بسم الله الرحمن الرحيم
في عصرنا الأخير، لحق بمفاهيم الجهاد وممارساته العديد من التشوهات والآفات وهي ناتجة قطعاً عن عدم إحاطة دقيقة بمقاصد الشريعة بعامة، والمقصد من الجهاد بخاصة، وقد تولد عن ذلك أنواع من الخلط في التأصيل العلمي والخبط في التطبيق العملي في كثير من الأحيان. وسنتجاوز الحديث عن الأخطاء، بل الخطايا التي صاحبت ما اعتبرته الاتجاهات غير الإسلامية في عملها جهاداً، حيث لم تأخذ تلك من الجهاد الإسلامي غير الاسم، بل أحياناً ما ضاقت ذرعاً بهذا الاسم واعتاضت عنه بتعبيرات أخرى مائعة مثل: النضال، الكفاح، العمل الثوري، العمل الوطني... الخ. ولكننا نقصد هنا ما شاب التطبيق الإسلامي في عهودنا الأخيرة للجهاد والقتال في سبيل الله.
ومن المقرر ابتداء في هذا الشأن، أن الجهاد لكي يكون ذروة سنام الإسلام فلابد أن يتحقق شرطه المقترن به دائماً، وهو أن يكون (في سبيل الله) ومن أجل مرضاته - سبحانه - وحده، ولإعلاء كلمته لا كلمة سواه من الزعامات والرياسات والجماعات واللافتات. وهذا لن يتم إلا إذا كان الجهاد مسبوقاً بجهد عظيم لدفع غائلة الشيطان وسطوة الهوى وحظوظ النفس. فالإنسان قد ينزل ميدان الجهاد فعلاً، حاملاً سلاحه على كتفه، وروحه على كفه، وقد يقتل أو يُقتل، ولكنه ربما رجع بمغفرة وقبول، أو بندامة وحسرة وذلك على حسب النية التي خرج بها، والراية التي قاتل تحتها، والوجهة التي سلكها في جهاده.
نعم... إن الجهاد ليس مجرد حمل سيف أو سلاح للضرب به ذات اليمين وذات الشمال تحت أي راية أو لأي غاية.
إنه ليس إراقة دم دون علم، أو إصابة هدف لغير هدف.
إن الجهاد ليس اغتراراً بسويعات من العمر في الميدان، يجازف المرء بضياعها، بل بضياع العمر كله عندما يتعالى على الناس بجهاد لا يضمن قبوله، ويتألى على الله بإهدار مجهودات العاملين والمجتهدين فيما يرضي الله في ميادين أخرى... أو عندما تتحول نيته من جهاد في سبيل نصرة الدين، إلى مَنٍّ من أجل نصرة الحزب أو الجماعة أو الفكر.
إن الجهاد بمفهومه الحقيقي الكامل الشامل، لا نستطيع تصوره إلا من خلال تطبيق الرسول - صلى الله عليه و سلم - له، فقد ارتفع به إلى ذروة سنام القبول حتى قال الله له ((ورفعنا لك ذكرك))، وعلمه لأصحابه حتى نالوا به الرضوان وتشرفوا بثناء القرآن.. ((لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)) [التوبة/ 88].
فما هو هذا الهدي النبوي في الجهاد حتى نهديه لأنفسنا ونهدي به أجيالنا...؟! فلنستمع إلى ابن القيم - رحمه الله - وهو يحدد لنا المفهوم الحقيقي للجهاد.... يقول: "الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. فجهاد النفس أربع مراتب:
إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاته علمه، شقيت في الدارين.
الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات.
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:
إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعده الصبر، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب واللسان والمال والنفس. وجهاد الكفار أخص بالسيف، وجهاد المنافقين أخص باللسان.
وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات، فثلاث مراتب: الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه، فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد، و "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" [1].
إن المرء بتحقيق هذه المراتب يكون مجاهداً في سبيل الله ومهاجراً إلى الله، وبهذا يرجو رحمة الله. قال - سبحانه -: ((إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم)) [البقرة/218].
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - محققاً لتلك المراتب كلها بلا أدنى ريب ولهذا فإن لاستخلاص الدروس الجهادية من سيرته - صلى الله عليه و سلم - أهمية عظمى لتقويم مالحق بمفاهيم الجهاد من انحراف أو عوج. يقول ابن القيم - رحمه الله -:
"أكمل الخلق عند الله، من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمَّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده" [2]
وحق علينا من أجل ذلك أن نصحح مسيرتنا من خلال سيرته - عليه الصلاة و السلام - في الجهاد، فإنها بمثابة البيان والإيضاح لما هدى إليه القرآن في هذا الأمر الكبير. وسوف نرى أن جهاده كان تحقيقاً لكل المراتب السابق ذكرها، حتى لكأنه - صلى الله عليه و سلم - كان يقود الخير بكل مفرداته ومعانيه ضد الشر بكل أدواته ومعاونيه.
سنقف إن شاء الله من خلال تلك الدراسة، عدة وقفات مع جهاد الرسول صلى - صلى الله عليه و سلم - ومن هذه الوقفات:
1 الإخلاص والتقوى في الجهاد.
2 موقف الجهاد من الدعوة.
3 أثر التربية في الجهاد.
4 أهمية العلم الشرعي في الجهاد.
5 وضوح الراية.
6 تحرير الولاء.
7 السمع والطاعة.
8 الشورى.
9 وحدة الصف وتميزه.
10 الثبات والحذر.
11 الإعداد.
12 عالمية الجهاد.
13 أخلاقيات الجهاد
أولاً الإخلاص والتقوى في الجهاد:
علم النبي - صلى الله عليه و سلم - أصحابه أن الإخلاص شرط في كل عمل، وكان يقول لهم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" [3].
وكان يعطيهم الأسوة من نفسه في صدق اللجوء إلى الله - تعالى - وقت النزال، وعندما غزا غزوته الأولى في بدر، لم يكن يرى في المسلمين على الكافرين قوة إلا بالله، ففي حين كان المشركون يمتلكون العدد والعدة، كان هو وأصحابه ينتظرون من الله المعونة والمدد في إخبات وإخلاص وتجرد لله الواحد القهار، يحكي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذا الموقف ويقول: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إلى المشركين وعدتهم، ونظر إلى أصحابه نيفاً على ثلاثمائة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من ورائه ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأمي مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك" فأنزل الله: ((إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)) الأنفال/ 9] [4]
إن هذه المفاجأة كانت تعبيراً عن توكل تام، ناشئ عن إخلاص كامل لله - تعالى -، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يجدد بها العهد والنية كلما خرج إلى غزاة أو سار إلى قتال. يقول أنس بن مالك - رضي الله عنه -: »كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول ولك أصول وبك أقاتل" [5]. وكان يقول يوم الأحزاب: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب وزلزلهم« [6]، وفي يوم أحد فوض الأمر إلى الله لحماية عباده المخلصين وقال: "اللهم إنك إن تشأ، لا تعبد في الأرض" [7]
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يرغب أصحابه في إخلاص النية فيقول لهم: "تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي فهو ضامن عليّ أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كَلْم يُكلَمُ في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك"[8]
وكان يرهبهم أيضاً ويخوفهم من فساد النية في الخروج، ويحذرهم من أن الجهاد الذي تنال به أعلى الدرجات، يمكن أن ينحط به المرء في أسفل الدركات إذا فسدت نيته، فأخبرهم خبر أول من تسعر به نار الجحيم يوم القيامة بسبب عدم الإخلاص، ومنهم رجل خرج للقتال فقاتل حتى قتل، فأتي به "فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك" [9] وقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يرقب سير أصحابه في الجهاد، ويرمق بعينيه سلوكهم فيه ليقوِّم ما قد يطرأ من اعوجاج أو انحراف في فهم طبيعة الجهاد في سبيل الله، وقد وقع بصره على شيء من ذلك عندما لاحظ من بعض أصحابه أنهم يزنون مقادير الجهاد بما يظهر من حسن البلاء في النيل من الأعداء، مما دفعهم إلى تزكية رجل ظهرت منه الشجاعة على صورتها المثلى، ولما كانت الشجاعة ليست ميزاناً وحيداً في قياس الرجال، فاجأهم الرسول - صلى الله عليه و سلم - بأن أخبرهم عن إخبار الله له أن هذا الرجل من أهل النار، قال سهل بن سعد الساعدي: "نظر النبي - صلى الله عليه و سلم - إلى رجل يقاتل المشركين وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه" [10]. أي أن الرجل قتل نفسه.
إن تقوى الله والإخلاص له هي أبرز سمات جهاد النبي - صلى الله عليه و سلم -، فقد كان يجاهد للإصلاح في الأرض، لا للإفساد فيها ولهذا كان يحض أصحابه المجاهدين دائماً على التقوى والإخلاص في الجهاد كما قال بريدة - رضي الله عنه - – "كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ثم يقول: »اغزوا باسم الله " [11] وكان يلقي على أسماعهم مفهوم الإخلاص المجرد في الجهاد، غير ملتبس ولا مشوش ويقول: "من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو ينصر عصبية فقتل فقِتلة جاهلية" [12].
_________________
[1] أخرجه مسلم في صحيحه ك (الإمارة / 33) ب (ذم من مات ولم يغز / 47) (1910) (3/1517). وانظر زاد المعاد (3/10، 11 باختصار.
[2] زاد المعاد 3/ 12.
[3] أخرجه البخاري انظر فتح الباري (1/16).
[4] مسلم (3/ 1383).
[5] صحيح سنن أبي داود للألباني (2/ 499).
[6] مسلم (3/ 1363)
[7] مسلم ح 23 (2/ 1336).
[8] مسلم (3/1495).
[9].صحيح الترمذي للألباني (2/281).
[10] البخاري انظر الفتح (11/338).
[11] مسلم (3/1476)
[12] نفسه.