بسم الله الرحمن الرحيم
عندما يغيب تحرير المصطلحات من ناحية، وتختفي الرؤية المقاصدية الشمولية للقضايا من ناحية ثانية، ينتج عن الحوار في حرية التعبير من الفوضى الفكرية والعملية أكثر مما ينتج من الفهم الموضوعي للمسألة. وهو أمرٌ بات يتكرر عند الحوار في جملة من المسائل الحساسة الأخرى التي أصبحت اليوم مجالاً للحوار في الساحة الثقافية العربية / الإسلامية. من هنا كان لابد عند الحديث عن مسألة حرية التعبير من تحرير مجموعة أمور، ينبغي أن تُفتح فيها الحوارات المنهجية من قبل أهل الاختصاص والعلم، ويأتي طرحها هنا فقط على شكل إشارات سريعة يفهمها أولو الألباب وتقضيها الفسحة المتوفرة في هذا المقام.
1 ـ إن من الضرورة بمكان أولاً تحرير وتحديد طبيعة وماهيّة «المقدسات» و «الثوابت» التي يجرى الحديث عن «عدم احترامها».. والتي يبدو أن دوائرها ما برحت تتسعُ وتكبر بشكل غير معقول.. إلى درجة تم فيها تقزيم تلك المقدسات وتقزيم الإسلام كلّه من ورائها، بحيث صار يهددها ويهددهُ بالخطر كلماتٌ في رواية، أو سورٌ في مقالة، أو صفحاتٌ في. كتاب، أو مقاطع في أغنية..
وكذلك أصبحت آراء بعض العلماء وفتاويهم.. سواء كانوا معاصرين أو من السلف ضمن دائرة المقدسات تلك التي لا يجوز مناقشتها والحوار فيها، فضلاً عن تفنيدها والرد عليها وإظهار عيوبها ومثالبها.. وصار كل حديث في ذلك ـ عند البعض ـ تعرضًا للعلماء وإساءة لهم، وانتقاصًا ـ بالتالي ـ من الدين ومن مقدساته وثوابته..
ومن الغريب أن الكثيرين ممن يتصدون لمثل هذه المعارك يغفلون أو يتغافلون عن حقيقة في غاية الأهمية\ ويمكن أن تحسم كثيرًا من الجدل، حتى في مسائل أكبر من بعض المسائل التي يجري تسليط الأضواء عليها. ففي مسألة مثل مسألة التعرض إلى الذات الإلهية وإنكار وجودها ابتداءً، نجد أن القرآن الكريم أورد وحفظ ما يصعب حصره من دعاوى غير المسلمين وآرائهم ومقولاتهم واتهاماتهم أيًا كانوا في هذا الباب، من فرعون إلى أهل قريش، مرورًا بالمعاندين والرافضين من سائر الملل والجماعات البشرية والأقوام على مر التاريخ. بل إن القرآن تجاوز هذا ـ كما يذكر الدكتور المقريء الإدريسي وهو المتخصص في الدراسات الألسنية ـ إلى إضفاء مسحته الجمالية البلاغية على تلك الاتهامات والآراء التي ضمن لها الخلود من خلال إيرادها وذكرها في ثنايا سوره العديدة.
وفي الواقع العملي نجد أن المسلمين لم يُصابوا يومًا بذلك التشنج والرعب والفزع الذي يصيب البعض اليوم من مجرد ذكر هذه القضايا. ويسري هذا بالدرجة نفسها على كل ما دون ذلك من المسائل والقضايا التي تتعلق بالرسول المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وبتعاليم الإسلام بشكل عام.
والشاهد أن الفوضى الفكرية التي تغلف حياتنا المعاصرة باتت تسمح لكل من هبّ ودبّ بتحديد ما هي تلك المقدسات والثوابت التي يجب احترامها ولا يجوز أن تطولها حرية التعبير. بعيدًا عن الرؤية المؤسساتية التخصصية التي يجب أن تضع هذه القضايا في نصابها الصحيح.
2 ـ إن من الواجب أيضًا تحرير المُراد و «القصد» من ممارسة أسلوب المنع والمصادرة.. ورؤية ما إذا كان هذا الأسلوب يؤدي حقًا إلى تحقيق ذلك القصد خاصة إذا انطلقنا من رؤية منهجية شمولية للأمور ترفض منهج التبسيط والاختزال.
فأغلب الظن أن الهدف (العملي) الأساسي من هذا النوع من ردود الأفعال (التشهير والمنع والمصادرة والتكفير..) يتمثل في (الردع) بشكلٍ من الأشكال (لكي لا يهون أمر الدين ودوره في الحياة). ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن حقيقة، ومن خلال قراءة أكثر شمولية وعمقًا للدين وللواقع هو التالي: هل هذا الأسلوب يؤدي حقًا إلى صيانة دور الدين؟ وما دور الدين ابتداءً؟ أليس هو حماية كرامة الإنسان وتأكيد معاني الحق والعدل والحرية والمساواة؟ أليس هو محاربة الجهل والفقر والمرض والظلم والاستغلال والفساد؟ وبالتالي، ألا يمكن أن تكون مثل تلك الممارسات التي تقتصر على ملاحقة كاتب هنا لكلمات كتبها، والتشهير بمطربٍ هناك من أجل كلمات قالها، مجرد إبرٍ لتخدير النفس والآخرين، ولإقناع النفس والآخرين بأن البعض يؤدي المهمة من خلال اختبار هذه المواقع السهلة والأهداف السهلة.. بل ويتضاعف شعور ذلك البعض بالرضا من خلال الضجيج والصخب الإعلامي الذي يرافق هذه الأحداث..
وكأن تلك الكلمات التي كُتبت أو قيلت هي السبب وراء غياب كل معاني وقيم الكرامة والحق والعدل والحرية والمساواة من حياة الأمة.. وكأن التشهير بهؤلاء «الأشرار» وملاحقتهم هي الكفيلة بأن ترفع عنّا واقع الذل والتخلف والجهل والفقر والمرض والتبعية!! وهو واقع يمثل أقصى صور الاستهزاء والتحقير الحقيقي لكسل المقدّسات الأصيلة في الإسلام.
والمراد أن عملية الردع المقصودة لا تُحقق في مثل هذه القضايا هدفها المتمثل في صيانة الدين وحفظ دوره في الحياة لأنها تُمارس في مجالات هي في غاية الجزئية والفرعية بينما يتم التعتيم على كثير من المجالات والمواقع التي هي أصل البلاء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي في بلاد الإسلام.
3 ـ إن من المطلوب أيضًا تحرير كيفية التعامل مع من نعتقد أنه يمسّ المقدسات.. خاصة حين يكون هذا المسّ بالرأي والكلام.. تحريرًا شرعيًا مقاصديًا علميًا بعيدًا عن الاستعجال والاختزال المنبثق من حرارة العواطف لا من قواعد الشرع والعقل والمنطق..
فنحن نعرف على سبيل المثال أن النصيحة، وأحيانًا كثيرة «النصيحة بالسر»، أصبحت شعارًا يُرفع في كثير من المواقع، بدعوى أنها تمثلُ المنهج الأكثر اعتدالاً وموضوعية وواقعية للتعامل مع بعض مظاهر الأزمات الكبرى في حياة الأمة.. وهي مظاهر عملية وفي كثير من الأحيان مؤسساتية صيغت لها القوانين والتشريعات.. ويمتد تأثيرها العميق في الواقع بشكل يهدم الدين ودوره أكثر بكثير مما تفعله بعض الكلمات هنا وهناك..
أفلا يمكن قياسًا إذًا ـ والحال ذاك ـ أن تكون النصيحة ويكون الحوار والنقاش والجدال بالتي هي أحسن نصيب من نعتقد أنه يمسّ المقدسات نظريًا بكلامه وقصصه وأغانيه.. أم أنه مرة أخرى اختيار الموقع الأسهل لادعاء القيام بالمهمة..
واستباقًا لمن ينطلق في قراءته من منهج المتقابلات والأضداد، ينبغي التأكيد بأن هذا الكلام لا يحمل دعوة إلى الحرية الفوضوية الكاملة، وهي حرية لا وجود لها في أي بقعة من العالم.. وإنما هي دعوة المنهجية تحرر المصطلحات وتحدد الأولويات وتضع نصب عينها مقاصد الدين الأصيلة. حتى إذا ما تم ذلك التحرير والتحديد صار ممكنًا التعامل بموضوعية وتوازن مع القضايا الجزئية، التي يجري إيهام الأمة اليوم بأنها كليات الدين وثوابته، بشكل يضع الأمور في نصابها الصحيح.
وإلى أن يأتي يومٌ تصبح فيه أولويتنا متمثلةٌ في صيانة قيمنا ومبادئنا على أنها «المقدسات» الحقيقية التي يجب أن تكون مناط جهد الإنسان وجهاده أيًا كان، فإننا سنظل نحارب من أجل القشور والمظاهر، ونغفل عن الأهداف والمقاصد الحقيقية التي تمثل جوهر هذا الدين العظيم.