بسم الله الرحمن الرحيم
تحليل الحرام كتحريم الحلال لا يصدران إلا عن عقلية واحدة تسبح عكس التيار، تخالف الشرائع، وتصادم الحياة. (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب)، (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)؟!
ويقرأ الفقيه ابن تيمية أثر هذا التفكير في واقع الناس مما يبين حجم المعاناة فبقول: "لقد تأملت غالب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته شيئين:
- إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل، فلم تزدهم الحيل إلا بلاءً...
- وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل... " [الفتاوى، 29/45-46]، وهو المنهج الذي يسير عليه هذا الفقيه والفقهاء كأبي إسحاق الشاطبي، والعز بن عبد السلام، والمقري، والقرافي، ولهم في ذلك من القول النفيس مما لا تحتمله هذه المقولة.
إن هذه العقلية تعيش في أزمة مع المعرفة ومع الذات ومع الغير...
أما مع المعرفة؛ فإن يسر الشريعة وخالديتها وخاتميتها تتأبى على هذه العقلية الممانعة والتي تلجأ أمام هذا التأبي إلى تأويل نصوصها أو تقييدها بمصلحة موهومة أو بقيد الأولى أو الأحوط أو لا ينبغي أو سد الذريعة أو...؛ على أن هذه القيود يمكن نسفها عند الحاجة أعني: حاجة الفاعل أو المفعول له لا لحاجة المفعول به.
فهي عقلية مقلدة جامدة لا تسيل إلا في الأفران الشخصية فردية أو جماعية- أو في الأفران السياسية.
أما حينما تمارس (الممانعة) فهي تعلم فيما لم يغب عن شعورها بأنها سوف تستجيب بعد حين من الدهر، وأن العامل مجرد زمن وفارق توقيت، ويمكن وصف هذه الحالة بالمعاندة الفقهية وهي حالة مصاحبة للفقه من عصر التدوين إلى عصر العولمة والتي ربما حققت للفقيه كسباً لكنها حتماً حققت للفقه تراجعاً وضعفاً.
ولعل أصعب ما تواجهه تلك العقليات ما يهاجمها في كهنوتها من قذائف المعلوماتية التي منحت المتلقي والمملي، والتلميذ والأستاذ المعرفةَ على حد سواء، فلم تعد قادرة على الممانعة فلجأت إلى ممارسات سلطوية أخرى ليست بأقل تفاهة من الأولى.
وأما مع الذات؛ فقد انقسمت تلك العقلية إلى شخصيات وتعددت في نماذج محاولة السيطرة وبسط النفوذ على مجتمع أتيحت له الفرصة أن يتعرف على الحقيقة ويشرب من النهر، ولعل هذا من أبسط عقوبات هذا النموذج.
وهذه النفسية المريضة والشخصية المزدوجة تلقي بآصارها وأغلالها على المجتمع المجلود، كما مرّ في تشخيص الفقيه ابن تيمية، وأخطر ما تكون حين تلبس ثوب الورع وترتدي زي الفقيه لتبرز تفيقهها بضوابط وشروط يمتنع معها وجود الفعل أصلاً، لا... بل ولا التفكير به.
ومن هنا نشأة إشكالية هذه العقلية مع الغير الذي لم يجد انسجاماً ولا استفادة منها لا سيما وهي تنعته بالغفلة "فالناس في غفلة، ولا يبالون بالأحكام، ويتتبعون الرخص، ولا يرجعون إلى علمائهم، ولا.. ولا... ".
ولم يجد بدًّا هذا الغير- من أن يعلن استقلاله ويمارس حياته، وخيراً صنع فهكذا الأحياء.
فالعالم اليوم عالم التفكير والتفكير السريع، ومنها تتأكد رسالة أهل الفكر ليستبدلوا التسلط بالحوار، والعقم بالإنجاب، والموت بالحياة، وأما الأموات فنسأل الله أن لا يحرمنا أجرهم ولا يفتننا بعدهم.