العلم بين الغرض النفيس والعرض الخسيس
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  الحمد لله ... مات ابني!
  رسالة إلى من اٌبتلي بمشاهدة (الأفلام الإباحية)
  أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس
  قصة هود عليه السلام
  اصنع من الليمون شراباً حلواً
قائمة أخر الكتب إضافة
  الحبيب الجفري .. صوفية بنكهة العصر!!
  الهدية الهادية إلى الطائفة التجانيةللعلامة تقي ا...
  الأولياء ومنهاج الكرامة بين أهل السنة وأهل الضلا...
  الحبيب الجفري .. صوفية بنكهة العصر!!
  CD الصوفية... والجفري الراقص!!
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  وقفة تأمل في حال الأمة
  سيرة الإمام مالك
  أهداف التربية والتعليم في الإسلام
  الشيطان عدوك فاحذره
  الرحمة
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
مداد قسم المقالات شجرة التصنيفات العلم طلب العلم العلم بين الغرض النفيس والعرض الخسيس
العلم بين الغرض النفيس والعرض الخسيس

محمد عمر دولة
أضيفت بتاريخ:   2008-02-18
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   64
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 

بسم الله الرحمن الرحيم 

لو تساءلنا: لماذا تمنّى أبو جعفر المنصور أن يكون عالماً وقد أناخت الخلافة مطاياها ببابه، وألقت الدنيا ذهبها وزخرفها على أعتابه؟ فقد روى الحافظ ابنُ كثيرٍ في (البداية والنهاية) أن أبا جعفر المنصور "قيل له يوماً: يا أميرَ المؤمنين هل بقي لك في لذات الدنيا شيءٌ لم تنله؟ قال: شيءٌ واحدٌ، قالوا: وما هي؟ قال: قولُ المحدِّث للشيخ: من ذكرتَ رحمك الله؟ فاجتمع وزراؤه وكُتّابُه وجلسوا حولَه؛ وقالوا: ليُمْلِ علينا أميرُ المؤمنين شيئاً من الحديث؛ فقال: لستم بهم، إنما هم الدَّنسةُ ثيابهم، المشقَّقةُ أرجلُهم، الطويلةُ شُعورُهم، رُوّادُ الآفاقِ وقُطّاعُ المسافات: تارةً بالعراق، وتارةً بالشام، وتارةً باليمن؛ فهؤلاء نَقَلَةُ الحديث"![1]

 

ولعلّ الجوابَ أنّ أهل العلم على عهد المنصور ـ مثل الإمام مالك وغيره ـ كانوا أكثرَ الناسِ ديانةً وصيانةً، وأبعدَهم عن الشبهةِ والتهمة، وأقربَهم إلى الصلاح والفلاح!

 

ولكنْ أينَ ذلك (العِلْمُ) الذي زَهِد أبو جعفرٍ في الخلافة من أجله؟ هل هو هذه السُّنبلاتُ اليابساتُ التي تُعْطَى هذه السنينَ العِجاف في الجامعات؟ لا واللهِِ؛ ما أراد أبو جعفر المنصور إلا علم السلف الصالح!

 

فقد شِيبَ العلمُ في زمانِنا بالمكاسب الضيّقة، وتكدّر بالطَّمع والجشع، واعتلّت نيّاتُنا في طلبه بجمع المال وفتنة الجاه، واضطربت مناهجُنا في تحصيله؛ حتى تحوّل (العلمُ) في كثيرٍ من الأحيانِ إلى مُجَرَّدِ (وظيفةٍ ماديّةٍ)؛ بل غَدَتْ شهاداتُ التخرّجِ بدايةً لإلغاء (الوظيفة) التربويّة؛ حتى صارت (الوظيفةُ) لا تعني في عُرْفِنا ووَعْيِنا عند إطلاقها إلا (الوظيفة الماديّة)؛ وفي الحقيقة يموت كثيرٌ من الناس في اليوم الذي يصيرون فيه من حمَلَة (الشهادات)؛ لأنّ الشهادة في حقيقة الأمر كانت خاتمةَ مَطافِهم ومُنتهى آمالِهم وكلَّ همِّهم ومبلغَ علمِهم!

 

وكثيراً ما يتكدّر علينا (طلبُ العلم) بأغراضٍ دنيئة لا علاقة لها بمسمّى العلم مثل (العصبيّة) و(اتباع الهوى) و(عداوة الحقيقة). كما قال الذهبي - رحمه الله - تعالى -: "إنْ غلب عليك الهوى والعصبيّةُ لمذهبٍ ولرأيٍ فبالله لا تتعبْ، وإن عرفتَ أنك مخبِّطٌ مخلِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله فأرحنا منك؛ فبعد قليلٍ ينكشف البهرج، وينكب الزغل؛ ولا يحيق المكر السّيّء إلا بأهله فقد نصحتك!" [2]

 

وقليلٌ منّا مَن يستحضر في طلب العلم ما كان يدندن حوله الأخيارُ من الفوز بالجنّة والنجاة من النار؛ لاسيما من ابتلاهم الله بحبِّ المناظرات، وتصيُّد الزلات، وتعقُّب العلماء، والطعن على الفضلاء. ورحم الله القحطاني حيث قال:

 

لا تُشْغَلَنَّ بعيبِ غيرِك غافلاً =عن عيبِ نفسِكَ إنه عيبانِ!

لا تُفْنِ عُمرَك في الجدالِ مُخاصِماً =إنّ الجدالَ يُخِلُّ بالأديانِ!

واحذرْ مُجادلةَ الرِّجالِ فإنها =تدعو إلى الشحناء والشنآنِ!

 

ومما نراه في أنفسنا ـ في هذا الزمان ـ انشغالنا بـ(عـَرَض) العلم عن (حقيقتـه)، وكم منّا من ليس له غرضٌ إلا العَرَض؟! كأنما عنانا الله - تعالى – بقوله: (فخلف من بعدهم خَلْفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عَرَض هذا الأدنى ويقولون سيُغفَر لنا وإن يأتِهم عرضٌ مثلُه يأخذوه).[3] وسبب نزول الآية في اليهود، ولكنها تتناولنا بسبب تشبّهنا بهم. كما قال القرطبي رحمه الله: "وهذا الوصف الذي ذمّ الله - تعالى - به هؤلاء موجودٌ فينا"![4]

 

ونقرأ في بعض التفاسير ما يكشف لنا أمراض (التعليم) ـ عندنا ـ الذي يخرّج لنا الملايينَ كلَّ عامٍ على طول العالم الإسلاميّ وعرضه، ولكنّ الدّعاة وحَمَلَة القضيّة أقلّ من القليل، كما قيل:

 

وقد كنّا نعُدُّهمُ قليلاً =فقد صاروا أقلَّ من القليلِ!

 

فالأمة الإسلاميّة تعُجّ بأصحاب الشهادات (العليا) الذين استعبدتْهم الحياة (الدنيا) حتى صاروا لا يُبالون إذا نالوا مناصب (عليا) أن تظلّ أمتهم في الدرجة (السفلى)؛ فأولئك "ورثوا الكتاب ودرسوه؛ ولكنّهم لم يتكيّفوا به، ولم تتأثَّرْ به قلوبُهم...شأن العقيدة حين تتحوّل إلى ثقافةٍ تُدرس وعلمٍ يُحفَظ...هم درسوا الكتاب وعرفوا ما فيه، بلى! ولكنّ الدِّراسة لا تُجْدي ما لم تُخالِط القلوب[5]؛ وكم من دارسين للدِّين وقلوبُهم عنه بعيدة؟...وهل آفةُ الدّين إلا الذين يدرسونه دراسةً ولا يأخذونه عقيدةً!"[6]

 

وما ظنُّك بعلمٍ قد انطمستْ أنوارُه، ولم تبقَ منه إلا آثارُه! على حين كان السّلف يُهذِّبون أنفسَهم بالعلم، ويزينونها بالورعِ والحِلْم، كما روى الخطيبُ البغدادي في (الكفاية) أنّ يوسف بن الحسين قال لعبد الرحمن بن أبي حاتم بعد تصنيفه كتاب (الجرح والتعديل): "استحييتُ لك يا أبا محمد: كم من هؤلاء القومِ قد حطُّوا رواحلَهم في الجنّة منذ مائة سنةٍ أو مائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض؟ فبكى عبد الرحمن وقال: يا أبا يعقوب لو سمعتُ هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لما صنّفتُه"! وقد رجع عبد الرحمن بن مهدي إلى الرواية عن الحسن بن أبي جعفر قائلاً: "تفكّرتُ فيه؛ فإذا كان يوم القيامة قام الحسن بن أبي جعفر فتعلّق بي، وقال: يا رب سلْ عبد الرحمن بن مهدي؛ فيمَ أسقط عدالتي؟ وما كان لي حجةٌ عند ربّي؛ فرأيتُ أن أُحدِّثَ عنه"![7]

 

فقد كان سعيُهم مُوفَّقاً وعِلمُهم مُبارَكاً؛ لأنهم يخشون (يوم تُبلَى السرائر)،[8] (ليسألَ الصادقين عن صدقهم).[9] فهم يهتمُّون بإخلاص أعمالِهم ويتهمون نيّاتهم ويخشون سوءَ عاقبتِهم؛ فقد نبّه الغزالي على خطر الغِيبة التي "تختصّ بأهل الدّين خاصّة، وهي أغمضها وأدقُّها؛ لأنها شرورٌ خبأها الشيطانُ في معرض الخيراتِ، وفيها خيرٌ؛ ولكنْ شابَ الشيطانُ بها الشرّ"![10]

 

وقد كانوا يحذرون ما يشوب الحلال من الشبهات، كما يخشون بواعثَ الهوى في الشرعيّات، حتى قال الشاطبي رحمه الله: "اتباعُ الهوى طريقٌ إلى المذموم؛ وإن جاء في ضمن المحمود! وهو في الأحكام الشرعيّة مَظِنَّةٌ لأن يُحتالَ بها على أغراضه؛ فتصير كالآلة المُعَدَّة لاقتناص أغراضه...ومن تتبّع مآلاتِ الهوى في الشرعيّات؛ وجد من المفاسد كثيراً".[11]

 

ومن أعظم تلبيس الشيطان على من حُرِم حُسْنَ الخُلُق أنه إذا انصرف إلى طلب العلم في الظاهر؛ حمل معه أوزارَه القديمة وأخلاقَه القبيحة؛ وسرعان ما يجد في الطعن على أهل العلم ضالَّتَه، فيلتزم ذلك ويرتاح إليه لأنّه دَيْدَنُه القديم وداؤه الدفين؛ فلا يزيده الطلبُ الظاهرُ إلا مرضاً في الباطنِ؛ كما قال - تعالى -: (في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللهُ مرضاً)؛[12] وهكذا يتحوّل غرضُ طلبِ العلم إلى أكل لحوم العلماء والطعن على أهل الفضل؛ ولا ريب أنّ من كانت بضاعتُه تعالُماً وتطاوُلاً وتشبُّعاً وغروراً؛ كانت خاتمتُه في الغالب خسراناً وثُبوراً! ولله درُّ ابن رجب ما ألطفَ ما استنبطه من حديث سهل بن سعد في الصحيحين: (إنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنّة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار) فقال: "قولُه (فيما يبدو للناس) إشارةٌ إلى أنّ باطن الأمر يكون بخلاف ذلك؛ وأنّ خاتمة السوء تكون بسبب دسيسةٍ باطنةٍ للعبد لا يطّلع عليها الناس"![13]

 

كم عندنا في من يُزاحِمون طلبةَ العلمِ في هذا الزمان من ذي الخُويصرة؟! ممّن لم يتأدّبوا بأخلاق الإسلام بل هم أشبهُ بقطاع الطريق ولصوص الأعراب! ألم يكن ذو الخويصرة متعالماً بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى أدّاه ذلك إلى اتهام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم العدل! كما روى الشيخان أنّ ذا الخويصِرة التميمي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا رسول الله اعْدِلْ) فقال: (ويلك. ومَن يَعْدِلُ إذا لم أعدِل)؟!

 

وقد شكا أهلُ الكوفة سعدَ بن أبي وقاص إلى عمر - رضي الله عنهما - وعابوه في كلّ شيء حتى في الصلاة، فقال: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام... ثم أصبحَت بنو أسد تعزّرني على الإسلام!) وفي رواية (تعلمني الأعراب بالصلاة!)،[14] وروى عبد الله بن شقيق قال: (خَطَبَنا ابنُ عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ. فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاةَ الصلاةَ؛ فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة لا أمَّ لك؟!) وفي رواية (أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟!)[15]

 

وقد أنكر معاذ بن جبل على من قال في حقّ كعب بن مالك يوم تبوك: (حبسه برداه والنظر في عِطْفَيْهِ)؛ فقال معاذ: (بئس ما قلتَ. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلاّ خيراً)؛[16] فما أقلَّ إنصاف الطاعنين في الصادقين، وما أقربهم إلى الوقيعة في الصالحين!

 

ورحم اللهُ الذهبيَّ حيث قال في (الرواة الثقات المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد): "تكلّم الناس في أحمد؛ ومن يسلم من الكلام بعد أحمد؟!"، وشنَّع - رحمه الله -في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) على العُقيلي لذكره علي بن المديني في الضعفاء، فقال: "لو تركتَ حديث عَلِيٍّ – وسمَّى معه جماعةً – لغلّقنا الباب وانقطع الخطاب، لماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجّال؛ أَفَما لك عقل يا عُقيلي؟! أتدري فيمن تتكلّم؟ وإنّما اتبعناك في ذكر هذا النّمط لِنَذُبّ عنهم ولنزيّفَ ما قِيل فيهم، كأنك لا تدري أنّ كلّ واحد من هؤلاء أوثقُ منك بطبقات"![17]

 

إنّ طالبَ العلمِ هو ذلك العبد من عباد الرحمن الذي يحفظ سمعَه وبصرَه وفؤادَه استجابةً لقول الله عز وجلّ: (ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ إنّ السمع وَالْبَصَرَ والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً)،[18] وهو الذي يحبس لسانَه عن ورود المهالك، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: (ثكلتك أمُّك؛ وهل يَكبّ الناسَ على مناخرِهم في نار جهنّم إلاّ حصائد ألسنتهم؟!)[19]

 

والعلمُ في حقيقتِه أمانةٌ ورعايةٌ وصيانةٌٌ، وتأمَّلْ موقفَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا قدم عليه أهلُ اليمن، فقالوا: ابعث معنا رجلاً يعلّمنا السنة والإسلام؛ فقد أخذ بيد أبي عبيدة فقال: (هذا أمينُ هذه الأمة)! وفي روايةٍ أنّ أهل نجران قالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلاً أميناً، فقال: (لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمين حقَّ أمين)![20]

 

ورحم الله الخطيب فقد أوصى طالبَ العلم في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) بكلامٍ يُكتَب بماء الذهب؛ فقال: "ليجعلْ حفظَه للحديث حفظَ رعايةٍ لا حفظ رواية؛ فإنّ رُواة العلومِ كثيرٌ ورُعاتها قليلٌ! ورُبَّ حاضرٍ كالغائب وعالمٍ كالجاهل، وحاملٍ للحديث ليس معه منه شيء؛ إذْ كان في اطِّراحِه لحُكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه"!

 

والعلمُ خشيةٌ وورعٌ، كما قال الجُنيد - رحمه الله -: "كنتُ بين يدي السّري ألعب، وأنا ابن سبعِ سنين، فتكلّموا في الشكر؛ فقال: يا غلام ما الشكر؟ فقلتُ: أن لا يُعصى الله بنعمه؛ فقال: أخشى أن يكونَ حظُّك من الله لسانك؛ قال الجنيد: فلا أزال أبكي على قوله)![21]

 

وممّا يُشكِل على بعض طلاب العلم؛ فيظنّونه أغراضاً شرعيّةً: الانشغالُ بسفاسف المسائل التي ليس عليها عملٌُ ولا من ورائها فائدةٌ إلا تطلُّب الغرائب، وقد قال ابنُ عمر: (يا أهلَ العراق ما أسألَكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة)![22] كيف وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أهلَكَ الذين مِن قبلِكم كثرةُ مسائلِهم واختلافُهم على أنبيائهم)،[23] وما أحسنَ ما شهد به الحافظ ابنُ رجب بذلك للراسخين من العلماء الربّانيِّين فقال: "أما فقهاءُ أهلِ الحديث العاملون به؛ فإنّ معظمَ همِّهم البحثُ عن معاني كتاب الله عزّ وجل، وما يفسِّره من السنن الصحيحة...ثم التفقه فيها وفهمها...ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك...وفي معرفة هذا شُغلٌ شاغلٌ عن التشاغُل بما أُحدِث من الرأي ما لا يُنتَفَع به وما لا يقع؛ وإنما يُورث التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيل والقال!"[24]

 

ورحم الله القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، فقد جمع في ميميّته البديعة من صفات العلم النافع فأوعى، حيث قال:

 

يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنما =رأوا رجلا عن موقف الذلِّ أحجما!

أرى الناسَ من داناهمُ هان عندهم =ومن أكرمتْهُ عزّةُ النفسِ أكرما!

وما زلتُ منحازاً بعِرضي جانباً =من الذَّمِّ أعتدُّ الصيانةَ مَغْنَماً!

إذا قيل: هذا مَشْرَبٌ قلتُ: قد أرى =ولكنّ نفسَ الحُرِّ تحتمل الظَّما!

وما كلُّ برقٍ لاح لي يستفزُّني =ولا كلُّ من لاقيتُ أرضاهُ مُنعِما!

وإنّي إذا ما فاتني الأمرُ لم أبتْ =أقلِّبُ طرفي إثرَهُ متندِّما!

ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كلما =بدا طمعٌ صيَّرْتُهُ ليَ سلَّما!

ولم أبتذلْ في خدمة العلمِ مُهجتي =لأخدمَ مَن لاقيتُ لكن لأُخدَما!

أأشقى به غَرْساً وأجنِيهِ ذِلَّةً =إذنْ فاتباعُ الجهلِ قد كان أحزما!

ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم =ولو عظّموه في النفوسِ لعُظِّما!

ولكنْ أهانوه فهان ودنّسوا =مُحيَّاهُ بالأطماعِ حتى تجهَّما![25]

 

________________________________

[1] البداية والنهاية لابن كثير 10/547. دار المعرفة بيروت. ط4. 1419هـ.

[2] تذكرة الحفاظ للذهبي. ترجمة أبي بكر الصّدّيق - رضي الله عنه -1/4. دار إحياء التراث العربي. تحقيق المعلّمي اليماني.

[3] الأعراف 169.

[4] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 7/311.

[5] وما أحسنَ التعبير عن ذلك في حديث هرقل الطويل: (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب)! وقد ختم به البخاري كتاب بدء الوحي.

[6] في ظلال القرآن 9/1387.

[7] الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 180-181.

[8] الطارق 9.

[9] الأحزاب 8.

[10] الإحياء مع إتحاف السادة المتقين للزبيدي 7/545.

[11] الموافقات للشاطبي 2/176.

[12] البقرة 10.

[13] جامع العلوم والحِكَم لابن رجب ص 78. جمعيّة إحياء التراث الإسلامي. ط1. 1419هـ.

[14] رواه الشيخان.

[15] رواه مسلم.

[16] رواه الشيخان.

[17] ميزان الاعتدال 3/140. دار المعرفة بيروت. تحقيق علي محمد البجاوي.

[18] الإسراء 36.

[19] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وراجع باباً قيّماً في هذا المعنى في: باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان. رياض الصالحين ص 519-524. المكتب الإسلامي. ط1418هـ.

[20] شرح النووي على مسلم 15/192. دار إحياء التراث العربي. ط3.

[21] سير أعلام النبلاء للذهبي 14/68. مؤسسة الرسالة. ط7. 1410 هـ.

[22] شرح النووي على مسلم 18/32.

[23] رواه الشيخان.

[24] جامع العلوم والحِكَم للحافظ ابن رجب ص 124.

[25] يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر للثعالبي 4/25. وسير أعلام النبلاء للذهبي 17/20. مؤسسة الرسالة. ط1. 1403هـ.

 

 


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.089 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع