الفاتحة ثناءٌ ودُعاء
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  مصري طول شاربه ( 84 ) سـم
  عيد الحب أم إغضاب الرب!!
  من يكشف الكروب؟
  دعاء الهم والحزن
  أيهم قلبك ؟؟
قائمة أخر الكتب إضافة
  مع صاحب الروحة
  مولى الصوفية الأكبر جلال الدين الرومي [يكفر من خ...
  التصوف من صور الجاهلية
  يا سارية الجبل الجبل
  التصوف من صور الجاهلية
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  الثبات على الطاعات
  المداومة على العمل الصالح
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  فضل الدعاء وأهميته
  الشيطان عدوك فاحذره
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
الفاتحة ثناءٌ ودُعاء

محمد عمر دولة
أضيفت بتاريخ:   2007-11-09
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   59
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولِنا الأمينِ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فلو أنَّ المسلمَ تَدبَّرَ معانِيَ سورةِ الفاتحةِ؛ لأدركَ عظمةَ حَمدِ الله - عز وجل - وتمجيدِه والثناءِ عليه؛ فإنَّ سورةَ الفاتحةِ أعظمُ سُوَرِ القرآنِ الكريم، كما جاء في حديثِ أبي سعيد بن المُعَلَّى - رضي الله عنه -: (قلتُ: يا رسولَ الله إنك قلتَ: لأعلمنَّك أعظمَ سورة في القرآن، قال: نعم: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السَّبعُ الْمَثانِي والقرآنُ العَظيمُ الذي أُوتِيتُه)! [1]

 

وقد قَرَّرَ العلماءُ أنَّ "هذه السورةَ اشتملَتْ على أُمَّهاتِ المطالبِ العاليةِ أتَمَّ اشتِمالٍ وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ"، [2] وأنَّ "هذه السورة على إيجازها، قد احتوَتْ على ما لَم تَحْتَوِ عليه سورةٌ من سُوَرِ القرآن". [3] وأنَّ "في الفاتحة ما ليس في غيرِها؛ حتى قيل: إنَّ جميعَ القرآنِ فيها"؛[4] ولذلك أكَّدُوا أنَّ "مَن تحققَ بمعاني الفاتحة عِلماً ومعرفةً وعَملاً وحالاً؛ فقد فاز مِن كَمالِه بأوفَرِ نَصِيبٍ، وصارتْ عُبوديَّتُه عُبوديةَ الخاصَّة الذين ارتفعَتْ درجتُهم عن عوامِّ المتعبِّدين". [5]

 

1) فليس الحمدُ قاصِراً على تسمِيةِ الفاتحة بسورة (الحمد)؛ بل الحمدُ يكتنفُ السورةَ كلَّها مِن مَطلَعِها إلى خِتامِها؛ ويمثل مع الدعاء مِحْوَرَين مُتكامِلَين للسورةِ؛ ولذلك ذكر النووي - رحمه الله - أنها سُمِّيَتْ: "سورة الحمد؛ لأنَّ فيها الحمد". [6] فقد اختصَّ الحمدُ والثناءُ والتمجيدُ بالنصف الأولِ من السورة، وكان ذلك تمهيداً للنصفِ الآخر؛ وهو الدعاء.

 

فـ(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ)[7] تَعنِي افتِقارَ العَبدِ إلى رحمةِ الله - عز وجل -، ولله دَرُّ الرازي - رحمه الله - حيث قال: "إنَّ قولَه: (بسم الله الرحمن الرحيم) يتعلَّقُ بِفِعلٍ لا بُدَّ مِن إضْمارِه. والتقديرُ: بإعانةِ اسمِ اللهِ اشْرَعُوا في الطاعات ـ أو ما يجري مجرى هذا المُضْمَر ـ ولا شك أن استماعَ هذه الكلمة يُنبِّه العقلَ على أنه لا حولَ عن معصيةِ اللهِ إلا بعِصْمةِ الله، ولا قوةَ على طاعةِ الله إلا بتوفيقِ الله. ويُنبِّه العقلَ على أنه لا يتمُّ شيءٌ مِن الخيراتِ والبركاتِ إلا إذا وقعَ فيه الابتداءُ بذِكرِ اللهِ. ومِن المعلومِ أنَّ المقصودَ من جميعِ العباداتِ والطاعاتِ حُصُولُ هذه المعاني في العُقول؛ فإذا كان له هذه الكلمة يُفيدُ هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية؛ دخل هذا القائلُ تحت قولِه: (كنتم خيرَ أُمةٍ أُخرِجَتْ للناسِ تأمُرون بالمعروفِ وتنهَوْنَ عن المُنكَرِ)؛ لأن هذا القائلَ بسبب إظهارِ هذه الكلمةِ أمر بما هو أحسن أنواعِ الأمرِ بالمعروفِ، وهو الرُّجوعُ إلى الله بالكُلِّيَّةِ والاستعانةِ به في كلِّ الخيرات". [8]

 

ورَحِمَ الله ابن عبد الوهاب حيث قال: "أما البَسمَلةُ فمَعناها: أدخُلُ في هذا الأمرِ مِن قِراءةٍ أو دُعاءٍ أو غيرِ ذلك (بسم الله) لا بِحَوْلِي ولا بِقُوَّتِي، بل أفعلُ هذا الأمرَ مُستَعِيناً بالله، ومُتبرِّكاً باسمِه تبارك وتعالى، هذا في كل أمرٍ تُسَمِّي في أوَّلِه مِن أمرِ الدِّينِ أو أمرِ الدنيا، فإذا أحْضَرتَ في نفسِك أنَّ دُخولَك في القراءةِ بالله مُستعيناً به، مُتبرِّئاً مِن الحولِ والقوةِ؛ كان هذا أكبرَ الأسبابِ في حُضُورِ القَلبِ، وطَردِ الموانِعِ مِن كلِّ خَير". [9]

 

ولهذا المعنى جاءت البسملة مُصاحبةً لكثيرٍ من أعمالِ المسلم وسلوكِه، مما يؤكِّد افتقارَ المسلمِ إلى رحمةِ مولاه في كلِّ حينٍٍ، كما قال القرطبي - رحمه الله -: "نَدَبَ الشرعُ إلى ذِكْرِ البسملةِ في أولِ كلِّ فعلٍ: كالأكلِ والشُّربِ والنَّحرِ والجِماعِ والطهارةِ ورُكوبِ البحرِ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ قال الله - تعالى -: (فكُلُوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه)، وقال: (ارْكَبُوا فيها بسم الله مجريها ومرساها)، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (أغلِقْ بابَك واذكُرِ اسمَ الله، وأطفىءْ مِصباحَك واذكُرِ اسمَ الله، وخَمِّرْ إناءك واذكُرِ اسمَ الله، وأوْكِ سِقاءك واذكُرِ اسمَ الله). وقال: (لو أنَّ أحدَكم إذا أرادَ أن يأتِيَ أهلَه قال: بسم الله؛ اللهم جَنِّبْنا الشيطانَ وجَنِّبْ الشيطانَ ما رزقتَنا؛ فإنه إنْ يُقدَّرْ بينهما ولدٌ في ذلك؛ لم يضرَّهُ شيطانٌ أبداً). وقال لعُمَر بن أبي سلمة: (يا غلامُ سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِيَمينِك، وكُلْ مِما يَلِيك)، وقال: (إنَّ الشيطانَ لَيَسْتَحِلُّ الطعامَ ألا يُذكَرَ اسمُ الله عليه)، وقال: (مَنْ لم يذبحْ فلْيذبحْ باسم الله)، وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وَجَعاً يجده في جسدِه منذ أسلم؛ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (ضعْ يدَك على الذي تألم من جسدِك وقلْ: (بسم الله) ثلاثاً، وقلْ سبعَ مرات: أعُوذُ بعزةِ الله وقُدرتِه مِن شرِّ ما أجِدُ وأحاذِرُ). هذا كلُّه ثابتٌ في الصحيح". [10]

 

وما أحسنَ قولَ الرازي - رحمه الله -: "إنَّ نُوحاً - عليه السلام - لما ركبَ السفينةَ قال: (بسم الله مجراها ومرساها)؛ فوجدَ النجاةَ بنصفِ هذه الكلمة؛ فمَن واظبَ على هذه الكلمةِ طُولَ عُمرِه كيفَ يَبقَى مَحروماً مِن النجاة؟ وأيضاً إنَّ سليمان - عليه السلام - نالَ مملكةَ الدنيا والآخرة بقولِه: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)؛ فالْمَرْجُوُّ أنَّ العبدَ إذا قاله فاز بمُلكِ الدنيا والآخرة". [11]

 

2) وأما (الرحمن الرحيم) فاسمان يقتضيان حمدَ الله - عز وجل -؛ لأنهما ينطِقان بنعمةِ الله ورحمتِه؛ فكلما أثْنَى به العبدُ على مولاه؛ تعرَّضَ لمزيدِ رحمتِه وعنايتِه، كما قال السعدي - رحمه الله -: "اسمان دالان على أنه - تعالى -ذو الرحمةِ الواسِعةِ العظيمةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شَيءٍ، وعَمَّتْ كلَّ حيٍّ، وكَتبَها لِلمُتقِين المتبِعِين لأنبيائه ورُسُلِه؛ فهؤلاء لهم الرحمةُ المطلقة، ومَن عَداهم فلهم نصيبٌ منها". [12] ومعلومٌ أنه "مِن القَواعِدِ المتفَقِ عليها بين سَلَفِ الأمةِ وأئمتِها: الإيمان بأسماءِ الله وصفاتِه، وأحكامِ الصفات؛ فيؤمِنون مثلاً بأنه (رحمن رحيم)، ذو الرحمةِ التي اتَّصَفَ بها، المتعلِّقة بالمرحومِ؛ فالنِّعَمُ كلُّها أثَرٌ مِن آثارِ رَحمتِه، وهكذا في سائرِ الأسماء". [13]

 

ورَحِمَ الله صاحبَ الظلالِ حيث قال: "والبَدْءُ باسْمِ الله هو الأدَبُ الذي أوْحَى الله لِنَبيِّه في أولِ ما نَزَلَ مِن القرآنِ باتفاقٍ، وهو قولُه - تعالى -: (اقرأ باسمِ ربِّك). وهو الذي يتفقُ مع قاعدةِ التصوُّرِ الإسلامي الكبرى: مِن أنَّ اللهَ (هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ). فهو - سبحانه - الموجودُ الحقُّ الذي يَسْتَمِدُّ منه كلُّ مَوجودٍ وُجُودَه، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه؛ فبِاسْمِه إذن يكونُ كلُّ ابتداء، وباسْمِه إذن تكونُ كلُّ حركةٍ وكلُّ اتجاه. ووَصْفُه - سبحانه - في البدءِ بـ(الرحمن الرحيم) يَستَغرِقُ كلَّ معاني الرَّحمةِ وحالاتها...وإذا كان البدءُ (بسم الله) وما ينطوي عليه من توحيدٍ للهِ وأدبٍ معه يمثل الكليةَ الأولى في التصوُّرِ الإسلامي؛ فإنَّ استِغراقَ معاني الرَّحمةِ وحالاتها ومجالاتها في صِفَتَيْ (الرحمن الرحيم) يُمثِّلُ الكليةَ الثانية في هذا التصوُّرِ، ويقرِّرُ حقيقةَ العلاقةِ بين اللهِ والعِباد".[14]

 

3) ثم مِن بعد ذلك يجيء التصريحُ بالحمد، [15] وهو ـ مع الدعاء ـ المحورُ الذي تدور عليه سورة الفاتحة: (الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ). [16] ورَحِم الله سيد قطب حيث قال: "وعَقِبَ البدءِ (بسم الله الرحمن الرحيم) يجيء التوجُّهُ إلى الله بـ(الحمد) ووَصْفُه بالرُّبُوبِيةِ المطلَقةِ للعالَمِين: (الحمد لله رب العالمين). والحمد لله هو الشعور الذي يفيضُ به قلبُ المؤمنِ بمجرَّدِ ذِكرِه لله؛ فإنَّ وُجودَه ابتداءً ليس إلا فَيضاً مِن فُيوضاتِ النِّعمةِ الإلهيةِ التي تَسْتَجِيشُ الحمدَ والثناءَ. وفي كلِّ لَمْحةٍ وفي كلِّ لَحظةٍ وفي كلِّ خطوةٍ تتوالى آلاءُ الله وتتواكبُ وتتجمَّعُ وتغمُرُ خَلائقَهُ كلَّها، وبخاصةٍ هذا الإنسان؛ ومِن ثَمَّ كان (الحمد لله) ابتداء، وكان (الحمد لله) خِتاماً قاعِدةً مِن قواعِدِ التصوُّرِ الإسلامي المباشِر: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمدُ في الأولى والآخرة)". [17]

 

ولله دَرُّ ابن عاشور - رحمه الله - ما أحسنَ قولَه: "لما لُقِّنَ المؤمنون هاته المناجاةَ البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطةِ بها في كلامِه غيرُ عَلاَّمِ الغُيوبِ - سبحانه - قُدِّمَ (الحمد) عليها؛ لِيضعَه المناجُون كذلك في مُناجاتِهم جرياً على طريقةِ بُلَغاءِ العربِ عند مُخاطبةِ العظماءِ أنْ يَفْتَتِحُوا خِطابَهم إياهم وطِلْبَتَهم بالثناءِ والذِّكرِ الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:

 

أأذكُرُ حاجتي أم قدْ كفاني =حَياؤك إنَّ شِيمَـتَك الحياءُ

إذا أثْنَـى عليكَ المرءُ يوماً =كفـاه عن تعرُّضِهِ الثنـاءُ!

 

فكان افتتاحُ الكلامِ بالتَّحميدِ سُنَّةَ الكتابِ المجيدِ لِكلِّ بَلِيغٍ مُجِيدٍ؛ فلم يَزَلْ المسلمون مِن يومِئذ يُلَقِّبُون كلَّ كلامٍ نَفِيسٍ لم يَشتمِلْ في طالعِه على الحمدِ بالأبْتَر". [18]

 

4) فالابتداءُ بالحمدِ شهادةٌ لله جلَّ جَلالُه بجميعِ المحامدِ، كما قال الرازي - رحمه الله -: "الذي يُحمَدُ ويُمدَح في الدنيا؛ إنما يكون كذلك لِوُجوهٍ أربعةٍ: إما لكونِه كامِلاً في ذاتِه وفي صِفاتِه مُنَزَّهاً عن جميعِ النقائصِ والآفات، وإن لم يكنْ منه إحسانٌ إليك، وإما لكونِه مُحْسِناً إليك ومُنْعِماً عليك، وإما لأنك تَرْجُو وُصُولَ إحْسانِه إليك في المستقبَل مِن الزمان، وإما لأجْلِ أنك تكونُ خائفاً مِن قَهرِه وقُدرتِه وكمالِ سَطوتِه؛ فهذه الحالاتُ هي الجِهاتُ الموجبةُ للتعظيم؛ فكأنه - سبحانه وتعالى - يقول: إنْ كنتم ممن تُعظِّمون الكمالَ الذاتيَّ؛ فاحمدوني فأني إلهُ العالمين، وهو المرادُ من قوله: (الْحَمْدُ لله)، وإنْ كُنتم ممن تُعظِّمون الإحسانَ؛ فإني (رب العالمين)، وإنْ كنتُم تُعظِّمون للطمعِ في المستقبل؛ فأنا (الرحمن الرحيم)، وإن كنتم تُعظِّمون للخوفِ؛ فأنا (مالك يومِ الدين)". [19]

 

5) والحمدُ زِينةُ الفَضائلِ وعَلامةُ الفِقهِ بِصِفاتِ الله - عز وجل -، ولله درُّ ابن عاشور حيث قال: "إنَّ الذي لَقَّنَ أهلَ القرآنِ ما فيه جِماعُ طَرائقِ الرُّشدِ بوجهٍ لا يُحِيطُ به غيرُ علامِ الغُيوب؛ لم يُهْمِلْ إرشادَهم إلى التحلِّي بزينةِ الفضائلِ وهي أن يقدروا النِّعمةَ حقَّ قَدرِها بشُكرِ المنعِم بها؛ فأراهم كيف يُتوِّجُون مُناجاتِهم بحمدِ واهبِ العقلِ ومانِحِ التوفيقِ؛ ولذلك كان افتِتاحُ كلِّ كلامٍ مُهِمٍّ بالتحمِيدِ سُنةَ الكتابِ المجيدِ". [20]

 

قال الرازي - رحمه الله -: "اعلمْ أنَّ تربيتَه - تعالى -لخلقِه مُخالِفةٌ لتربيةِ غيرِه، وبيانُه مِن وجوهٍ:

الأول: ما ذكرناه أنه - تعالى -يُربِّي عبيدَه لا لغرضِ نفسِه؛ بل لغرضِهم، وغيرُه يربُّون لغرضِ أنفسِهم؛ لا لغرضِ غيرِهم.

الثاني: أنَّ غيرَه إذا ربَّى فبقدرِ تلك التربيةِ يظهرُ النقصانُ في خزائنِه وفي مالِه وهو - تعالى -مُتعالٍ عن النقصانِ والضرر، كما - تعالى -: (وإنْ مِن شيءٍ إلا عندَنا خَزائنُه وما نُنَزِّلُه إلا بِقَدَرٍ مَعلُوم).

الثالث: أنَّ غيرَه من المحسنين إذا ألحَّ الفقيرُ عليه أبغضَه وحرَمَه ومنَعَه؛ والحقُّ - تعالى -بخلافِ ذلك، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: (إنَّ الله - تعالى -يحب الملحِّين في الدعاء).

الرابع: أنَّ غيرَه من المحسنين ما لم يُطلَبْ منه الإحسانُ لم يُعطِ؛ أما الحقُّ - تعالى -فإنه يُعطي قبلَ السؤال؛ ألا ترى أنَّه ربَّاك حالَ ما كنتَ جنيناً في رَحِمِ الأمِّ وحالَ ما كنتَ جاهِلاً غيرَ عاقلٍ، لا تُحْسِن أن تسألَ منه ووقاك وأحسنَ إليك مع أنك ما سألتَه وما كان لك عقلٌ ولا هدايةٌ.

الخامس: أنَّ غيرَه مِن المحسنين ينقطعُ إحسانُه إما بسببِ الفقرِ أو الغَيبةِ أو الموت؛ والحقُّ - تعالى -لا يَنقطعُ إحسانُه البتة.

سادساً: أنَّ غيرَه مِن المحسنين يختصُّ إحسانُه بقومٍ دون قومٍ، ولا يُمكِنُه التعميم؛ أما الحقُّ - تعالى -فقد وَصَلَ تَربيتَه وإحسانَه إلى الكُلِّ، كما قال: (ورَحْمَتي وَسِعَتْ كلَّ شيء)؛ فثبت أنه - تعالى -ربُّ العالمين، ومُحْسِنٌ إلى الخلائقِ أجمعين؛ فلهذا قال - تعالى -في حقِّ نفسِه: (الحمد لله ربِّ العالمين)". [21]

 

قال سيد قطب - رحمه الله -: "ومع هذا يَبلُغُ مِن فضلِ اللهِ - سبحانه - وفَيضِه على عَبدِه المؤمن، أنه إذا قال: الحمد لله كتبها له حسنة ترجح كل الموازين. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثهم أنَّ عبداً من عباد الله قال: (يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)؛ فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها. فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله وهو أعلم بما قال عبده: وما الذي قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها". [22]

 

6) فالحمدُ شهادةٌ لله - عز وجل - بالربوبيةِ؛ فإنَّ "الرَّب: هو المُربِّي جميعَ العالمين، وهم مَن سِوى اللهِ بِخَلْقِه لهم، وإعدادِه لهم الآلاتِ، وإنعامِهِ عليهم بالنِّعَمِ العظيمة، التي لو فَقَدُوها لم يُمْكِن لهم البقاء، فما بهم مِن نعمةٍ فمنه تعالى". [23] ومن هنا تظهر أهميةُ الحمدِ من الناحيةِ العَقَدية، كما قال سيد قطب - رحمه الله -: "الرُّبوبيةُ المُطلَقة هي مَفْرِقُ الطريقِ بين وُضوحِ التوحيدِ الكامِلِ الشامِلِ، والغَبَشِ الذي يَنشَأ مِن عدمِ وُضوحِ هذه الحقيقةِ بصورتِها القاطعة. وكثيراً ما كان الناسُ يجمعون بين الاعترافِ بالله بِوَصْفِهِ الْمُوجِد الواحِد للكونِ، والاعتقادِ بتعدُّدِ الأربابِ الذين يَتحكَّمُون في الحياة... فإطلاقُ الرُّبُوبيةِ في هذه السورةِ وشمولُ هذه الربوبيةِ للعالمين جميعاً: هي مَفرِقُ الطريقِ بين النظامِ والفَوْضَى في العقيدة؛ لتتَّجِهَ العَوالِمُ كلُّها إلى ربٍّ واحدٍ تُقِرُّ له بالسيادةِ المُطلَقة... ثم ليطمئن ضَمِيرُ هذه العوالمِ إلى رِعايةِ اللهِ الدائمةِ ورُبُوبيَّتِه القائمة، وإلى أنَّ هذه الرِّعايةَ لا تنقطِعُ أبداً ولا تفترُ ولا تَغيب". [24]

 

قال سيد قطب - رحمه الله -: "التوجُّهُ إلى اللهِ بـالحمدِ يُمثِّلُ شُعورَ المؤمنِ الذي يَستَجِيشُه مُجرَّدُ ذِكرِه للهِ... والله - سبحانه - لم يخلُقْ الكونَ ثم يتركُه هملاً؛ إنما هو يَتصرَّفُ فيه بالإصلاحِ ويرعاهُ ويُربِّيهِ. وكلُّ العوالِمِ والخلائقِ تُحفَظُ وتُتعهَّد برعايةِ الله (رب العالمين). والصِّلةُ بين الخالِقِ والخلائقِ دائمةٌ مُمْتَدةٌ قائمةٌ في كلِّ وَقتٍ وفي كلِّ حالة". [25]

 

7) ولو تأملنا هذه الرُّبوبيةَ المذكورةَ في الآية مُقترنةً بالحمدِ ومَشفوعةً بالرحمة؛ لأدركنا أنَّ الحمدَ ينبع مِن الشعورِ برحمةِ الله وتربيتِه للخلقِ، كما قال السعدي - رحمه الله -: "تربيتُه - تعالى -لِخَلقِه نوعان: عامةٌ وخاصةٌ. فالعامة: هي خَلقُه للمخلوقين، ورِزقُهم، وهِدايتُهم لما فيه مَصالِحُهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيتُه لأوليائه، فيربِّيهم بالإيمانِ، ويُوفِّقُهم له، ويُكمِّلُه لهم، ويدفعُ عنهم الصوارفَ والعوائقَ الحائلةَ بينَهم وبَينَه. وحقيقتُها: تربيةُ التوفيقِ لكلِّ خيرٍ، والعصمةِ مِن كلِّ شَرٍّ؛ ولعلَّ هذا المعنَى هو السِّرُّ في كَوْنِ أكثرِ أدعيةِ الأنبياءِ بلفظِ الربِّ؛ فإنَّ مَطالِبَهم كلَّها داخِلةٌ تحت رُبوبِيَّتِه الخاصَّة. فدلَّ قولُه: (ربّ العالمين) على انفرادِه بالخلقِ والملكِ والتدبيرِ والنِّعَمِ، وكمالِ غِناه، وتمامِ فقرِ العالمين إليه بكلِّ وَجهٍ واعْتِبارٍ". [26]

 

8) فالحمدُ في غايةِ الأهمية لِلعبدِ لِتعلُّقِه بِصِفاتِ الله جلَّ جلالُه وأثر هذه الصفاتِ على الخلقِ؛ وقد أحسنَ سيد قطب حيث أوضحَ ذلك بقولِه: "كانت عِنايةُ الإسلامِ الأُولى مُوَجَّهةً إلى تحريرِ أمرِ العقيدة، وتحديدِ التصوُّرِ الذي يستقرُّ عليه الضميرُ في أمرِ اللهِ وصِفاتِه، وعلاقتِه بالخلائقِ، وعلاقةِ الخلائقِ به على وجهِ القطعِ واليقينِ؛ ومِن ثَمَّ كان التوحيدُ الكاملُ الخالصُ المُجرَّدُ الشامل، الذي لا تَشوبُه شائبةٌ مِن قريبٍ ولا من بعيدٍ هو قاعدة التصوُّر التي جاء بها الإسلام، وظَلَّ يَجْلُوها في الضَّمير، ويتتبعُ فيه كلَّ هاجِسةٍ وكلَّ شائبةٍ حولَ حقيقةِ التوحيد؛ حتى يُخلِّصَها مِن كلِّ غَبَشٍ، ويَدَعَها مَكِينَةً راكِزةً لا يَتطرَّقُ إليها وَهْمٌ في صُورةٍ مِن الصُّوَر... والذي يراجع الجهدَ المتطاول الذي بذله الإسلامُ لتقريرِ كلمةِ الفصلِ في ذاتِ اللهِ وصِفاتِه وعَلاقتِه بمخلوقاتِه، هذا الجهد الذي تُمثِّلُه النصوصُ القرآنية الكثيرة، الذي يراجعُ هذا الجهدَ المتطاول دون أن يُراجعَ ذلك الرُّكامَ الثقيلَ في ذلك التِّيهِ الشامِلِ الذي كانت البشريةُ كلُّها تَهِيمُ فيه؛ قد لا يُدْرِك مدى الحاجةِ إلى كلِّ هذا البيانِ المؤكَّد المُكرَّر، وإلى كلِّ هذا التدقيقِ الذي يتتبعُ كلَّ مَسالكِ الضَّمِير. ولكن مراجعة ذلك الرُّكام تكشِفُ عن ضرورةِ ذلك الجهدِ المتطاول، كما تكشفُ عن مدى عَظمةِ الدَّوْرِ الذي قامَت به هذه العقيدةُ وتقومُ في تحريرِ الضميرِ البشري وإعْتاقِه وإطْلاقِه مِن عناءِ التخبُّطِ بين شتَّى الأرْبابِ وشتَّى الأوْهامِ والأساطِيرِ! وإنَّ جَمالَ هذه العقيدةِ وكمالَها وتناسُقَها وبَساطةَ الحقيقةِ الكبيرةِ التي تُمثِّلُها. كلُّ هذا لا يَتجلَّى للقلبِ والعقلِ كما يَتجلَّى مِنْ مُراجعةِ رُكامِ الجاهليةِ مِن العقائدِ والتصوُّراتِ والأساطيرِ والفلسفاتِ! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم. عندئذ تبدو العقيدةُ الإسلامية رحمةً، رحمةً حقيقيةً للقلبِ والعقلِ، رحمة بما فيها مِن جَمالٍ وبساطةٍ ووُضوحٍ وتناسُقٍ وقُرْبٍ وأُنْسٍ وتَجاوُبٍ مع الفِطرةِ مُباشِرٍ عَميقٍ" في ظلال القرآن 1/23-24.

 

9) ثم يأتي ذِكْرُ الرحمةِ مؤكَّداً مِن جَديدٍ في صِفَتَيْ: (الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ). [27] قال سيد قطب - رحمه الله -: "(الرحمن الرحيم) هذه الصفة التي تستغرقُ كلَّ معاني الرحمةِ وحالاتِها ومَجالاتِها تتكرَّرُ هنا في صُلْبِ السورةِ في آيةٍ مُستقلةٍ؛ لتؤكِّدَ السِّمةَ البارِزةَ في تلك الرُّبوبية الشامِلة؛ ولِتُثْبتَ قَوائمَ الصِّلةِ الدائمةِ بين الرَّبِّ ومَرْبُوبِيه، وبين الخالقِ ومَخلوقاتِه. إنها صلةُ الرحمةِ والرِّعايةِ؛ التي تَستجِيشُ الحمدَ والثناءَ. إنها الصِّلةُ التي تقومُ على الطمأنينةِ وتنبضُ بالمودةِ؛ فالحمدُ هو الاستجابةُ الفِطريةُ للرَّحمةِ النَّدِيةِ. إنَّ الربَّ الإلهَ في الإسلامِ لا يُطارِدُ عِبادَه مُطارَدةَ الخصومِ والأعداءِ كآلهةِ (الأولمب) في نَزَواتِها وثَوْراتِها كما تُصوِّرُها أساطِيرُ الإغريق. ولا يُدبِّرُ لهم المكايدَ الانتقاميَّة كما تزعُمُ الأساطيرُ المزوَّرة في (العهدِ القديم) كالذي جاء في أسطورةِ بُرج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين". [28]

 

قال الشنقيطي - رحمه الله -: "قوله - تعالى -: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هما وَصفان للَّهِ - تعالى -، واسمان من أسمائه الحسنى، مُشتَقان مِن الرحمةِ على وجهِ المبالغة، و(الرحمن) أشدُّ مُبالغةً من (الرَّحِيم)؛ لأنَّ (الرحمن) هو ذو الرحمةِ الشامِلة لجميعِ الخلائقِ في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، و(الرحيم) ذو الرحمةِ للمؤمنين يومَ القيامة. وعلى هذا أكثرُ العلماء. وفي كلامِ ابنِ جرير ما يُفهَمُ منه حكايةُ الاتفاقِ على هذا. وفي تفسيرِ بعضِ السلفِ ما يدلُّ عليه، كما قاله ابنُ كثير". [29]

 

ولله دَرُّ ابنِ القيم حيث قال: "قد جَمَعَت الفاتحةُ الوَسِيلَتَيْن: وهما التوسُّلُ بالحمدِ والثناءِ عليه وتَمْجيدِه، والتوسُّلُ إليه بِعُبُودِيَّتِهِ وتَوحِيدِهِ. ثم جاء سؤالُ أهَمِّ المطالِبِ وأنْجَحِ الرغائب: وهو الهدايةُ بعد الوَسِيلَتَين؛ فالدَّاعي به حَقِيقٌ بالإجابة. ونظيرُ هذا: دُعاءُ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يدعُو به إذا قام يُصلِّي من الليل، رواه البخاري في صحيحِه من حديث ابن عباس: (اللهم لك الحمد؛ أنتَ نُورُ السمواتِ والأرضِ ومَن فِيهِنَّ. ولك الحمدُ؛ أنتَ قَيُّومُ السمواتِ والأرضِ ومَن فِيهِنَّ. ولك الحمدُ؛ أنتَ الحقُّ، ووَعْدُك الحقُّ، ولقاؤك حَقٌّ، والجنة حقٌّ، والنارُ حَقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، والساعةُ حَقٌّ، ومحمد حقٌّ. اللهم لكَ أسلمتُ، وبك آمَنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ، وإليكَ أنَبْتُ. وبك خاصَمتُ، وإليك حاكَمْتُ؛ فاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنتَ إلهي لا إلهَ إلا أنتَ)؛ فذَكَرَ التوسُّلَ إليه بِحَمْدِه والثناءِ عليهِ وبعُبوديَّتِه له. ثم سألَهُ المغفرة". [30]

 

وما أحسنَ ما قاله البيضاوي - رحمه الله -: "إنما خَصَّ التسميةَ بهذه الأسماء؛ لِيَعلمَ العارفُ أنَّ المستحِقَّ لأنْ يُسْتَعانَ به في مَجامِعِ الأُمور، هو المعبودُ الحقيقيُّ الذي هو مَوْلَى النِّعَمِ كلِّها عاجِلِها وآجِلِها جَلِيلِها وحَقِيرِها؛ فيتوجَّهُ بشَراشِرِه إلى جَنابِ القُدُس، [31] ويَتمسَّكُ بِحَبْلِ التوفيقِ، ويَشغلُ سِرَّه بِذِكْرِهِ والاسْتِعْدادِ به عن غيرِه". [32]

 

10) وأما الآية الرابعة: (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فتمثل إشارةً إلى يومِ الجزاء: حيث الجنة للسعداء، والنار للأشقياء. قال الشنقيطي - رحمه الله -: "(مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لم يُبَيِّنْهُ هنا، وبَيَّنَهُ في قولِه: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً). والمرادُ بالدِّين في الآيةِ الجزاء. ومنه قولُه - تعالى -: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ)، أي جزاء أعمالهم بالعدل". [33]

 

فذِكرُ يومِ الدِّينِ قَطْعٌ لأماني الجاحِدِين الذين يعرفون نعمةَ الله ثم يُنكِرُونها ولا يشكرون الله عليها، كما قال سيد قطب - رحمه الله -: "(مالك يوم الدين) تُمثِّلُ الكلِّيَّةَ الضَّخمةَ العميقةَ التأثيرِ في الحياةِ البشريةِ كلِّها: كُلية الاعتقادِ بالآخرة. والمُلْكُ أقصَى درجاتِ الاستيلاءِ والسيطرةِ. و(يوم الدين) هو يومُ الجزاءِ في الآخرة. وكثيراً ما اعتقدَ الناسُ بألُوهِيةِ اللهِ وخَلْقِه للكونِ أولَ مَرةٍ؛ ولكنَّهم مع هذا لم يَعتقدُوا بيومِ الجزاءِ. والقرآنُ يقولُ عن بعضِ هؤلاء: (ولئن سَألْتَهم مَن خَلَقَ السماواتِ والأرضَ لَيَقُولن الله)، ثم يحكي عنهم في موضع آخر: (بل عَجِبُوا أنْ جاءهم مُنْذِرٌ مِنهم فقال الكافرون: هذا شيءٌ عَجِيبٌ أئذا مِتْنا وكُنا تُراباً ذلك رَجعٌ بَعِيد)"! [34] وقال السعدي - رحمه الله -: "(المالك) هو مَن اتَّصَفَ بصفةِ الملك التي مِن آثارِها أنه يأمُرُ ويَنْهَى، ويُثِيبُ ويُعاقِب، ويَتصرَّفُ بِمَمالِيكِه جميعَ التصرُّفات. وأضاف الملك لـ(يوم الدين)، وهو يوم القيامة، يومَ يُدَان الناسُ فيه بأعمالِهم خَيْرِها وشَرِّها؛ لأنَّ في ذلك اليومِ يظهرُ للخلقِ تمامَ الظُّهورِ كَمالُ مُلْكِهِ وعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وانقطاعُ أملاكِ الخلائقِ؛ حتى إنه يستوي في ذلك اليومِ الملوكُ والرَّعايا والعبيدُ والأحرارُ. كلُّهم مُذْعِنُون لِعَظَمَتِه، خاضِعُون لِعِزَّتِه، مُنْتَظِرُون لِمُجازاتِه، راجُون ثَوابَه، خائفُون مِن عِقابِه؛ فلذلك خَصَّه بالذِّكْرِ، وإلا فهو المالكُ لِيَومِ الدِّينِ ولغيرِه من الأيام". [35]

 

ورَحِمَ الله ابن عبد الوهاب حيث قال: "فمن عَرفَ تفسيرَ هذه الآية، وعَرَفَ تخصيصَ الملكِ بذلك اليوم، مع أنه - سبحانه - مالكُ كلِّ شيءٍ ذلك اليومَ وغيره، عرفَ أنَّ التخصِيصَ لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب مَعرفتِها دَخلَ الجنةَ مَن دَخَلَها، وبسببِ الجهلِ بها دَخلَ النارَ مَن دَخَلَها؛ فَيالَهَا مِن مسألةٍ لو رَحَلَ الرجلُ فيها أكثرَ مِن عشرين سنةً لم يُوَفِّها حَقَّها". [36] وقال البغوي - رحمه الله -: "إنما خَصَّ (يوم الدِّين) بالذِّكْرِ مع كَوْنِهِ مالِكاً للأيامِ كلِّها؛ لأنَّ الأملاكَ يومَئذٍ زائلةٌ فلا مُلكَ ولا أَمرَ إلا له، قال الله - تعالى -: (الملكُ يومَئذٍ الحقُّ للرحمن)، [37] وقال: (لِمَن الملكُ اليومَ للهِ الواحِدِ القَهار)، [38] وقال: (والأمْرُ يومَئذ لله)[39]". [40]

 

11) وقد بَيَّنَ العلماء أنَّ ذِكْرَ رُبُوبِيةِ الله للعالَمِين ورحمتِه ومُلكِه يوم الدينِ لبيانِ أنه جلَّ جلاله أحَقُّ بالحمد؛ بخلافِ غيرِه ممن لا يستحقُّ ذلك. قال النسفي - رحمه الله -: "هذه الأوصافُ التي أُجْرِيَتْ على اللهِ - سبحانه وتعالى - مِن كَوْنِهِ رَباًّ أي مالِكاً للعالمين ومُنعِماً بالنِّعَمِ كُلِّها ومالِكاً للأمرِ كلِّه يوم الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاصِ الحمد به في قولِه: (الحمْدُ للَّهِ)؛ دليلٌ على أنَّ مَنْ كانت هذه صفاته لم يكنْ أحدٌ أحقَّ منه بالحمدِ والثناءِ عليه". [41] وذكر البيضاوي أنه "للإشْعارِ مِن طريقِ المفهومِ على أنَّ مَنْ لم يَتصِفْ بتلك الصفاتِ لا يستأهِلُ أنْ يُحْمَدَ فضلاً عن أن يُعبَدَ". [42]

 

12) وفي الآية الخامسة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تأتي العبادةُ والاستِعانةُ ثَمرَتين لذلك الحمدِ المتقدِّم، والمعنى: يا أيها المحمودُ بكلِّ صِفاتِ الحمدِ والثناءِ نتوجهُ إليك يا ربَّنا بالعبادة ونستمد منك الإعانة، كما قال البغوي - رحمه الله -: "قوله: (نعبد): أي نُوَحِّدُك ونُطيعُك خاضِعِين، والعبادةُ: الطاعةُ مع التذلُّلِ والخضوع؛ وسُمِّيَ العبدُ عبداً لِذِلَّتِه وانقيادِه، يقال: طريقٌ مُعبَّدٌ أي مُذَلَّل". [43] وقال السعدي - رحمه الله -: "أي نَخُصُّك وَحدَك بالعبادةِ والاستِعانة". [44] وقال النسفي - رحمه الله -: "المعنى نخصُّك بالعبادة وهي أقصَى غايةِ الخضوعِ والتذلُّلِ، ونَخُصُّك بِطَلبِ المَعُونة؛ وعَدَلَ عن الغَيْبةِ إلى الخطابِ للالتفات... ومما اختصَّ به هذا الموضعُ أنه لما ذكَرَ الحقيقَ بالحمدِ والثناء، وأجْرَى عليه تلك الصِّفاتِ العِظامَ تعلَّقَ العِلمُ بِمَعلومٍ عظيمِ الشأنِ حقيقٍ بالثناءِ وغايةِ الخضوعِ والاستعانةِ في المهماتِ؛ فخُوطِبَ ذلك المعلومُ المتميِّزُ بتلك الصفاتِ فقيل: إياك يا مَن هذه صفاتُه نَعبد ونستعينُ لا غيرك. وقُدِّمَت العبادةُ على الاستعانة لأنَّ تقديمَ الوسيلةِ قبلَ طلبِ الحاجةِ أقربُ إلى الإجابة". [45]

 

13) فهذا مقامٌ عَظيمٌ لِمَعرفةِ الله - عز وجل - بِصفاتِ الكمال وإدراكِ حقيقةِ النفسِ؛ "فإنَّ الحامِدَ لما حمد الله - تعالى -ووَصفَه بعظيمِ الصفاتِ بلغَتْ به الفكرةُ مُنتهاها؛ فتخيَّلَ نفسَه في حَضرةِ الرُّبُوبِيَّة؛ فخاطَبَ ربَّه بالإقبالِ". [46] ورحمَ الله ابن القيم حيث قال: "لله درُّ أبي مَدْيَن حيث يقول: مَنْ تحقَّقَ بالعُبودية؛ نظرَ أفعالَه بعينِ الرِّياءِ، وأحوالَه بعينِ الدَّعْوى، وأقوالَه بعينِ الافتِراء. وكلَّما عَظُمَ المطلوبُ في قلبِك؛ صَغرتْ نفسُك عندك، وتضاءلَت القِيمةُ التي تبذُلها في تحصيلِه، وكلَّما شَهِدْتَ حَقِيقةَ الرُّبوبية وحَقيقةَ العُبودية وعَرفتَ اللهَ وعَرفتَ النَّفسَ؛ وتَبيَّنَ لك أنَّ ما معك مِن البضاعةِ لا يصلُحُ للمَلِكِ الحقِّ، ولو جِئتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَين خَشِيتَ عاقِبتَه؛ وإنما يَقْبَلُه بِكَرَمِه وجُودِه وتَفضُّلِه ويُثِيبُك عليه أيضاً بِكَرمِه وجُودِه وتَفضُّلِه". [47]

 

14) ومن لطائفِ المعاني وبدائعِ النظمِ القرآني هاهنا: اقترانُ العِبادةِ بالاستِعانة؛ فإنَّ الحامِدَ يعلم يقيناً أنَّ العِبادةَ لا تتيسرُ إلا بإعانةِ الله وتوفيقِه وفضلِه؛ كما قال الشنقيطي - رحمه الله -: "(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أي لا نطلب العونَ إلا منك وحدك؛ لأنَّ الأمرَ كلَّه بِيدِك وحدَك لا يملك أحدٌ منه معك مثقالَ ذرةٍ. وإتيانه بقولِه: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بعد قولِه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فيه إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي أن يتوكَّلَ إلا على مَنْ يَستحقُّ العبادة؛ لأنَّ غيرَه ليس بِيدِهِ الأمرُ. وهذا المعنى المشارُ إليه هنا جاء مبينًا واضِحًا في آياتٍ أُخَر كقولِه: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)، وقولِه: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، وقولِه: (رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَـاهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً)، وقولِه: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَـانُ ءامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)، وإلى غيرِ ذلك مِن الآيات". [48]

 

وقال السعدي - رحمه الله -: "ذكر (الاستعانة) بعد (العبادة) مع دُخولِها فيها؛ لاحتياجِ العبدِ في جميعِ عِباداتِه إلى الاستعانةِ بالله تعالى؛ فإنه إنْ لم يُعِنْهُ الله، لم يَحصُلْ له ما يُرِيدُه مِن فِعْلِ الأوامِرِ واجتنابِ النَّواهي". [49] وما أحسنَ تعبيرَ البيضاوي عن هذا المعنى بقولِه: "لما نَسَبَ المتكلِّمُ العِبادةَ إلى نفسِه؛ أوْهَمَ ذلك تبجُّحاً واعتِداداً منه بما يَصْدُر عنه، فعقَّبَه بقولِه: (وإياك نستعين)؛ ليدلَّ على أنَّ العبادة أيضاً مما لا يتم ولا يستتب له إلا بمعونةٍ منه وتوفيقٍ". [50]

 

ورحمَ الله ابنَ القيم حيث قال: "إنَّ القلبَ يعرض له مَرَضان عظيمان؛ إنْ لم يَتدارَكْهما تَرامَيا به إلى التَّلَفِ ولا بُدَّ، وهما: الرِّياءُ والكِبْرُ. فدواءُ الرياءِ بـ(إياك نعبد)، ودواءُ الكِبْر بـ(إياك نستعين)؛ وكثيراً ما كنتُ أسمعُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية قدَّسَ اللهُ روحَه يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء، و(إياك نستعين) تدفع الكبرياء؛ فإذا عُوفِيَ من مرضِ الرياء بـ(إياك نعبد)، ومن مرضِ الكِبْر والعُجبِ بـ(إياك نستعين)، ومن مرضِ الضلالِ والجهلِ بـ(اهْدنا الصراطَ المستقيم)؛ عُوفِيَ من أمراضِه وأسقامِه، ورَفَلَ في أثوابِ العافية، وتمَّتْ عليه النعمة؛ وكان من المنعَمِ عليهم". [51]

 

15) وأما الآيةُ السادسة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، فتتضَمَّنُ الاستِعانةَ بالله في تحصِيلِ أعْظمِ النِّعَم: وهي الهداية؛ وهي من رحمةِ الله التي يختصُّ الله بها الشاكِرِين، ويصرف عنها بِعَدْلِه الجاحِدِين. قال ابن القيم - رحمه الله -: "قوله: (اهدنا الصراطَ المستقيم) يتضمن طلبَ الهداية ممن هو قادرٌ عليها؛ وهي بيده إن شاء أعطاها عبدَه، وإن شاء منعه إياها. والهدايةُ: معرفةُ الحقِّ والعَملُ به؛ فمَن لم يَجْعَلْه اللهُ - تعالى -عالِماً بالحقِّ عامِلاً به؛ لم يكنْ له سَبِيلٌ إلى الاهتِداء؛ فهو - سبحانه - المُنْفَرِدُ بالهدايةِ الموجِبةِ للاهتداءِ التي لا يتخلَّف عنها، وهي جعلُ العبدِ مُريداً للهدى مُحِباً له مُؤثِراً له عامِلاً به. فهذه الهدايةُ ليسَتْ إلى مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرْسَلٍ، وهي التي قال - سبحانه - فيها: (إنك لا تَهْدِي مَن أحْبَبتَ ولكنَّ اللهَ يَهدِي مَن يشاء)، [52] مع قولِه - تعالى -: (وإنك لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُستقيم). [53] فهذه هدايةُ الدعوةِ والتعليمِ والإرشادِ. وهي التي هَدَى بها ثمودَ فاستَحَبُّوا العَمَى عليها، وهي التي قال الله - تعالى -فيها: (وما كان اللهُ لِيُضِلَّ قوماً بعد إذْ هَداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يتقون)؛[54] فهداهم هُدَى البَيانِ الذي تقومُ به حُجَّتُه عليهم، ومَنَعَهم الهدايةَ الموجِبةَ للاهتداءِ التي لا يَضِلُّ مَن هَداه اللهُ بها؛ فذلك عَدْلُه فيهم، وهذه حِكْمَتُه فأعْطاهم ما تقومُ به الحجةُ عليهم، ومَنعَهم ما ليسوا له بِأهْلٍ ولا يَلِيقُ بهم"! [55]

 

وما أحسنَ تَعبِيرَ الرازي - رحمه الله - عن ذلك بقولِه: "لما رأينا الأكثَرِين غَرِقُوا في بَحْرِ الضَّلالات؛ عَلِمْنا أنَّ الوُصولَ إلى الحقِّ ليس إلا بهدايةِ اللهِ تعالى؛ ومما يُقوِّي ذلك أنَّ كلَّ الملائكةِ والأنبياءِ أطبَقُوا على ذلك. أما الملائكةُ فقالوا: (سُبْحانَك لا عِلمَ لنا إلا ما علَّمْتَنا إنك أنتَ العَلِيمُ الحكيم)، وقال آدمُ - عليه السلام -: (وإنْ لم تَغفِرْ لنا وتَرْحَمْنا لَنكونَنَّ من الخاسِرِين)، وقال إبراهيم - عليه السلام -: (لئنْ لم يَهْدِني ربِّي لأكُونَنَّ مِن القومِ الضالِّين)، وقال يوسف - عليه السلام -: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وألْحِقْني بالصالِحِين)، وقال موسى - عليه السلام -: (رَبِّ اشْرَحْ لي صَدري) الآيات، وقال محمد - عليه السلام -: (ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لنا مِن لَدُنْكَ رَحمةً إنك أنتَ الوهَّاب)". [56]

 

16) فهِدايةُ الصراطِ المستقيم غايةٌ يسعى إليها الحامِدُون، ومَن حَصَّلَها طلبَ منها المزيد، كما قال البغوي - رحمه الله -: "هذا الدعاءُ مِن المؤمنين مع كَوْنِهم على الهدايةِ بمعنى التثبيتِ وبمعنى طَلَبِ مَزيدِ الهدايةِ؛ لأنَّ الألطافَ والهداياتِ مِن الله - تعالى -لا تتناهَى على مذهبِ أهلِ السنة... وقوله: (صراطَ الذين أنعمتَ عليهم) أي مَنَنْتَ عليهم بالهدايةِ والتوفيق، قال عكرمة: مَنَنْتَ عليهم بالثباتِ على الإيمانِ والاستقامةِ، وهم الأنبياءُ - عليهم السلام -، وقيل: هم كلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ على الإيمانِ مِن النبيِّين والمؤمنين الذين ذَكَرَهم الله - تعالى -في قولِهِ: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين)[57]". [58]

 

17) وتأمَّلْ ما ألْطَفَ العِبارةَ القُرآنية: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)! فسُلُوكُ طريقِ الهدايةِ نِعمةٌ من ربِّ العالَمين، وانخراطٌ في دَربِ الأنبياء والمصلِحين على مرِّ التاريخ، قال الشنقيطي - رحمه الله -: "لم يُبيِّنْ هنا مَن هاؤلاء الذين أنعمَ عليهم. وبيَّنَ ذلك في موضعٍ آخر بقوله: (فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّـالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً)". [59]

 

18) فالعَبدُ الحامِدُ يتوجهُ إلى الله بسؤالِ الهدايةِ في الدنيا والآخرة، كما قال السعدي - رحمه الله -: "أي: دُلَّنا وأرْشِدْنا ووَفِّقْنا للصراط المستقيم: وهو الطريقُ الواضحُ الموصِلُ إلى اللهِ وإلى جنَّتِه، وهو مَعرفةُ الحقِّ والعَملُ به. فاهْدِنا إلى الصراطِ، واهْدِنا في الصراطِ. فالهدايةُ إلى الصراطِ: لزومُ دينِ الإسلام، وترك ما سواه مِن الأديان، والهدايةُ في الصراطِ تشمل الهدايةَ لجميعِ التفاصيلِ الدينيةِ عِلماً وعملاً. فهذا الدعاءُ مِن أجمعِ الأدعيةِ وأنفعِها للعبد؛ ولهذا وَجَبَ على الإنسانِ أن يدعوَ الله به في كلِّ ركعةٍ مِن صلاتِه لضرورته إلى ذلك". [60]

 

ورَحِمَ الله ابنَ القيم حيث قال: "لَما كان طالِبُ الصراطِ المستقيم طالِبَ أمْرٍ أكثرُ الناسِ ناكِبُون عنه، مُريداً لسلوكِ طريقٍ مُرافِقُه فيها في غايةِ القلةِ والعزةِ. والنفوس مجبولةٌ على وِحشةِ التفردِ، وعلى الأُنْسِ بالرفيقِ؛ نبَّهَ اللهُ - سبحانه - على الرَّفيقِ في هذه الطريق، وأنهم هم الذين (أنعمَ الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئك رَفِيقا)؛ فأضاف الصراطَ إلى الرفيقِ السالكين له. وهم (الذين أنعَمَ الله عليهم)؛ ليزول عن الطالبِ للهدايةِ وسُلوكِ الصراطِ وِحشةُ تفرُّدِه عن أهلِ زمانِه وبني جِنسه، وليعلم أنَّ رفيقَه في هذا الصراط: هم (الذين أنْعَمَ الله عليهم)؛ فلا يكترث بمخالفةِ الناكِبِين عنه له؛ فإنهم هم الأقلُّون قَدْراً، وإن كانوا الأكثَرِين عَدَداً، كما قال بعضُ السلف: عليك بطريق الحقِّ، ولا تستوحش لقلِةِ السالِكين؛ وإياك وطريقَ الباطل، ولا تغترَّ بكثرةِ الهالكين؛ وكلما استوحشتَ في تفرُّدِك فانظرْ إلى الرفيقِ السابق، واحرص على اللحاقِ بهم. وغُضَّ الطَّرفَ عمَّن سِواهم؛ فإنهم لن يُغنُوا عنك مِن الله شيئاً. وإذا صاحُوا بك في طريقِ سيرِك، فلا تلتفت إليهم؛ فإنك متى التفتَّ إليهم أخَذُوك وعاقُوك". [61]

 

19) وأما الآية السابعة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ) فقد تضمَّنَت الاستعاذةَ مِن حالِ مَن أضَلَّه الله أو غَضِبَ عليه. قال الشنقيطي - رحمه الله -: "قال جماهيرُ من علماءِ التفسير: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): اليهود، والضالون: النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه -. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالِّين جميعًا مغضوبًا عليهم جميعًا؛ فإنَّ الغضبَ إِنما خصَّ به اليهود وإنْ شارَكَهم النصارى فيه لأنهم يعرفون الحقَّ ويُنكِرُونه ويأتون الباطل عمدًا؛ فكان الغضبُ أخصَّ صفاتهم. والنصارى جَهَلةٌ لا يعرفون الحقَّ؛ فكان الضلالُ أخصَّ صِفاتِهم". [62]

 

20) وقد وَرَدَ في صحيح مسلم ما يوضح ما في الفاتحة من الحمدِ والثناءِ والتمجيدِ، وثمرة ذلك مِن الفوزِ بنعيمِ الدنيا والآخرة التي تتمثل في الهداية إلى طريقِ الذين أنعمَ عليهم والنجاةِ مِن مَصِيرِ الذين أضلَّهم وغَضبَ عليهم. فقد روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يقول الله - تعالى -: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصفين. فنصفُها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل.. إذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين). قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال (الرحمن الرحيم). قال الله: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: (مالك يوم الدين). قال الله: مجَّدني عبدي. وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين). قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: (اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالِّين). قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). [63] فانظرْ هذه الصلة الوثيقة بين هذين النصفين؛ لتعيَ جلالةَ حق الله في الحمد والثناء، وفوزَ العبدِ المقبلِ على ربِّه بالدعاء!

 

وقد سَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - للقارىء والمأمومين بعد الثناءِ والدعاء أن يقولوا (آمين) في آخرِ الفاتحة؛ طلباً لقبولِ الدعاءِ، كما روى البخاري - رحمه الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين؛ فمَنْ وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه). قال البغوي: "معناه: اللهم اسمعْ واستجِبْ". [64]

 

ورحِمَ الله ابنَ القيم؛ ما أحسنَ قولَه: "لَما كان سؤالُ اللهِ الهدايةَ إلى الصراطِ المستقيم أجلَّ المطالبِ، ونيلُه أشرفَ المواهب؛ علَّمَ اللهُ عِبادَه كيفيةَ سؤالِه، وأمرَهم أن يُقدِّمُوا بين يديهِ حمدَه والثناءَ عليه، وتمجيدَه. ثم ذكَرَ عُبودِيَّتَهم وتوحيدَهم. فهاتان وسيلتان إلى مَطلوبِهم: توسُّلٌ إليه بأسمائه وصِفاته، وتوسُّلٌ إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء. ويؤيِّدُهما الوسيلتان المذكورتان في حَدِيثَي الاسم الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد و الترمذي. أحدهما: حديث عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه قال سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يدعو، ويقول: اللَّهم إني أسألك بأني أشهدُ أنك الله الذي لا إله إلا أنتَ الأحدُ الصمدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكنْ له كُفواً أحد. فقال: والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئل به أعطى، قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. فهذا توسُّلٌ إلى اللهِ بتوحيدِه، وشهادةُ الداعِي له بالوحدانية... وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك، والشهادة به هو الاسم الأعظم". [65]

 

-----

[1] رواه البخاري 4/1704، 1913. في كتاب التفسير، باب (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون) حديث 4370، وفي كتاب فضائل القرآن، باب (فضل فاتحة الكتاب)، حديث 4720. ورواه أبو داود 2/71، في باب فاتحة الكتاب، حديث 1457. ورواه البيهقي في السنن الكبرى 2/368، حديث 3746.

[2] مدارج السالكين لابن القيم 1/7.

[3] تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص 39-40.

[4] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/110-111.

[5] الفوائد لابنِ القيم ص26-28.

[6] المجموع شرح المهذب للنووي 3/277، دار الفكر بيروت، ط1، 1417 هـ.

[7] الفاتحة 1.

[8] التفسير الكبير للرازي 1/210.

[9] في تفسير الفاتحة والمعوذتين.

[10] الجامع لأحكام القرآن 1/97-98.

[11] التفسير الكبير 1/175.

[12] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[13] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[14] في ظلال القرآن لسيد قطب 1/21.

[15] قال النسفي - رحمه الله -: "(الْحَمْدُ) الوَصفُ بالجميلُ على جِهَةِ التفضِيل". مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي 1/3. وقال الشنقيطي - رحمه الله -: "الألف واللام في (الْحَمْدُ)؛ لاستغراقِ جميع المحامِد. وهو ثناءٌ أثنَى به - تعالى -على نَفسِه؛ وفي ضِمْنِه أمْرُ عِبادِه أن يُثْنُوا عليه به" أضواء البيان 1/5. وقال ابن عبد الوهاب في (تفسير الفاتحة): "الألفُ واللامُ في قولِه: (الْحَمْدُ) للاستغراق أي جميعُ أنواعِ الحمدِ لله لا لغيرِه، فأما الذي لا صُنعَ للخلقِ فيه مثل خَلقِ الإنسانِ، وخلقِ السمعِ والبصرِ والسماءِ والأرضِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك فواضحٌ، وأما ما يُحمَد عليه المخلوقُ مثل ما يُثنَى به على الصالحين والأنبياءِ والمرسَلين، وعلى مَن فَعَلَ مَعروفاً خُصوصاً إنْ أسْداه إليك، فهذا كلُّه لله أيضاً بمعنى أنه خلقَ ذلك الفاعلَ، وأعطاه ما فعلَ به ذلك، وحبَّبَه إليه وقوَّاه عليه، وغير ذلك من أفضالِ اللهِ الذي لو يختلُّ بعضُها؛ لم يُحمَدْ ذلك المحمودُ؛ فصارَ (الْحَمْدُ لله) كلُّه بهذا الاعتبار". وقال السعدي - رحمه الله -: (الْحَمْدُ لله) "هو الثناءُ على الله بصفاتِ الكمال، وبأفعالِه الدائرة بين الفَضلِ والعَدلِ؛ فله الحمدُ الكامِلُ بجميعِ الوُجُوه" تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[16] الفاتحة 2.

[17] في ظلال القرآن 1/22.

[18] التحرير والتنوير 1/154.

[19] التفسير الكبير 1/235.

[20] التحرير والتنوير 1/152-153.

[21] التفسير الكبير 1/234-235.

[22] في ظلال القرآن 1/22.

[23] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[24] في ظلال القرآن 1/22-23.

[25] في ظلال القرآن 1/22.

[26] تيسير الكريم الرحمن ص 39. فالْمُوَفَّقُ من وَفَّقَه اللهُ لِطَلَبِ التوفيقِ؛ فـ"إنَّ موسى - عليه السلام - ذهبَ يحتطِبُ النارَ؛ فعادَ كَلِيمَ الواحِدِ القهَّار! " كما قال ابنُ القيم - رحمه الله -، ومَن الذي يَأمَنُ مَكْرَ اللهِ واللهُ يَحُولُ بين المرء وقلبه؟! ومَن الذي لا يخشى أن يكونَ ممن قال فيه ربُّ العالمين: (ولكنْ كَرِهَ اللهُ انبعاثَهم فثبَّطَهم وقيل اقعُدُوا مع القاعدين) التوبة 46.

[27] الفاتحة 3.

[28] في ظلال القرآن 1/24.

[29] أضواء البيان 1/5-6. قال: ويدلُّ له الأثرُ المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: الرَّحْمانِ رحمان الدنيا والآخرة، والرَّحِيم رحيم الآخرة. وقد أشار تعالىا إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ)، وقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)؛ فذكرَ الاستواءَ باسمه الرحمان لِيَعُمَّ جميعَ خَلقِه برحمتِه، قاله ابن كثير. ومِثلُه قولُه - تعالى -: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ)؛ أي: ومِن رَحْمانِيَّتِهِ: لُطْفُهُ بالطَّيْرِ، وإمْساكُهُ إياها صافاتٍ وقابضاتٍ في جَوِّ السماء. ومِن أظهرِ الأدلةِ في ذلك قولُه - تعالى -: (الرَّحْمَـنُ عَلَّمَ الْقُرْءانَ) إلى قوله: (فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذّبَانِ)، وقال: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) فخَصَّهم باسْمِه (الرحيم).

[30] مدارج السالكين 1/24.

[31] قولُه - رحمه الله -: (فيتوجَّهُ بشَراشِرِه إلى جَنابِ القُدس) كِنايةٌ عن شدةِ الإقبالِ، قال ابنُ فارس: "يقال: ألْقَى عليه شَراشِرَه: أي جَمَعَ ما انتشرَ مِن هِمَمِه لهذا الشيء، وشَغلَ هُمومَه كلَّها به". معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/181. نسأل الله أن يجعلَ همومَنا تعلُّمَ العلمِ النافعِ والإقبالَ على العملِ الصالح.

[32] أنوار التنزيل للبيضاوي 1/3.

[33] أضواء البيان 1/6.

[34] في ظلال القرآن 1/24.

[35] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[36] تفسير الفاتحة والمعوذتين لابن عبد الوهاب.

[37] الفرقان 26.

[38] غافر 16.

[39] الانفطار 19.

[40] معالم التنزيل للبغوي 1/53.

[41] مدارك التنزيل 1/4.

[42] أنوار التنزيل للبيضاوي 1/4.

[43] معالم التنزيل 1/53.

[44] تيسير الكريم الرحمن ص 39. قال: لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فكأنه يقول: نعبدك ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا نستعين بغيرك.

[45] مدارك التنزيل 1/5.

[46] التحرير والتنوير 1/179.

[47] مدارج السالكين 1/176.

[48] أضواء البيان 1/7-8.

[49] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[50] أنوار التنزيل 1/4.

[51] مدارج السالكين 1/54.

[52] القصص 56.

[53] الشورى 52.

[54] التوبة 115.

[55] شفاء العليل ص52-53. نقلا عن بدائع التفسير 1/108 جمع يسري السيد.

[56] التفسير الكبير1/277.

[57] النساء 69.

[58] معالم التنزيل 1/54.

[59] أضواء البيان 1/8.

[60] تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[61] مدارج السالكين 1/21-22.

[62] أضواء البيان 1/9. وقد نصَّ على ذلك كثيرٌ من المفسِّرين، كالبيضاوي في أنوار التنزيل 1/5، والبغوي في معالم التنزيل 1/55، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن ص 39.

[63] قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: "حقيقة هذه القس

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.081 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع