 |
|
 |
|
المؤسس و المشرف :
سعد بن زيد آل محمود |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
اليهود ونبذ العهود
|
|
|
|
|
|
ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
 ما هي هذه الخدمة؟؟
|
بسم الله الرحمن الرحيم
ما من أمة أكثر القرآن الحديث عنها وعن خلالها قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل اليهود، وذلك لحكم عظيمة وفوائد جليلة ليس هذا محل التفصيل فيها؛ ويكفي أن نشير إلى أمرين اثنين وهما: أن الله أراد من هذا التفصيل وهو أعلم وأحكم تعريف الصف المسلم بشيم القوم حتى يتفطن في التعامل معهم، وحتى لا يستغرب إقدامهم على خلال تأباها الفطر السليمة والعقول السوية. الأمر الآخر هو أن الله أراد أن يقول لهذه الأمة أن بني إسرائيل قد فضلوا واختيروا على العالمين من قبلكم، وكانوا محل عناية الله بـهم من خلال إرسال الأنبياء وغير ذلك من النعم الجليلة، لكن عندما لم يلتزموا أوامره وتمردوا عن شرعه حل بـهم النكال والتيه والذل والمسكنة إلى يوم الدين. كما أنه لن تقوم لهم قائمة إلا بحبل من الله أو من الناس، فعليك أمة الإسلام أن تتجنبي الوقوع في خلال القوم واتباع خطاهم حذو القذة بالقذة، فيحل بك ما حل بـهم من الإهمال في الدنيا والخسران يوم القيامة.
وفي هذه المناسبة وعلى ضوء التطورات الأخيرة على مستوى القضية الفلسطينية فيما عرف "باتفاق واي" أردنا الإشارة والوقوف على صفة من الصفات الملازمة لليهود ألا وهي نبذ العهود. والنبذ إلقاء الشيء من اليد وهو هنا استعارة لنقض العهد، شبه إبطال العهد وعدم الوفاء به بطرح شيء كان باليد، كما سموا المحافظة على العهد والوفاء به تمسكاً قال كعب بن زهير:
ولا تمسك بالوعد الذي وعدت *** إلا كما تمسك الماءَ الغرابيل
والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أخذ العهد على بني إسرائيل بالعمل بما أمروا به أخذاً مكرراً حتى سميت التوراة بالعهد، وقد تكرر منهم نقض العهد مع أنبيائهم ومن جملة العهد الذي أخذ عليهم، أن يؤمنوا بالرسول المصدق للتوراة. وأسند النبذ إلى فريق إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهود كما تؤذن به … أو احتراساً من شمول الذم للذين آمنوا منهم. وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله]بل أكثرهم لا يؤمنون[ وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفى حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال. ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر والأول أظهر[1]. قال جل في علاه: ]أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم[.
يقول القاسمي - رحمه الله - في تفسيره معلقاً على هذا النص[2]: ".. فالمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، لأن مثل ذلك، إذا قيل بـهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت. ودل بقوله: (أو كلما عاهدوا) على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه. بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم. فكأنه - تعالى - أراد تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن ذلك ليس ببدع منهم بل هو سجيتهم وعادتـهم وعادة سلفهم. على مابينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال. لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته، كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.
قال العلامة: واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم، فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفوا (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون)" اهـ.
وهذه شيمهم التي لم يتخلوا عنها فورِثوها وورّثوها كابراً عن كابر وأباً عن جد لا تزال تلاحقهم في هذا الزمان، رغم الإنجازات التي حققوها والضمانات والتنازلات التي تقدم لهم، يذكرنا بـهذا الأمر في ما يتعلق بصفة نبذ العهود، مراسل الإندبندنت اللندنية، روبرت فيسك، في مقال له حول اتفاق واي قائلاً[3]: "غريب، أليس كذلك؟! إن كل اتفاقية سلام في الشرق الأوسط لاحقة تعمل وبكل مكر ودهاء على إعادة صياغة الاتفاقيات الأصلية. فأول ترتيب كما نعلم، في أيامنا هذه، هو مؤتمر مدريد عام 1991، وثانيها كان اتفاقية أوسلو عام 1993، وثالثها اتفاقية الخليل عام 1997. والآن اتفاقية واي، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الماركة" أو الترتيب الرابع [لمفاوضات السلام]. وفي هذه المرة أيضاً سنلحظ الفرق الشاسع بينها وبين الترتيبات السابقة.
إنني لا أتكلم عن الطلب المفاجئ الذي تقدم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو، والمتمثل في المطالبة بإطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي جوناثون بولارد.
لا، أنا لا أتكلم عن هذا الأمر، بل أشير إلى [حقيقة أن كل اتفاقية تلغي ما سبقها ولا تبنى عليها]. ففي مؤتمر مدريد التقى العرب والإسرائيليون على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242 والذي ينص على ضرورة انسحاب الإسرائيليين من الأراضي العربية المحتلة في مقابل الأمن لجميع الدول (بما فيها إسرائيل بطبيعة الحال). محطة أوسلو التي عرفت باتفاقية "الأرض مقابل السلام" سمحت لإسرائيل بتحديد نسبة الأراضي التي ستسلمها [للسلطة الفلسطينية] في كل من غزة والضفة الغربية؛ وهذا يعني السماح للإسرائيليين بإعادة صياغة القرار رقم 242. اتفاقية الخليل، بالمقابل، سمحت للمستوطنين الإسرائيليين بالبقاء في المدينة ولكن ربطت الانسحاب الإسرائيلي بشرط تعهد منظمة التحرير الفلسطينية للعمل على إيقاف أعمال العنف ضد الإسرائيليين. والآن في اتفاقية واي، والتي أطلق عليها اسم "الأرض مقابل الأمن" [أصبح الهم الأساسي هو أمن الإسرائيليين] لاحظ كيف تم اختزال وحصر معنى كلمة سلام (PEACE) في مسألة الأمن لا غير.. " اهـ.
هكذا يسجل هذا الكاتب، هذه الصفة لليهود المدعومين من قبل أمريكا بكل ما تملك والذين شكلت الزعامات العربية المتواطئة الأرضية الخصبة لمثل خلالهم هذه أن ينظر إليها على أنـها شيء طبيعي وإنجاز لا مثيل له في زمن الضعف والتردي والهوان الذي أوصلت سياستهم الخرقاء الأمة إلى مستواه.
هذا الذي لاحظه الكاتب ليس جديداً بالنسبة لنا، كيف ونحن نقرأ صفات اليهود التي جبلوا عليها من خلال كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكنها شهادة تؤكد استحالة قيام "سلام دائم وشامل وعادل" كما يحلو للساسة أن يرددوا في كل مناسبة.
ومرة أخرى نقول: أنه لا يصدق اليهود، ويضع يده في أيديهم إلا من كانت أخلاقه كأخلاقهم، بل وأسوأ، قال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، فترى الذين في قلوبـهم مرض يسارعون فيهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة) [المائدة: 51 52]...
----------------------------------------
[1] - التحرير والتنوير لابن عاشور، [1/625].
[2] محاسن التأويل: [1/336].
"Security Comes From Peace، Not the Other Way Round"، Robert Fisk، The Independent، 24/10/1998. [3] .
|
تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن
ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.
الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.
لا توجد تعليقات
أرسال لصديق
|
|
|
|
|
|
أحصائيات
|
|
|
|
|

عدد المقالات (26769)
|
|

عدد الكتب (4770)
|
|

عدد الصوتيات (114455)
|
|
|
|
|
|
|
|
|