 |
|
 |
|
المؤسس و المشرف :
سعد بن زيد آل محمود |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أركان الولاء والبراء في الإسلام
|
|
|
|
|
|
ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
 ما هي هذه الخدمة؟؟
|
بسم الله الرحمن الرحيم
1- النهي عن تولي الكافرين:
قال الله - تعالى -: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [1].
قال الطبري - رحمه الله -: (ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك فقد برىء من الله وبرىء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر)[2].
وقال الله - تعالى -:{بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً}[3].
وقال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً}[4].
قال الطبري - رحمه الله -: (يقول لهم جل ثناؤه يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا توالوا الكفار فتوازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين فتكونوا كمن أوجب له النار من المنافقين)[5].
وقال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون}[6].
قال الطبري - رحمه الله -:{يعني - تعالى - ذكره بقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين{فإنه منهم}، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه)[7].
وقال ابن حجر العسقلاني في شرح حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -:(إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم)[8].
قال ابن حجر - رحمه الله -: ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة، لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إن لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم)[9].
ولذلك أوجب الله - سبحانه - لهم الخلود في النار، قال - تعالى -:{ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون}[10].
وقال الله - تعالى -:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}[11].
قال ابن كثير - رحمه الله -: وروي الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية، وقد ثبت في الصحيح [12] عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)[13].
أ- الفرق بين الموالاة والتقية:
فرقت الشريعة بين موالاة الكافرين المنهي عنها وبين اتقاء شرهم، قال الله - تعالى -: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير}[14].
قال ابن كثير - رحمه الله -:وقوله - تعالى - {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري: عن أبي الدرداء أنه قال: " إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم "، وقال الثوري قال ابن عباس: " ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان"[15]، والكَشْرُ: بدو الأسنان عند التبسم[16].
وقال - رحمه الله - في تفسير قوله - تعالى -:{وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيت في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين}: (وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين، أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال - تعالى-: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة}[17].
وقال القرطبي - رحمه الله -: قال معاذ بن جبل ومجاهد: " كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم "، قال ابن عباس: " هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً "، قال الحسن: " التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل "، وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك)[18].
وقال الطبري - رحمه الله -: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل[19].
ويؤيد هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما تكلم عمن أكرهه التتار على الخروج في جيشهم، فقال - رحمه الله -: (وإذا كان الجهاد واجباً وإن قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا.
بل قد أمر النبى المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه، وليس له أن يقاتل وإن قتل، كما في صحيح مسلم عن أبى بكرة قال: قال رسول الله: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه)، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض، قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت)، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني، قال: (يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار).
ففي هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذي يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره، ثم بين أن المكره إذا قتل ظلماً كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال - تعالى - في قصة ابني آدم.
والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلوماً، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس له حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم[20].
فالخلاصة: أن المسلم إذا واجه ظروفاً تعرض فيها للقتل أو القطع أو الإيذاء العظيم فيجوز له أن يتلفظ ببعض الكلمات ليرد بها أذى الكافرين، دون أن يقوم بفعل يساندهم به أو يأتي مأثماً أو يعينهم على مسلم بفعل أو قتل أو قتال، والأفضل له أن يصبر على الأذى ولو أدى إلى قتله.
2- بغض الكافرين وترك مودتهم:
أ- نهانا الله - سبحانه - وتعالى - أن نواد من حاد الله ورسوله:
قال الله - تعالى -: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون}[21].
قال ابن كثير - رحمه الله -: وقيل في قوله - تعالى-: {ولو كانوا آباءهم} نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر، {أو أبناءهم} في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، {أو إخوانهم} في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، {أو عشيرتهم} في عمر قتل قريباً له يومئذ أيضاً، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ فالله أعلم.
قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله - تعالى - أن يهديهم، وقال عمر: "لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأقتله، وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين.." القصة بكمالها.
وقال ابن عباس: {وأيدهم بروح منه} أي قواهم.
وفي قوله - تعالى -: { رضي الله عنهم ورضوا عنه} سر بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله - تعالى - عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه[22].
وقال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل * إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير * قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد * عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم * لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}[23].
قال ابن كثير - رحمه الله -: كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، قال الإمام أحمد [24] أن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع علياً - رضي الله عنه - يقول: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد، فقال: " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها "، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب! قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا حاطب ما هذا؟ "، قال: لا تعجل علي، إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنه صدقكم "، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق!! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة [25] من غير وجه عن سفيان بن عيينة به، وزاد البخاري في كتاب المغازي [26] فأنزل الله السورة.
{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} يقول - تعالى - لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم} أي تبرأنا منكم {ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} أي بدينكم وطريقكم {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً} يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا ما دمتم على كفركم، فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم {حتى تؤمنوا بالله وحده} أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد)[27].
وقال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور}[28].
قال القرطبي - رحمه الله -:قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم} يعني اليهود، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهوا عن ذلك، وقيل: إن الله - تعالى - ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره، قال ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا لاتتولوا} أي لا توالوهم ولا تناصحوهم، رجع - تعالى - بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة)[29].
ب- وأخبرنا - سبحانه - أن الكفار يبغضون المسلمين:
قال الله - تعالى -: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}[30].
وقال الله - تعالى -: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم}[31].
وقال الله - تعالى -: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط}[32].
قال القرطبي - رحمه الله -: (والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لاسيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة)[33].
ج- كما أخبرنا - سبحانه - أنهم لن يرضوا عن المؤمنين طالما استمروا على إيمانهم:
قال الله - تعالى -: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} [34].
د- بل إنهم يتمنون أن يردوا المؤمنين كفاراً بعد إيمانهم:
قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}[35].
وقال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}[36].
قال ابن جرير الطبري - رحمه الله -: يعني بذلك - تعالى ذكره - يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، {إن تطيعوا الذين كفروا} يعني الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما تزعمون أنهم لكم فيه ناصحون {يردوكم على أعقابكم} يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام، {فتنقلبوا خاسرين} يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له، {خاسرين} يعني هالكين قد خسرتم أنفسكم وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم، ينهي بذلك أهل الإيمان بالله أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم وينتصحوهم في أديانهم)[37].
هـ - العلاقة بين محبة المولى - سبحانه - وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله:
ونود بعد أن بينا أمر الشريعة بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أن نذكر كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في العلاقة الوثيقة بين محبة المولى - سبحانه - والجهاد.
قال ابن تيمية - رحمه الله -: (واسم المحبة فيه إطلاق وعموم، فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فلهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به - سبحانه - من العبادة والإنابة إليه والتبتل له ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله - سبحانه وتعالى -.
ثم إنه كان بيَّن أن محبته أصل الدين فقد بيَّن أن كمال الدين بكمالها، ونقصه بنقصها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله "، فأخبر أن الجهاد ذورة سنام العمل، وهو أعلاه وأشرفه، وقد قال - تعالى -: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله.. إلى قوله ؛ أجر عظيم}، والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة، وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد، والجهاد دليل المحبة الكاملة، قال - تعالى -:{قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم..الآية} وقال - تعالى - في صفة المحبين المحبوبين: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}.
فإن المحبة مستلزمة للجهاد، ولأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه، فهو موافق في ذلك.
وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم، ويغضب لغضبهم، إذ هم إنما يرضون لرضاه، ويغضبون لما يغضب له، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في طائفة فيهم صهيب وبلال: " لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك " فقال لهم: يا إخوتي هل أغضبتكم، قالوا: لا يغفر الله لك يا أبا بكر.
وكان قد مر بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا: ما أخذت السيوف مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لسيد قريش؟ وذكر أبو بكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ما تقدم، لأن أولئك إنما قالوا ذلك غضباً لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله والمعاداة لأعدائهما، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه)[38].
وقال ابن تيمية - رحمه الله -عن موالاة اليهود والنصارى: (فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية، فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد.
والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله - تعالى -:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}، وقال - تعالى - فيما يذم به أهل الكتاب:{لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون}.
فبين - سبحانه وتعالى - أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.
وقال - سبحانه وتعالى -: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} فأخبر - سبحانه وتعالى - أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك)[39].
وقال أيضاً - رحمه الله -: (والمؤمن عليه أن يعادى في الله، ويوالى في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال - تعالى -:{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون أخوة..}، فجعلهم أخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وان أعطاك وأحسن إليك، فإن الله - سبحانه - بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة؛ استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة)[40].
و - رد شبهة:
فإن قيل فما معنى قوله - تعالى -:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}؟ ألا يدل هذا على جواز التودد إلى الكفار ومحبتهم؟
والرد عليها: أن البر وهو إيصال الخير، والقسط وهو العدل، لا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصرة باليد واللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال، واتخاذ الكافرين بطانة، وإطلاع الكافرين على أسرار المسلمين.
قال الشافعي - رحمه الله -: قال الله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين.. الآيتين}، قال: يقال والله أعلم إن بعض المسلمين تأثم من صلة المشركين - أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم - وقطع الولاية بينهم وبينهم، ونزل: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله... الآية}، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}.
قال الشافعي - رحمه الله -: وكانت الصلة بالمال والبر، والإقساط ولين الكلام، والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك أنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم، ولم يحرم ذلك إلى من أظهر عليهم، بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن ولايتهم، وكان الولاية غير البر والإقساط، وكان النبي فادى بعض أسارى بدر وقد كان أبو عزة الجمحي ممن من عليه، وقد كان معروفاً بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومن بعد بدر على ثمامة بن أثال وكان معروفاً بعداوته، وأمر بقتله ثم من عليه بعد إساره، وأسلم ثمامة وحبس الميرة عن أهل مكة، فسألوا رسول الله أن يأذن له أن يميرهم، فأذن له فمارهم، وقال الله عز وجل:{ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}، والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله)[41].
قال ابن القيم - رحمه الله - مبيناً جواز الصدقة والوقف على مساكين أهل الذمة: لقوله - تعالى -: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} فإن الله - سبحانه - لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله - سبحانه - أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة)[42].
قال ابن كثير - رحمه الله -: وقوله - تعالى -: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، {ولم يظاهروا} أي يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم {أن تبروهم} أي تحسنوا إليهم {وتقسطوا إليهم} أي تعدلوا إن الله يحب المقسطين.
وقال الإمام أحمد [43] حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم صلي أمك " أخرجاه [44][45].
3- النهي عن اتخاذهم بطانة والإدلاء إليهم بأسرار المسلمين:
قال الله - تعالى -:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}[46].
قال القرطبي - رحمه الله -: (والبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، نهى الله - عز وجل - المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه قال الشاعر:
عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل "، وروي عن ابن مسعود أنه قال: " اعتبروا الناس بإخوانهم ".
ثم بين - تعالى - المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: {لا يألونكم خبالاً} يقول: فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، قوله:{ودوا ماعنتم} مصدرية، أي ودوا عنتكم، أي ما يشق عليكم، والعنت المشقة)[47].
4- النهي عن تولية الكفار في المناصب الهامة:
قال ابن تيمية - رحمه الله -: (فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قلت لعمر - رضي الله عنه -: إن لي كاتباً نصرانياً، قال: "مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ألا اتخذت حنيفاً " قال: قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: " لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله "[48].
وقال القرطبي - رحمه الله -: وعن عمر - رضي الله عنه - قال: " لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله - تعالى -"، وقيل لعمر - رضي الله عنه -: إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: "لا آخذ بطانة من دون المؤمنين". فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.
قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء[49].
وقال ابن تيمية - رحمه الله -: (ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها، وسئل أحمد في رواية أبي طالب: في مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء.
ومن تولى منهم ديواناً للمسلمين أينقض عهده؟ ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساده لم يجز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحداً، وإن عاد إلى الإسلام لما يخاف من فساد ديانتهم[50].
5- النهي عن تعظيم شعائر الكفار ورسومهم، والنهي عن موافقة الكفار والمرتدين على باطلهم وتزيين ذلك ومدحه:
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: (فصل في الولاية والعداوة؛ فإن المؤمنين أولياء الله، وبعضهم أولياء بعض، والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين، وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان، ونهى عن موالاة الكفار، وبين أن ذلك منتف في حق المؤمنين، وبين حال المنافقين في موالاة الكافرين.
وقال: ((إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ))، وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم.
ولهذا ذكر في سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار؛ قوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، وقال: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}، فذكر المنافقين والكفار المهادنين، وأخبر أنهم يسمعون لقوم آخرين لم يأتوك وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا.
كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعاً للمنافقين، كما قال: {وفيكم سماعون لهم}، وبعض الناس يظن أن المعنى سماعون لأجلهم بمنزلة الجاسوس أي يسمعون ما يقول وينقلونه إليهم.
وإنما المعنى فيكم من يسمع لهم أي يستجيب لهم ويتبعهم، كما في قوله سمع الله لمن حمده استجاب الله لمن حمده أي قبل منه، يقال فلان يسمع لفلان أي يستجيب له ويطيعه.
فمن كان من الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها - مثل إتيانه أهل الباطل، واتباعهم في شيء من مقالهم وفعالهم الباطل - كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك.
والله - تعالى - يحب تمييز الخبيث من الطيب، والحق من الباطل، فيعرف أن هؤلاء الأصناف منافقون أو فيهم نفاق، وإن كانوا مع المسلمين، فإن كون الرجل مسلماً في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقاً في الباطن.
فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم، وإذا كانوا موجودين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى عزة الإسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور الرسالة، فهم مع بعدهم عنهما أشد وجوداً، لاسيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو المعارض لما جاءت به الرسل[51].
6- النهي عن إعانتهم على المسلمين:
قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}[52].
قال الطبري - رحمه الله - في سبب النزول: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله - تعالى ذكره - نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاءً على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان)[53].
قال ابن تيمية - رحمه الله -عن التتار: (وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام، وإذ كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمين)[54].
قال ابن حزم - رحمه الله -: (وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله - تعالى - وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه: "بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، وهو - عليه السلام - لا يبرأ إلا من كافر، قال الله - تعالى -: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[55].
قال أبو محمد - رحمه الله -: فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبرأ من مسلم.
وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر، أو لقلة مال، أو لضعف جسم، أو لامتناع طريق فهو معذور، فإن كان هناك محارباً للمسلمين معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.
ولو أن كافراً مجاهداً غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير دين الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم لما ذكرنا)[56].
وقوله: " كافراً مجاهداً " لعله تصحيف صوابه " كافراً مجاهراً " والله أعلم.
فماذا يقول الطبري و ابن حزم وابن تيمية - رحمهم الله - لو شاهدوا الطائرات والجيوش الأمريكية وحلفاءها التي تنطلق من دول تدعي الإسلام لتضرب المسلمين في العراق؟
وماذا يقولان لو شاهدا الطائرات الأمريكية التي تقلع من باكستان لتقتل المسلمين في أفغانستان؟
وماذا يقولون لو شاهدوا السفن والطائرات الأمريكية والغربية وهي تتزود بالوقود والمؤن والذخائر من دول الخليج واليمن ومصر في طريقها لحصار العراق واحتلال جزيرة العرب وحماية أمن إسرائيل؟
وماذا يقولون لو شاهدوا البيوت تهدم على رؤوس سكانها من مسلمي فلسطين بسلاح الأمريكان - أصدقاء حكامنا -، وماذا يقولون لو شاهدوا الطائرات الأمريكية تقصف المجاهدين بالصواريخ في دول متواطئة مع حكومتها؟
7- الأمر بجهادهم وكشف باطلهم، وعدم مودتهم والبعد عنهم:
لم ينهنا المولى - سبحانه - عن موالاة الكفار فقط، بل أمرنا أيضاً بجهاد الكفار الأصليين والمرتدين والمنافقين:
أ- جهاد الكفار الأصليين وتعينه إذا استولوا على بلاد الإسلام:
قال ابن تيمية - رحمه الله -: (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا).
وقال أيضاً: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده)[57].
فتأمل هذا القول القوي الشديد من العالم المجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في استدلاله بالإجماع على جهاد الكفار الغزاة لديار الإسلام، وتأمل تأكيده على أنه ليس بعد الإيمان أوجب من دفعهم، وأن هذا مما اتفق عليه علماء الأمة - رحمهم الله جميعاً -، ثم قارن هذا الكلام بكلام علماء السلاطين ودعاة القعود الذين يجتهدون في صرف المسلمين عن الجهاد بكل حيلة، حتى يأمن الكفار الغزاة في غزوهم لبلادنا، ويتم لهم ما يريدون في يسر وراحة واطمئنان.
ب- جهاد المنافقين الذين يروجون للشبهات:
أمر الله - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بجهاد المنافقين بالغلظة والشدة وإظهار الحجة وإقامة الحدود، قال الله - تعالى -:{يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}[58].
قال القرطبي - رحمه الله -: (فيه مسألة واحدة وهو التشديد في دين الله، فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة، وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين، وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم)[59].
8- الأعذار التي لا يقبلها الشرع ممن يوالون الكفار:
لم يقبل المولى - سبحانه - من المنافقين أعذارهم بأنهم يتولون الكافرين وينصرونهم خوفاً من دوائر الزمان وتغير الدول، فربما انتصر الكفار على المسلمين فتكون للمنافقين عند الكفار يد، قال الله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين}[60].
قال ابن كثير - رحمه الله -: ({فترى الذين في قلوبهم مرض} أي شك وريب ونفاق، {يسارعون فيهم} أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى)[61].
9- الأمر بموالاة المؤمنين ومناصرتهم:
بعد أن بينا ما نهانا الله - سبحانه وتعالى - عنه من موالاة الكافرين، نوجز ما أمرنا الله به من موالاة المؤمنين.
قال الله - تعالى -: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير * والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوو ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم * والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم}[62].
قال القرطبي - رحمه الله -: (قوله - تعالى -: {وإن استنصروكم في الدين} يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم، إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته.
قال ابن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال، والقدرة والعدد، والقوة والجلد)[63].
وقال ابن كثير - رحمه الله -: (ذكر - تعالى - أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، أي كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار كل اثنين إخوان.
وقوله - تعالى -: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال.
يقول - تعالى -: {وإن استنصروكم} هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق، أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -)[64].
وقال الله - تعالى -: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}[65].
قال ابن كثير - رحمه الله -: (لما ذكر - تعالى - صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} أي يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح [66] " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه "، وفي الصحيح أيضاً [67] "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر")[68].
10- الخلاصة:
أ- نهانا الله - سبحانه - أن نتخذ الكفار أولياء ننصرهم على المؤمنين باليد واللسان، ومن فعل ذلك فهو كافر مثلهم، وأجاز الشرع لمن خاف القتل أو القطع أو الأذى العظيم أن يتكلم بما يدفع به الأذى عن نفسه - لا بما يجلب به النفع - من الكفار دون أن يوافقهم في باطنه، أو يناصرهم على المسلمين بفعل أو قتل أو قتال، والأفضل له أن يتصلب ويصبر.
ب- أمرنا المولى - سبحانه - ببغض الكافرين وترك مودتهم، وأنهم يبغضوننا ويحسدوننا على ديننا ويتمنون زوالنا عنه، وأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عد حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - منافقاً لمجرد أنه أرسل للكفار يخبرهم بمسير النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم بجيش لا قبل لهم به، وسعى في قتله، ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - عفا عن ذنبه العظيم بعمله الصالح العظيم بشهوده بدراً، وأن هناك علاقة وثيقة بين محبة المولى - سبحانه - وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله، وأن إيصال الخير والتعامل بالعدل مع من لم يعادينا من الكفار ليس من الموالاة المنهي عنها.
ت- نهانا الشرع عن اتخاذ الكفار بطانة وأمناء على أسرارنا.
ث- نهى الشرع عن تولية الكفار في المناصب الهامة.
ج- نهانا الشرع عن اتباع اعتقادات الكفار وآرائهم وتعظيمها.
ح- نهانا الشرع عن إعانة الكفار على المسلمين، وأن الإكراه ليس بعذر في قتال الممسلمين تحت راية الكفار.
خ- أمرنا الشرع بجهاد الكفار - الأصليين منهم والمرتدين - والمنافقين، وأن جهاد الكفار المستولين على بلاد الإسلام هو من أوجب الواجبات بعد الإيمان بإجماع العلماء.
د- لم يقبل الشرع عذر المنافقين بأنهم يوالون الكفار خوفاً من تقلب الأحوال.
ذ- أوجب علينا الشرع مناصرة المسلمين على الكفار.
_____________________________
[1] آل عمران 28.
[2] تفسير الطبري ج3 ص227.
[3] النساء 139.
[4] النساء 144.
[5] تفسير الطبري ج5 ص337.
[6] المائدة 51- 58.
[7] تفسير الطبري ج6 ص277.
[8] رواه البخاري 7108.
[9] فتح الباري ج31 ص61.
[10] المائدة 80.
[11] التوبة 32-24.
[12] خ 15- م44.
[13] تفسير ابن كثير ج2 ص343، 344.
[14] آل عمران 28.
[15] تفسير ابن كثير ج1 ص358.
[16] لسان العرب ج5 ص142.
[17] تفسير ابن كثير ج4 ص394.
[18] تفسير القرطبي ج4 ص57.
[19] تفسير الطبري ج3 ص227.
[20] مجموع الفتاوى ج 28 ص 538، 539.
[21] المجادلة 22.
[22] تفسير ابن كثير ج4 ص330، 331.
[23] الممتحنة 1- 9
[24] 179.
[25] خ3007 - م2494- د2650- ت3305 -س كبرى11585.
[26] 4274.
[27] تفسير ابن كثير ج4 ص345- 349.
[28] الممتحنة 13.
[29] تفسير القرطبي ج 18 ص 76،
[30] البقرة 105.
[31] البقرة 109.
[32] آل عمران 119- 120.
[33] تفسير القرطبي ج4 ص181- 183.
[34] البقرة 120- 121.
[35] آل عمران100.
[36] آل عمران 149.
[37] تفسير الطبري ج4 ص122، 123.
[38] التحفة العراقية ج1 ص63، 64.
[39] اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص221، 222.
[40] مجموع الفتاوى ج28 ص207- 209.
[41] أحكام القرآن للشافعي - رحمه الله -ج2 ص191- 194.
[42] أحكام أهل الذمة ج1 ص602.
[43] 6345.
[44] خ5219- م2130.
[45] تفسير ابن كثير ج4 ص350- 351.
[46] آل عمران 118.
[47] تفسير القرطبي ج4 ص178- 181.
[48] اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ج1 ص50.
[49] تفسير القرطبي ج4 ص179.
[50] الفتاوى الكبرى، الاختيارات العلمية، كتاب الجهاد، ج4 ص607 وما بعدها.
[51] مجموع الفتاوى ج28 ص190- 202.
[52] المائدة 51- 53.
[53] تفسير الطبري ج6 ص276.
[54] الفتاوى الكبرى ج4 ص332 وما بعدها
[55] التوبة 71.
[56] المحلى ج11 ص199،200.
[57] الفتاوى الكبرى، الاختيارات العلمية، كتاب الجهاد، ج4 ص607 وما بعدها.
[58] التحريم 9.
[59] تفسير القرطبي ج18 ص201
[60] المائدة 51- 53.
[61] تفسير ابن كثير ج2 ص71.
[62] سورة الأنفال72- 75.
[63] تفسير القرطبي ج8 ص57.
[64] تفسير ابن كثير ج2 ص329، 330.
[65] سورة التوبة 71.
[66] خ481 - م2585.
[67] خ6011 م2586.
[68] تفسير ابن كثير ج2 ص370.
|
تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن
ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.
الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.
لا توجد تعليقات
أرسال لصديق
|
|
|
|
|
|
أحصائيات
|
|
|
|
|

عدد المقالات (26769)
|
|

عدد الكتب (4770)
|
|

عدد الصوتيات (114455)
|
|
|
|
|
|
|
|
|