بسم الله الرحمن الرحيم
البيان/ بوصفهم «حراس النظام العلماني» المستوحى من العلمانية الغربية فإن من المفترض نظرياً أن جنرالات المؤسسة العسكرية التركية هم الأشد حماسة وحرصاً لمشروع انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، لكن النظرية شيء والواقع البراغماتي شيء مختلف تماماً، إذا قبلت تركيا كدولة عضو في الأسرة الأوروبية فإن أولى ضحايا هذا التحول ستكون الهيمنة السياسية للمؤسسة العسكرية التركية.
مجموعة الجنرلات الأتراك يدركون تماماً أن عضوية الاتحاد الأوروبي لها شروط محددة، وأن على رأس هذه الشروط أن يكون جهاز السلطة في الدولة طالبة العضوية مرتهناً إلى مبدأ سيادة القانون وليس سيادة العسكر، وبالتالي فإنه إذا قبلت تركيا بعد وفائها بالشروط؛ فإن ذلك سيعني بالحتمية نهاية الوصاية العسكرية على النظام الديمقراطي التركي.
والسؤال المصيري الذي يطرح: هل يسمح الاتحاد الأوروبي لتركيا بالانضمام حتى لو استوفت كامل الشروط؟
بعد انزوائهم لبضع سنوات خرج جنرالات تركيا الآن لاستعراض عضلاتهم السياسية ضد حكومة مدنية منتخبة، وخلال هذه السنوات كثفت حكومة «حزب العدالة والتنمية» المساعي التركية للالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، وفي هذا السياق أحدثت الحكومة تغييرات إصلاحية سياسية كاسحة في مجال توسيع الحريات العامة، وتحجيم سلطات الأجهزة الأمنية في الاعتقال السياسي، وممارسة التعذيب؛ مما أدى إلى تقليص قدرة العسكريين في التدخل السياسي، وترسيخ المبادئ الديمقراطية بصورة لم تعرفها تركيا من قبل، واكتسب النظام الديمقراطي قوة إضافية عندما قرر الاتحاد الأوروبي في عام 2004م أن تبدأ مفاوضات العضوية مع تركيا في العام التالي.
ولكن منذ ذلك الحين وحتى اليوم أخذ الاتحاد الأوروبي يبعث من خلال العملية التفاوضية برسائل سلبية توحي بأن الاتحاد لن يسمح بدخول تركيا بأي حال من الأحوال، وقد ثبت أن الرفض الأوروبي مبني على عوامل دينية وثقافية، بعد أن تحول الرفض في التلميح إلى التصريح على ألسنة قيادات الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا.
وبناء على هذا التطور السالب تبلورت داخل تركيا ردتا فعل: أولاً: تدنت الحماسة الشعبية العامة نحو الانضمام إلى أوروبا من نسبة 70 في المئة إلى نسبة 30 في المئة كما توضح استطلاعات الرأي، ومن ناحية ثانية استرد طاقم الجنرالات ثقتهم بأنفسهم، وبالمستقبل السياسي للمؤسسة العسكرية، هذا هو ما ظهر جلياً في سياق الأزمة السياسية الأخيرة بشأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
على نحو فجائي خرج الجنرالات من بياتهم الشتوي ليذكروا حكومة حزب العدالة والتنمية بأن المؤسسة العسكرية فوق الدستور، وفوق النظام الديمقراطي، ما يستخلص من هذا كله أن قضية مصير تركيا لها بعد أوروبي، ومن هذا المنظور فإن الدول الأوروبية تتحمل مسؤولية مباشرة في انتكاسة الديمقراطية التركية.
والسؤال الأخير الذي يطرح هو: هل يمضي الجنرالات إلى آخر الشوط في حربهم على النظام الديمقراطي فيعمدون إلى تدبير انقلاب؟
لقد سبق أن أقام العسكر أربعة أنظمة انقلابية، لكن الظروف السياسية التركية مختلفة الآن، فقد نشأت أجيال صاعدة وجديدة يتوافر لها استعداد لمنازلة القوة العسكرية في الدفاع عن الديمقراطية.