بسم الله الرحمن الرحيم
الفكرة والموقف الفكري محصلة لمجموعة من العوامل التي تتقاطع داخل وعي الإنسان وشعوره لكي تشكل في النهاية الصورة النهائية التي يقرؤها القارئ أو يسمعها السامع من صاحبها، ومن هذه المؤثرات الخبرة العلمية للمفكر أو الباحث، وهي ثمرة جهده في التحصيل والتعلم والملاحظة والمدارسة والحوارات وقدر الذكاء والألمعية، وهي كلها تتكامل وتتفاعل لكي توسع آفاق الرؤية أمامه على الدوام وتنميها، وهناك من المؤثرات الواقع المحيط بالإنسان وما يستجد فيه والتوازنات التي تشكله وهي كلها متغيرات، ومعها يتغير الموقف الفكري بدرجة أو بأخرى، كاستجابة للتغيرات الحادثة في الواقع الذي تولد فيه الأفكار، وهناك التغيرات التي تقع في موضوع الفكرة ذاتها؛ فقد يكون هناك ـ على سبيل المثال ـ كاتب أو باحث أو أديب له موقف فكري فاسد أو منحرف، ولكنه فيما بعد تقع له تغيرات فكرية وشعورية بدرجة أو أخرى، وبالتالي يكون موقف الآخرين الفكري منه متغيرًا بنسبة هذا التغير الحادث في الشخص موضوع الفكرة، من المؤثرات أيضًا التجارب التي يشهدها المفكر أو الداعية أو العالم سواء التجارب الشخصية أو التجارب العامة التي تمر بها الأمة، لأن توالي نتائج متشابهة على مقدمات معينة يجعل صاحب الموقف الفكري مطالبًا بوضع ذلك في اعتباره مستقبلاً وهو يطرح رؤاه لمثل هذه الأحوال حتى لو اضطره الأمر للرجوع عما كان يراه قبل ذلك من رأي وتقدير، هذه الإشارات مهمة للغاية لنا نحن الإسلاميين ونحن نخوض في غمار معارك فكرية متعددة، وعلى أكثر من صعيد، ووسط توترات فكرية ونفسية لا تخطئها عين ولا عقل، وهي توترات لها ما يبررها بالفعل، لأن العالم حولنا يتطور بسرعة كبيرة، والمخاطر على وجودنا ذاته تتعاظم وتتفاقم بشكل يومي، وما انكشف لنا في عالم اليوم من حقائق لم نكن نتخيل أن نصل إليه قبل خمسين عاما أو أكثر، فإذا به فجأة شاخص أمام أعيننا وعلينا أن نفكر فيه، وأن نتخذ مواقف وبسرعة للاستجابة للتحديات التي يفرضها الموقف علينا، ووسط هذه التوترات والواقع الذي يتشكل كل يوم بصورة جديدة، من الطبيعي أن تكثر الاجتهادات وتتعدد، وأن يتغير الموقف الفكري تجاهها بين الأمس واليوم، وربما الغد أيضًا، ولا يعني ذلك أن التغير في الموقف الفكري كله محمود أو سديد؛ فقد يكون معه الخطأ أو التعجل أو سوء التقدير، وكل ذلك لازم للفكرة من أساسها ومبتداها، فضلاً عن التغير الذي يطرأ عليها فيما بعد، وإنما القصد أن هذا التغير في الفكرة أو الموقف الفكري من المفكر أو الداعية أو العالم لا يعني بالضرورة أن ثمة اضطرابًا في منهجه أو خللاً في ميزانه الشرعي فضلاً عما يمس النزاهة الشخصية والأمانة العلمية، وإنما لا بد من أن نتفهم طبيعة الفكرة والموقف الفكري، وكيف يتشكل وما هي المؤثرات التي توجه فكر المفكر أو اختياراته، لأن الموقف الفكري ـ كما قدمنا ـ حالة مركبة، والحقيقة أن معظم المشكلات تأتي من الروح المثالية التي يعيش عليها قطاع كبير من الشباب الإسلامي، ونزعته العاطفية لرؤية كل شيء في صورة مطلقة ثابتة، كنص الوحي، بعيدًا عن محددات الواقع وتحدياته، ولذلك يسهل كثيرًا على هذا القطاع من الشباب المخلص أن يعترض أو يرفض أو يعارض أو ينتقد، ولكن يكون من الصعب جدًّا عليه أن يطرح البدائل، أو يقدم استجابات منطقية لظروف واقعه الجديد، وأنا لا أقصد العنت في ذلك أو الإحراج؛ بل إنني على قناعة من أن المعارضة أو النقد في حد ذاته مطلب شرعي حتى لو لم تكن تملك البديل، فكلاهما مطلب منفصل عن الآخر، ولكن الشاهد من الكلام، أن النقد غالبًا يكون واضحًا بأسبابه ومبرراته، وبالتالي سهل على صاحبه؛ لأنك تقيسه على ثابت لديك أو أصل محدد، وأما البناء أو طرح الحلول أو المواقف الجديدة التي تتحمل مسؤولية أجيال أو أمم؛ فإن الهم فيها يكون أعظم، والحاجة لسعة أفق وتقدير مآلات الأمور يكون من صميم بناء الموقف الفكري الجديد، وبالتالي فإن القبول بالفكرة الجديدة مع احتمال نسبة معقولة من الخطأ فيها يكون مطلوبًا، والعذر لصاحبها يكون ضروريًّا، حتى لا تتشكل في الحالة الإسلامية روح الخوف من المبادرة والتجديد، في وقت نحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه المبادرات والروح التجديدية والخلاقة، وفي الأمثال العامية يقولون: "الذي على البر شاطر " أي أن من يقف خارج بحر التحدي وغماره عادة يتكلم بمنطق الحكماء ومن يفهمون حقائق الأمور حتى لو لم يكن يملك من ذلك شيئًا، وذلك أنه لم يخض الغمار بنفسه ليعيش تحدياته ومخاطره ويتحمل مسؤولية الموقف والقرار ويدفع ضريبة ذلك من نفسه أو عرضه أو ماله، ولو خاضها فعلاً لتغيرت نظرته أو على الأقل أصبح أقل مغالاة في نقده وتثريبه، وليس من شك في أننا بحاجة ماسة إلى جهد تربوي كبير في هذا المجال، لإعادة التوازن النفسي والفكري للجيل الجديد من الشباب الإسلامي بشكل خاص، حتى لا يسيء الظن بنفسه ورسالته والعلماء والدعاة وأصحاب الفكر.
إنني أندهش من الجهد الكبير الذي يقوم به بعض أهل العلم والدعاة لتقديم دروس متخصصة في علوم الحديث أو الأصول أو نحوها، رغم أن متلقيها لن يؤهل نفسه كقيادة علمية؛ بل الأمر ليس أكثر من ثقافة تحميه أو تزيد من وعيه، في حين لا نبذل الجهد نفسه في بناء قواعد تربوية مهمة تحتاج منا إلى جهد كبير وصبور، يشكل القاعدة الصلبة للشخصية المسلمة المتوازنة والقادرة على استيعاب حركة الحياة وتعقيداتها والتي تتحرك في الحياة وفق إحساس بالمسؤولية، تلك المسؤولية التي تجعل من الممكن لذمة أمة المسلمين جميعًا أن تتعلق بذمة أو عهد يعطيه رجل واحد " ويسعى بذمتهم أدناهم "، ومن يتأمل في سنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وهديه مع أصحابه؛ يجد أن المساحة الأوسع في جهده كان في بناء هذه الشخصية وتربيتها الأخلاقية والوجدانية، وفي القلب من هذه التربية كان حرصه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على تنمية روح المبادرة في نفوسهم، حتى ولو وقع الخطأ بل هو يضمن أجرًا حتى لو أخطأ، وهذا من أعظم صور الحض على المبادرة والاجتهاد؛ لأن هذه الروح هي التي تفتح آفاق المستقبل، وهي التي تحرك مسيرة الأمة نحو السبق والمجد والشهود الحضاري.