بسم الله الرحمن الرحيم
بدأت المحاكم الإسلامية في الظهور كقوة عسكرية، لها جناحها المسلح الذي تفرض به الأمن وتقاوم بها الخارجين عليها في منتصف عام 2005، وما لبثت أن دانت لها مناطق واسعة في وسط الصومال وجنوبها، بما في ذلك العاصمة مقديشو، في أقل من ستة أشهر. وبنفس قوة الظهور وسرعته، كانت سرعة الاختفاء والانسحاب مما أوجد شكًا في قدرات المحاكم الإسلامية، بل ذهب البعض أنها تلاشت بالفعل ولن تقوم لها قائمة. ولما كانت قراءة الأحداث بإحدى العينين، والنظر للتاريخ بالعين الأخرى، كفيلاً أن يضمن لنا رؤية قريبة من الحقيقة. فنحن هنا سنقارن بين حركتين قريبتا الشبه ببعضها وهما حركة "طالبان" في أفغانستان و"المحاكم الإسلامية" في الصومال. وقد مرتا تقريبًا بنفس الظروف والأحداث. واضعين أيدينا على نقاط التشابه.
1ـ طلاب علوم شرعية مع سقوط نظام الرئيس السابق محمد سياد بري في العام 1991 وانتشار الفوضى والشغب في الصومال (بدأ ظهور المحاكم الشرعية في الصومال على يد الشيخ محمد معلم حسن الذي سعى لإنشاء محكمة شرعية في منطقة طورطيجلي جنوبي العاصمة مقديشو، بهدف الفصل بين المتخاصمين عبر الاحتكام إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، بالتعاون مع شيوخ القبائل) ومن هنا يتبين أن رواد وقادة المحاكم بل وأعضاءها هم من طلاب العلوم الشريعة. وكذلك كانت طالبان فترجع نشأتها كما يروي الملا عمر في أحد أحاديثه النادرة إلى أنه وجد أن "الفساد قد سيطر، واستشرى القتل والنهب حتى إن الأمر أصبح بيد الفسقة والفجرة..حتى إنه لم يكن أحد يتصور أن ينصلح الحال أبدًا، لكنني توكلت على الله التوكل المحض".صاح الملا في زملائه: ".. لا يمكن أن يستمر الوضع هكذا ونسكت ونكمل دراستنا ولا أعدكم بأن نوفر لكم الطعام سنطلب الطعام والمساندة من الشعب"، هكذا كان حال الملا عمر فهو طلاب العلوم الشريعة الذين درسوا في مدارس الشرعية وهؤلاء كانوا جنوده وأعوانه وهم من طلاب تلك المدارس الشريعة. وهذه أول ملاحظة نسجلها وهو أن العلم الشرعي "الذي يكفل صفاء العقيدة، ووحدة التلقي عن الله ورسوله لا عن أصحاب الآراء والرموز والقادة إضافة إلى أن العلم يدفع إلى قوة الإيمان والتوكل والوحدة بين العاملين" كان هو السمة البارزة التي تجمع الحركتين.
2ـ سلكوا طريق الجهاد من الواضح أيضًا أن المحاكم الإسلامية ومن قبلها حركة طالبان لم يستطيعا أن يسيطرا على الأمور إلا بعد أن خاضوا معارك تحرير وتطهير من العملاء والمنافقين والمرتزقة، وأنه بدون تلك الوسيلة ما كان يستطيعان الوصول لما وصلوا له. فبعد معارك كبيرة مع تحالف الشمال استطاعت حركة طالبان السيطرة على 90 في المائة من الأراضي الأفغانية، وكذلك المحاكم لم تستطع السيطرة على أجزاء وساعة من الصومال إلا بعد مهاجمتها أمراء الحرب والميليشيات المسلحة في الصومال. وتلك ثاني الملاحظات: أن لتعبيد الناس لله وتحكيم شرعه فيهم لابد من "كتاب يهدي وسيف يحمي"، وبدونها ستظل الثمار معلقة، ولن يستطيع أحد قطافها. وكلتا الحركتين اتخذت السبيل نفسه.
3ـ ليسوا تنظيمًا بالمعنى المفهوم لم تعرف المحاكم الإسلامية التنظيم الحركي بالمعنى المتبادر "الذي يحاط أعضاؤه بالسرية، أو الهرمية في القيادة، وكذلك يأطر الصفوف، ويقولب أعضاءه على مفاهيم محددة"، بل على العكس من ذلك فأكثر أعضاء المحاكم يغلب عليهم طلب العلم والحماسة للدين والرغبة في الجهاد وكشف الظلم وإخراج الطاغية من البلاد. لذلك فوصف الحركة هو أبلغ وأدق. وهذه "طالبان" التصق بها وصف الحركة في وسائل الإعلام، ولعلك تتبين الفارق في إطلاق مصطلح "تنظيم القاعدة" على جماعة "أسامة بن لادن". فالتنظيم الذي يفرض على أعضائه مفاهيم وأوامر معينة، ويعتمد مبدأ الطاعة شبه العمياء للقيادات والرموز وإلا تعرض المعارض للطرد، قد يكون عرضة للانشقاقات، لاحظنا بُعد حركتي "طالبان" و"المحاكم الإسلامية" عن ذلك الوصف، ولعله من الأمور المهمة التي تمنح القوة في وجه الأعداء، فعدم التنظيم يعني أمورًا منها:
1ـ المرونة في مواجهة الأعداء، لأن التنظيم يسهل كسر إرادته، أو اعتقال أو قتل قيادته، وهو ما يشكل إضعافًا له ولو إلى حين.
2ـ المرونة مع التيارات الإسلامية الأخرى، فالباب مفتوح للجميع مادام أن الاتفاق على الأصول متوفر، ولا توجد شروط أخرى للانضمام للعضوية كما تفعل التنظيمات.
وتلك هي الملاحظة الثالثة التي نريد أن نسجلها.
4ـ أرادوا تحكيم الشريعة بمعنى السياسي كان نموذج تطبيق الشريعة مفهومًا واضحًا لدى المحاكم وكذلك لدى طالبان، فعليك ملاحظة كيف منعت المحاكم السينما وتجارة القات في الصومال، ومثلها فعلت طالبان من قبل، فمنعت الموسيقى في الإذاعات ناهيك عن هدم أصنام بوذا. فكانت الشريعة هي المرجعية السياسية لهاتين الحركتين، بعيدًا عن فلسفلة الفن الإسلامي والمضمون الجيد وما إلى ذلك من تلك الأقوال.
5ـ اعتمدوا على الدعم الشعبي والقبلي المتمسك بالدين فحركة طالبان هي في معظمها من قبائل البشتون السنية، التي تشكل الأغلبية في أفغانستان فالطبيعة القبلية هي في مجملها قريبة من المفاهيم والانتماء الإسلامي، مما يحفظ على الشعب هويته، وكذلك الطبيعة في الصومال فالقبيلة هي المسيطرة فالمحاكم الإسلامية عند تأسيسها المجلس الأعلى للمحاكم الشرعية في مقديشو بلغ عددها 11. وترتبط 10 من تلك المحاكم بقبيلة الهويي الصومالية الكبيرة، وهو ما يعني أن الارتباط القبلي كان عاملاً على تكوين تلك المحاكم.
6ـ ظهورهم بعد تنازع أمراء الحرب ما إن خرج الاتحاد السوفيتي وانسحب من أفغانستان ودخلت قوات المجاهدين العاصمة كابول، حتى دب الصراع والتنازع على السلطة، وعمت الفوضى البلاد وتمزقت وسار كل أمير حرب منفرد بما تحت يده، وانتشرت في البلاد أعمال القتل والنهب والخطف والاغتصاب، ولعل حادثة اغتصاب إحدى المسلمات على يد قائد إحدى الميليشيات هي الشرارة التي أوقدت النار وجمعت حركة طالبان، وكانت إيذانًا بتوحد البلاد مرة أخرى تحت أيد شريفة نقية. وهكذا تمتعت المناطق التي تسيطر عليها المحاكم بالاستقرار الأمني، وقلما تقع فيها أعمال قتل وخطف. مما يعني أن تلك الحركات لم تتلوث يدها بتلك الأعمال الإجرامية التي قام بها أمراء الحرب في التجربتين الأفغانية والصومالية، وأنهم ليسوا طلاب دنيا ولا مناصب، وأن هدفهم الحقيقي فعلا هو توحيد البلاد، وإحلال الأمن على الأرواح والأموال في البلاد والعباد، وهو الباعث الحقيقي على التمسك الشعبي بهما وتمني عودتهما. فظروف النشأة، ووحدة الهدف، وطبيعة الطريق، والاعتماد على الدعم الشعبي، إلى جانب العداء الأمريكي والغربي لهما، تلك كانت أهم الأمور تقاسمتها الحركتان. فهل سنرى بعد تلك النظرة على واقع المحاكم الإسلامية، والتاريخ القريب لحركة طالبان، عودة قوية للمحاكم الإسلامية تقض مضجع المرتزقة الإثيوبية. هذا ما ستخبرنا به الأيام القادمة.