شجرة سمرة فبايعوه جميعاً سوى الجد بن قيس وكان منافقاً، وكانت البيعة على الموت.. ولكن عثمان رجع إلى المسلمين بعد البيعة مباشرة، ثم أرسلت قريش رسلاً، كان آخرهم سهيل بن عمرو فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لقد سهل لكم أمركم)، وقال: (لقد أراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل)، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو ألاّ يكون في صلحه إلاّ أن يرجع المسلمون دون عمرة في ذلك العام. وقد جرت مفاوضة طويلة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهيل بن عمرو انتهت إلى عقد صلح الحديبية.

 

وقد وقع اختلاف في مقدمة العقد، حيث أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إعطاءه صيغة إسلامية فاعترض سهيل بن عمرو، وكان علي بن أبي طالب يكتب العقد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلاّ "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اكتب باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)، فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب "محمد بن عبد الله". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به)، فقال سهيل: وأن لا تتحدث العرب أنّا أخذنا ضغطة، أي قهراً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب.

 

فقال سهيل: وعلى ألا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلاّ رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله!، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟! فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسفُ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكّة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنّا لم نقض الكتاب بعد). فقال: والله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فأجزه لي). فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بل فافعل). قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز[2]: بل قد أجزناه.

 

وقد تمّ الاتفاق على الأمور التالية:

"على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أنّ من أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يردّه عليه، وأنّ بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عَيْبَة[3] مكفوفة، وأن لا إسلال ولا أغلال[4]، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

 

فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وتواثبت بنو بكر: فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم.

 

وأنّك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك. فأقمت بـها ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب".

 

والواقع أن المسلمين تذمروا من هذه الإتفاقية وضاقوا بـها ذرعاً، خاصة بعد أن جرت التعديلات على الصياغة الإسلامية للعقد. فقد اعتذر على بن أبي طالب عن مسح كلمة "رسول" فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب وكتب ما أراد سهيل بن عمرو. وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا: "يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: نعم. إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجا"[5].

 

وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب، وسائر الصحابة الذين كانوا قد خرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفي الطريق إلى المدينة نزلت سورة الفتح: ((إنا فتحنا لك فتحا مبينا)) وقد استمرت الهدنة نحو سبعة عشر شهراً أو ثمانية عشر شهراً.

 

إنّ هذه الغزوة وما تم فيها من صلح بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أعدائه من المشركين - تحتاج إلى وقفة متأنية ودراسة منهجية حتى لا تتخذ مطية - بحسن نية أو بسوء نية - إلى تزيين التخاذل والاستجداء والاستسلام لأعداء الأمة. إن فيها مواقف متعددة في التعامل مع المشركين ودروساً ينبغي فهمها واستيعابـها من قبل أفراد الأمة:

 

لقد توالت الأحداث مؤكدة الحكمة البالغة والنتائج الباهرة لهذا الصلح الذي سماه الله - تعالى - (فتحاً مبيناً) وذلك فيما يلي:

1- اعترفت قريش بكيانـهم لأول مرة فعاملتهم معاملة الند للند بعد أن كانت تصورهم أمام الناس بأبشع الصور مما كان له صداه العميق في داخل مكة وأرجاء الجزيرة العربية.

 

2 - مبادرة خزاعة للتحالف مع المسلمين علناً دون هيبة قريش حيث "كانت خزاعة عين نصح لرسول الله مسلميها ومشركيها لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة"[6].

 

3 - كان السلام المبرم يتيح الفرصة للمسلمين للتفرغ ليهود خيبر، آخر معاقل يهود التي استُغِلَّتْ للتحريض على المسلمين في الخندق وما بعدها.

 

4 - أتاحت الفرصة لهم لنشر الإسلام، يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب وأمر الناس بعضهم بعضاً والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر"[7].

 

قال ابن هشام: " والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف"[8].

 

5 - بعد أن وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة جاءه أبو بصير مسلماً وقد فر من قريش، فأرسلت في طلبه رجلين فسلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهما، وفي الطريق تمكن أبو بصير من قتل أحد الرجلين وفر الثاني إلى المدينة وخلفه أبو بصير، فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم". فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر... "[9].

 

وقد لحق بأبي بصير كل من تخلص من مكة من المستضعفين، وأخذوا ينتقلون إليه فلحق به أبو جندل بن سهيل بين عمرو وغيره، حتى اجتمعت منهم عصابة، وتعرضوا لقوافل قريش التجارية يقتلون حرسها ويأخذون أموالها: "فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم وهم بناحية العيص، فقـدموا عليه وكانوا قريباً من السـتين أو السبعين"[10].

 

ثانياً: قصة همّ النبي - صلى الله عليه وسلم - موادعة غطفان في غزوة الأحزاب:

 

لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - كثرة الأحزاب، وتجمع المشركين على المدينة، أراد أن يخفف الضغط على المدينة فيصالح قبيلة غطفان لتحييدهم وتخذيل الأحزاب، فعرض على عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن عوف المري - رئيسا غطفان - الصلح على ثلث ثمار المدينة، وأن ينصرفا بقومهما ويدعا قريشاً وحدها وكانت هذه المقالة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما مراوضة ولم تكن عقداً فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنـهما قد رضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالاً: يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك؟ أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع؟ أو أمر تصنعه لنا؟ فقال: "بل أمر أصنعه لكم، فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"، فقال له سعد بن معاذ: "يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، ولا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا (السيف) حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فسُّر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أنتم وذاك) وقال لعيينة والحارث: "انصرفا، فليس لكما عندي إلا السيف"[11].

 

ثالثاً: قد صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوائف وقبائل وبلداناً ومنهم: مخشي بن عمرو الضمري من بني ضمرة بن بكر وكان هذا في غزوة الأبواء. وصالح أيضاً أكيدر بن عبد الملك وهو رجل من كندة بدومة الجندل، وصالح كذلك أهل نجران، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك السبيل وفق الضوابط التي سنقف عليها إن شاء الله[12].

 

المسالمة والمصالحة عند الفقهاء:

إن أصل مادة: (السلام) تأتي من الفعل الماضي الثلاثي (سَلمَ)، والتي من معانيها الاستسلام، والطاعة والخضوع، والصلح وترك الحرب والمنازعة السلم والأمان[13]. والذي يعنينا من هذه المعاني المشتركة في لفظ (سلم)، ما جاء على معنى المصالحة والمسالمة والموادعة: أي ظهور بوادر غياب الحرب أو توقفها - فالجنود لا يزالون في الميدان - والقادة يفاوضون على ترتيبات السلام.

 

على ضوء العرض المختصر لما سبق من الآيات الأربع، ومواقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المصالحة والمهادنة، فإن الفقهاء اختلفوا في جواز الصلح مع الكفار وهم في ذلك على قولين:

 

القول الأول: لا يجوز الصلح أبدا؛ وقالوا نَسَخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار، وإن ما مضى في آية الأنفال إنما كانت أحكاماً أولية، وأما الأحكام النهائية فإنـها نزلت فيما بعد في سورة براءة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يكف عن كل من اعتزله فلم يقاتله سواء كان قد عاهد أو لم يتعاهد معه حتى ذلك الحين، وأنه ظل يقبل السلم مع الكفار وأهل الكتاب حتى نزلت أحكام سورة براءة فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية وقال بـهذا جماعة من السلف.

 

غير أن المحققين من المفسرين والفقهاء ردوا القول بنسخ آية السيف في التوبة لآيات المسالمة والمعاهدة.

 

القول الثاني: أنّ المسالمة مع الأعداء جائزة، بحجة آية الأنفال ((وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))، وما كان في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواقف الصلح والمهادنة. وقال بـهذا جماهير الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة ولكنهم مع قولهم بجواز (السلام) مع الأعداء، وضعوا ضوابط وقيوداً لاستيعاب النصوص الأخرى التي ظاهرها حرمة (السلم)؛ كآية القتال ((فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون))، فقالوا: إنّ الصلح جائز إذا كان المسلمون في ضعف شديد، وحاجة ماسة إلى المصالحة تمكنهم من استعادة قوتـهم، أو يمكنهم الصلح من تحييد العدو المهادن الموادع لمدّة، ولأخذ أهبتهم لنـزال عدو آخر يرى المسلمون حاجة ماسة للبدء بقتاله وفل شوكته. أو أن تكون هناك مصالح أخرى يحددها الإمام أو الأمة عبر مجالسها الشورية. ومن ثم تواضع أهل العلم على تعريف (السلم) اصطلاحاً فقالوا:

 

المسالمة: هي أن يعقد المسلمون أو إمامهم لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة بعوض وبغير عوض وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة ومصالحة.

 

أو هي: مصالحة المسلمين للكافرين على تأخير الجهاد إلى أمدٍ معين لضرورة أو مصلحة[14].

 

أقوال الفقهاء في حكم السلام الدائم:

 

إن السلام والمصالحة من حيث التوقيت بزمان قسمان:

 

الأول: السلام الدائم: ومعناه أن تضع الحرب أوزارها، ويحل الوئام للأبد، وصورته الجائزة شرعاً: ما وقع في فتح بيت المقدس ودمشق زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث يدفع الكفار الجزية ويخضعون لسلطان الإسلام ولا ينالون من المسلمين نيلاً ولا يبغونـهم غائلة. وهذا جائز بنص القرآن في سورة براءة: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)) [التوبة: 29]. والشرط في ديمومة هذا الصلح بقاؤهم على ما شارطوا عليه، ودفع الجزية والنصح للمسلمين، وعدم القيام بفتنة أحد من المسلمين عن دينه والإفساح لدعوة الإسلام بالذيوع والانتشار.

 

أما صورة السلام الأبدي المحرم شرعاً: فهو على نوعين:

 

أ - أن يقاتل المسلمون الكفار، ويطلبونـهم في ديارهم، ثم يلتمس الكفار من المسلمين سلاماً دائماً، على أن يبقى الكفار في ديارهم على كفرهم بالله، ويرجع المسلمون إلى أرضهم دون أن يلزم الكفار بالجزية؛ فهذه مصالحة باطلة، وموادعة في الشرع ساقطة، وذلك لأربعة أمور:

 

1 - تعطيل فريضة الجهاد في سبيل الله، وهو ذروة سنام الديانة الماضية إلى يوم القيامة.

 

2 - تعطيل فريضة الدعوة التي أوجبها الله - تعالى - على المسلمين.

 

3 - فيه مخالفة صريحة لما أمر الله - تعالى - به من مقاتلة الكافرين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية صاغرين.

 

4 - فيه إقرار الكفار على سلطانـهم في الأرض، وإنما السلطان كله لله، كما قال - سبحانه -: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير)) [الأنفال: 39].

 

قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله -: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل نزول براءة وآية الجزية كان الكفار والمشركون وأهل الكتاب تارة يقاتلهم وتارة يعاهدهم فلا يقاتلوهم ولا يسلمون. فلما أنزل الله براءة وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. صار حينئذ مأموراً بأن يدعو الناس إلى قتال من لا بد من قتالهم أو إسلامهم، وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، لم يكن حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب كما عاهد أهل الحديبية"[15].

 

ب - أن يستولي الكفار على بعض ديار المسلمين، فيقتلون ويسلبون، ويجعلون الدار دار كفر بعد أن كانت دار إسلام، فهذه الصورة أشد حرمة من سابقتها وهي التي انطبقت على النصارى قديماً حين استولوا على فلسطين وبعض بلاد الشام، وحديثاً يتنـزل على ما أقدمت عليه عصابات اليهود في عصرنا من الاستيلاء على فلسطين وأجزاء من بلاد الشام وما ينادون به من هجرة كل يهودي محتال من شذاذ الآفاق الذين ضاق العالم بـهم، فقذفهم على شواطئ بلاد الشام كما يقذف البحر زبده الذي يذهب جفاء. فهذه الصورة واضحة البطلان؛ لما ذكر في الصورة الأولى من الأسباب وأيضاً لما في ذلك من الإقرار على ولاية الكفار وهو محرم إجماعاً. ولذلك حرم الشرع زواج المسلمة من الكافر، لما للزوج على زوجته من ولاية، وكذلك حرم تملك الكافر للرقيق المسلم، بل نزع من الكافر ولايته تزويج قريبته المسلمة، فكيف يتصور صحة عقد صلح يؤدي إلى دخول المسلمين تحت ولاية الكفار المطلقة؟

 

القسم الثاني: السلام المؤقت: وهو على نوعين:

1 - أن تقع معاهدة السلام محدودة بمدة معينة، نحو عشر سنين مثلاً كما كان في صلح الحديبية، وهذا جائز عند جماهير العلماء مع اختلافهم في أقصى مدة يمكن أن تكون عليها المعاهدة، وستأتي المسألة في الضوابط إن شاء الله.

2 - صلح مؤقت مطلق أي لا تحدد له مدة معلومة بل يقال فيه إن شئنا نقضنا هذا الصلح بعد يوم أو بعد عام أو بعد ذلك، أو أن يقال في عقد الصلح متى شاء أي من الفريقين نقض الصلح على أن يعلم الآخر وينبذ إليه ولا يغدر به، وقد سمى بعض الفقهاء هذا النوع: بالصلح المطلق وممن سماه بذلك العلامة ابن القيم - رحمه الله -، وقد رد على من ظن هذا صلحاً مؤبداً فقال: (وأصحاب هذا القول كأنـهم ظنوا أنـها إذا كانت -أي الهدنة- مطلقة تكون لازمة مؤبدة كالذمة فلا تجوز بالاتفاق)[16]، وهذا النوع من الصلح لأهل العلم فيه قولان:

 

- منهم من منعه وهم الجمهور.

 

- ومنهم من أجازه وهو ما رجحه ابن القيم في أحكام أهل الذمة مع اتفاقهم جميعاً على عدم صحة الصلح الدائم المؤبد وأنه باطل إلا إذا دخل الكفار به في حكم المسلمين وذمتهم، قال ابن القيم: (والقول الثاني وهو الصواب أنه يجوز عقدها مطلقة وإذا كانت لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد بل متى شاء نقضها.. فإنه إذا عقد عقداً إلى مدة طويلة فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة)[17]...

 

----------------------------------------

[1] - فتح الباري: 5/329.

[2] - هو مكرز الذي قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية - وقد جاء يفاوض النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هذا مكرز وهو رجل فاجر) [زاد المعاد 3/294].

[3] - كناية عن سلامة صدورهم وكفّ أيديهم.

[4] - أي لا سرقة ولا خيانة.

[5] - صحيح مسلم، كتاب الجهاد، رقم 93.

[6] - ابن هشام 3/322.

[7] - سيرة ابن هشام: 3/322.

[8] - صحيح البخاري الفتح 5/332.

[9] - السابق.

[10] - البيهقي السنن الكبرى وانظر صحيح السيرة الكبرى 9/227 وانظر صحيح السيرة النبوية أكرم ضياء العمري 2/450-451.

[11] - رواه البزّار بإسناد حسن من حديث أبي هريرة، وساقه الطبراني أيضاً بإسناد حسن، فيه محمد بن عمرو الليثي صدوق له أوهام، ومدار الروايتين عليه.. انظر كشف الأستار 1/332، والإصابة 2/36 وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/430 انظر سيرة بن هشام 3/177.

[12] - انظر تفسير القرطبي: 8/42.

[13] - لسان العرب مادة "سلم".

[14] - انظر المغني لابن قدامة 10/509 وتفسير القرطبي 8/41.

[15] - منهاج السنة النبوية: 8/115 - 512.

[16] - أحكام أهل الذمة: 2/77.

[17] - المصدر السابق 2/477. وانظر: رسائل العاملين، جاسم الياسين 2/1067-1071.

 


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.075 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع