الليبرالية نشأتها ومجالاتها ( 1 – 2 )
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  من يكشف الكروب؟
  نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة
  بعض الدعوات المستجابات
  أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس
  العار الأكاديمي
قائمة أخر الكتب إضافة
  نظرات في حديث توسل الضرير
  أحد علماء الدولة العثمانية وكتابه (نقد المثنوي)
  بلوغ غاية الأماني في الرد على مفتاح التجاني
  أولياء الصوفية عند ابن تيمية في الفرقان
  التصوف من صور الجاهلية
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  طريق العزة
  وصايا للمسلمين عند النوازل والمحن
  رمضان نقطة تحول
  نصائح منهجية لطالب العلم
  النجاة من الفتن
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
الليبرالية نشأتها ومجالاتها ( 1 – 2 )

عبد الرحيم السلمي
أضيفت بتاريخ:   2007-11-29
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   135
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 



المقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

فإن موضوع "الليبرالية" له أهمية كبيرة في الدراسات الفلسفية والواقعية من جهتين:

الأولى: الغموض الذي يحيط بالمصطلح في نفسه وعدم تصور الكثير لدلالته ومفهومه.

الثانية: تأثر كثير من أبناء المسلمين به ، وكثرة الكلام حوله بعلم وبدون علم في أحيان كثيرة.

وقد كان جيل النهضة كما يسمونه ممن شارك في دعوة المسلمين إليه ونصحهم به، وصوَّر أن نهضة الغرب وقوة حضارته المادية كانت بسبب اعتناق هذا المذهب الفلسفي ، فكثر المطبلون له من كافة أطياف المجتمع.

وما هذه المعاناة التي نعاني منها في البلاد الإسلامية مثل القوانين الوضعيَّة،والفساد الأخلاقي، وانتشار الإلحاد ، وترويج مذاهب الكافرين إلا إفرازا لهذا المذهب الفاسد.

وربما تميَّز هذا المذهب عن غيره في قربه من التطبيق العملي ، وكونه سيال يحمل مذاهب متعددة مع بقائه على وصفه كمذهب فكري وبعد سقوط الشيوعية كآيديولوجية كانت تهدد الفكر الليبرالي الغربي اغتر الغربيون كثيرا بمبدأ (الليبرالية) وصاروا يبشرون به في كل محفل ويزعمون أنه هو خيار الإنسانية الوحيد فوظفوا طاقاتهم الفكرية والإعلامية بدعم سياسي واقتصادي رهيب لنقل هذا النور!! إلى الإنسانية كلها.

ولعل أبرز نتاج فكري يدل على الغرور الكبير بهذا المبدأ عند الغربيين كتاب (نهاية التاريخ) لمؤلفه فرانسيس فوكوياما وهو أمريكي الجنسية ياباني الأصل ، وقد ظهر فيه بوضوح مدى الغرور الكبير بهذا المنهج (الليبرالية) حيث اعتبرها فوكوياما نهاية التاريخ الإنساني وليس الأمريكي فحسب.

ولقد أستغل الغربيون الليبراليون الإمكانيات الكبيرة المتاحة لديهم لنقل هذا المذهب إلى أقصى الدنيا وصناعة الحياة الإنسانية على أسسه ومبادئه عن طريق القوة السياسية والاقتصادية وتوظيف وسائل الإتصالات التي تمكنهم من مخاطبة كل الناس وفي كل الأرض.

ولعل من أبرز نتائج الليبرالية في مجال الإقتصاد (العولمة) وما تحمله من مضامين فكرية وقيم أخلاقية وأنماط حضارية وهي تحمل الرغبة الغربية في السيطرة في كل اتجاه: الحربي والسياسي والقيمي والحضاري والإقتصادي.

فضلا عما تحمله من الدمار للإنسانية في معاشها الدنيوي وقد ظهرت آثار الرأسمالية في الحياة الغربية قبل مرحلة العولمة التي هي تعميم للرأسمالية على العالم كله.

مما جعل البعض يعتبر القرن الحادي والعشرين هو قرن المفكر الشيوعي (كارل ماركس) لما يرى من تكدس الثروة بيد طبقة من الناس وانتشار الفقر والعوز في الناس و أخذ الأموال من البشر بأي طريق ، والتفنن في احتكار السلع الضرورية وتجويع البشر وإذلالهم باسم الحرية الاقتصادية.

لقد أصبح من الواضح الجلي تأثير العالم الغربي في الحياة الإنسانية في كافة المجالات ، ونحن المسلمين جزء من هذا العالم الذي يتلقى التأثير من الغرب في كل وقت ، بل ربما نكون نحن معنيين بهذا التأثير أكثر من غيرنا لأننا مع ضعفننا وهواننا على الناس أمة منافسة في قوة الدين الذي نحمله وهذا ما جعل هنتجتون في مقاله (صراع الحضارات) ير شح المسلمين للصراع في المرحلة الحالية والقادمة كبديل للشيوعية بعد سقوطها أكثر من الجنس الأصفر (الصين واليابان ودول شرق وجنوب آسيا) لأن الدين الذي يحمله المسلمون فيه من عوامل البقاء والقدرة على الصراع وإمكان التفوق والصعود مرة أخرى ما يلاحظه أي مراقب في الحركة التاريخية والمسيرة الواقعية له.

والدعوة الإسلامية إذا استطاعت أن تواجه المشكلات الداخلية فيها - مثل التفرق والفوضوية و مخالفة الهدي النبوي وغيرها فان أكبر ما يواجهها هو التيار الليبرالي في البلاد الإسلامية.

ولهذا كان من الضروري دراسة الفكر الليبرالي ومعرفة حقيقته وأبعاده لمعرفة كيفية التعامل معه وإدارة المعركة معه بنجاح ، فكانت هذه الدراسة المختصرة التي تؤدي جزءا من المطلوب ، وأتمنى من الأخوة القراء التواصل معي فيما يفيد في خروج البحث في صورته القادمة ولكل من أهدى لي ملاحظة أو تصحيح أو فائدة أو توثيق الشكر والدعاء بالأجر والثواب.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه/ عبد الرحيم بن صمايل السلمي



المبحث الأول: مفهوم الليبرالية.

من الصعوبة بمكان تحديد تعريف دقيق لليبرالية ، وذلك بسبب تعدد جوانبها ، وتطورها من جيل إلى جيل.

يقول الأستاذ وضاح نصر:

"تبدو بلورة تعريف واضح ودقيق لمفهوم الليبرالية أمراً صعباً وربما عديم الجدوى. وفي حال تحديد الليبرالية نجد أن هذا التحديد لا ينطبق على عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين سيموا بسمة الليبرالية(1)

وقد قررت موسوعة لالاند الفلسفية الالتباس الحاصل في مفهوم الليبرالية؛ فجاء فيها "نرى من خلال التعريفات السابقة مدى التباس هذا اللفظ. ومما يزيد في الالتباس استعماله الطارئ المتداول في أيامنا للدلّ على الأحزاب أو النزعات السياسيَّة". (2)

وفي الموسوعة العربية العالمية "وتعتبر الليبرالية مصطلحاً غامضاً لأن معناها وتأكيداتها تبدَّلت بصورة ملحوظة بمرور السنين" (3)

وقال الدكتور يوسف القرضاوي: "وأمثال هذه المصطلحات التي تدل على مفاهيم عقائدية ليس لها مدلول واحد محدد عند الأوربيين. لهذا تفسر في بلد بما لا تفسر به في بلد آخر، وتفهم عند فيلسوف بما لا تفهم به عند غيره ، وتطبق في مرحلة بما لا تطبق به في أخرى.

ومن هنا كان اختلاف التعريفات لهذه المفاهيم، وكانت الصعوبة في وضع تعريف منطقي جامع مانع يحدد مدلولها بدقة. حتى اشتقاق كلمة "ليبرالي" نفسها اختلفوا فيه: هل هي مأخوذة من (ليبرتي) التي معناها الحرية كما هو مشهور أم هي مأخوذة من أصل أسباني؟ " (4)

ولكن لليبرالية جوهر أساسي يتفق عليه جميع الليبراليين في كافة العصور مع اختلاف توجهاتهم وكيفية تطبيقها كوسيلة من وسائل الإصلاح والإنتاج.

هذا الجوهر هو " أن الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف ، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان، وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه" (5)

يقول الأستاذ وضاح نصر:

"وإذا كان لليبرالية من جوهر فهو التركيز على أهمية الفرد وضرورة تحرره من كل نوع من أنواع السيطرة والاستبداد ، فالليبرالي يصبو على نحو خاص إلى التحرر من التسلط بنوعيه: تسلط الدولة (الاستبداد السياسي) ، وتسلط الجماعة (الاستبداد الاجتماعي) ، لذلك نجد الجذور التاريخيَّة لليبرالية في الحركات التي جعلت الفرد غاية بذاته ، معارضة في كثير من الأحيان التقاليد والأعراف والسلطة رافضة جعل إرادة الفرد مجرد امتداد لإرادة الجماعة" (6)

وأهم ما يميز الأدبيات الليبرالية الكلاسيكية المعاصرة هو اهتمامها المفرط بمبدأ الحرية ، حيث يفترض الفكر الليبرالي أن الحرية هي الغاية الأولى والرئيسيَّة التي يتطلع لها الفرد بطبيعته.

وأنه لا يوجد إجابة مطلقة للسؤال الفلسفي المشهور: ما هي الحياة المثلى للإنسان؟ لأن لكل فرد الحق والحرية في اختيار أسلوب الحياة الذي يناسبه. (7)

إذن: مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته تمثل نقطة انطلاق في الفكر الليبرالي بكل أطيافه ، وفي كل المجالات المختلفة.

وقد ورد في موسوعة لالاند أن "هذا الاسم (الليبرالية) عينه يدل خاصة على العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مثلها ، والعقائد التي ترى أن الحد من دور الدولة هو بمنزلة وسيلة أساسية لهذه الحرية" (8)

والأساس الفلسفي الذي ينطلق منه الفكر الليبرالي هو المذهب الفردي الذي يرى أن الحرية الفردية هدفاً وغاية ينبغي تحقيقها. وقد عُرِّفت الليبرالية مجموعة تعريفات بحسب المجال التي تعرَّف من خلاله. (9)

يقول منير البعلبكي: "والليبرالية تعارض المؤسسات السياسية والدينية التي تحد من الحرية الفردية... وتطالب بحقه في حرية التعبير وتكافؤ الفرص والثقافة الواسعة". (10)

وفي المؤسسة العربية أن الليبرالية: "فلسفة اقتصادية وسياسية تؤكد على الحرية والمساواة وإتاحة الفرص" (11)

وهذا التعريف ليس تعريفاً دقيقاً لمذهب فلسفي تغيَّر مفهومه مع السنين بسبب التقلبات الفكرية والسياسية والاجتماعية.

والحقيقة أن التعريف الدقيق لهذا المصطلح هو تعريفه بحسب المجال الذي يعرف من خلاله، نعرفها على النحو التالي: ليبرالية السياسة ، وليبرالية الاقتصاد ، وليبرالية الأخلاق... وهكذا. وهذا ما قامت به موسوعة لالاند الفلسفيّة.

وسيأتي تعريف كل نوع على حدة في مبحث مجالات الليبرالية.

وإذا تتبعنا مراحل الليبرالية التي مرت بها نجد أنها على النحو التالي: (12)

(1) مرحلة التكوين ، والمفهوم الأساسي في هذه المرحلة هو مفهوم ذات الإنسان باعتباره الفاعل صاحب الاختيار والمبادرة.

(2) مرحلة الاكتمال ، ومفهومها الأساسي هو مفهوم الفرد العاقل المالك لحياته وبدنه وذهنه وعمله ، وعلى أساس هذا المفهوم شيد علم الاقتصاد العقلي المخالف للاقتصاد الإقطاعي المتفكك ، وشيد علم السياسة العقلية المبني على نظرية العقد ، والمخالف لسياسة الاستبداد المترهل المنخور.

(3) مرحلة الاستقلال ، ومفهومها الأساسي هو مفهوم المبادرة الخلاّقة من المحافظة على الحقوق الموروثة ، والاعتماد على التطور البطيء ، وهو تطور من العقل الخيالي إلى الملك الواقعي.

(4) مرحلة التقوقع ، ومفهومها الأساسي هو مفهوم المغايرة والاعتراض وترك مسايرة الآراء الغالبة ، لأن الخلاف والاعتراض يبعد عن التقليد ويولد الإبداع.

ليس الغرض من بيان مراحل الليبرالية تاريخ تطور الفكر الليبرالي بل تحديد منظومة الأفكار المختلفة التي يتبين من خلالها خطأ إعطاء تعريف واحد لهذه الفلسفة صاحبة المفاهيم المتعددة.

ويلاحظ (رانزولي) أن هذه الكلمة تستعمل في إنكلترا خصوصاً بالمعنى الاقتصادي ، بينما تكاد تستعمل دائماً في إيطاليا بالمعنى السياسي الديني. (13)

ويحاول طوكفيل أحد أقطاب الليبرالية في القرن التاسع عشر أن يحدد معنى الحرية فيقول: "إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان نفترض فيه أنه خلق عاقلاً يستطيع حسن التصرف ، يملك حقاً لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلاً عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية" (14)ونظراً لكون الحرية مفهوماً عاماً يوصل إلى التعارض والتنازع بين الحريات المتناقضة فإن هيمون يتمنى أن توضع الليبرالية في مقابل النظرية الانفلاتية ، وهذا تغيير لمفهوم الحرية (الانفلات)"وعندئذ يمكن أن تكون الأولى (الليبرالية)معتبرة بوصفها النظرية الأخلاقية والسياسية التي تتوق إلى حرية الفرد أيما توق ، وتحدّ في الوقت نفسه من المطالبة أو الحصول على هذه الحريات عندما تغدو إباحيات مضرة بالآخر (بمعنى إعلان الحقوق) في المقابل يمكن للنظرية الانفلاتية أن تكون صورة للفردية التي لا تعترف بأي حد مألوف وقانوني للحرية الفردية فهي وحدها الحكم على حقوق الفرد وفقاً لقوته" (15)

ويقابل الليبرالية مجموعة من المصطلحات المناقضة لمفهوم الحرية بالمعنى الليبرالي مثل الاستبدادية (autocrtisme)(16) ، والحكومة الأوتوقراطية هي الحكومة الفردية المطلقة المستبدة ، و autocratic)) أي حاكم استبدادي. (17)

خلاصة:

الليبرالية لها مفاهيم متعددة بحسب ما تضاف إليه ، ويجمعها الاهتمام المفرط بالحرية ، وتحقيق الفرد لذاته ، واعتبار الحرية هدفاً وغاية في ذاتها.

فالليبرالية هي "نظرية الحرية" ، وهي نظرية ذات أطياف متعددة وجوانب مختلفة ، وبمقادير متفاوتة.

والحرية كما يلا حظ الباحث المدقق مفهوم عام يمكن أن يعني به الحرية المطلقة دون معنى محددا ، وقد يريد به البعض معنا محددا معينا.

ولكن المفهوم الفلسفي لهذا المذهب الفكري هو الحرية المطلقة التي لا تحدها الحدود ولا تمنعها السدود الا ما كان فيها تجاوز لحريات الآخرين على قاعدة (تنتهي حريتك حيث تبدأ حريات الآخرين).

ومن أستعمل هذا المصطلح لغير هذا المفهوم الشمولي فهو غير مصيب في استعمال المصطلح في غير مجاله وكان الأولى به البحث عن لفظ يناسب معناه غير هذا المصطلح.

وهذا يكشف مدى تردد الليبراليين العرب بين مفهوم المصطلح الفلسفي وبين انتسابهم للإسلام المناقض له من الجذور والأصول.



المبحث الثاني: الليبرالية عند جون ستوارت مل (18).

يعتبر (ملْ) من أبرز المفكرين الغربيين الذين نظّروا للفلسفة الليبرالية من خلال كتابه (في الحرية on librty) (19) والذي أصبح المصدر الأساسي لفكر الليبراليين العرب من أمثال أحمد لطفي السيد ، وطه حسين ، وحسين هيكل. (20)

أخذ (مل)موضوع الليبرالية من الجهة التطبيقية والاجتماعية ولم يناقشها من الناحية الفلسفية المجردة فيقول: "لا يتناول هذا المقال ما يسمى حرية الإرادة ، وهي التي تتعارض مع ما يدعى خطأ بفلسفة الضرورة ، ولكنه بحث في الحرية المدنية الاجتماعية". (21)

وقد تحدث (مل) عن حركة الفكر وقال عن المعتقدات الدينية: "ولا أقول أن الاعتقاد بصدق العقيدة مدعاة للعصمة ، بل إن ما أقوله إن ادعاء العصمة معناه إجبار الغير على قبول ما نراه في العقيدة دون أن نسمع رأيه فيها ، ولا أستطيع أن أدعي العصمة حتى وإن كانت لحماية أعز معتقداتي".

ويقيد مل الحرية حتى لا تصبح انفلاتية متناقضة فيقول: "كلما تعين ضرر واقع أو محتمل، إما للفرد وإما للعموم ينزع الفعل الذي يتسبب في الضرر من حيّز الحرية ليلحق بحيّز الأخلاق أو بحيّز القانون".

ويقول: "إن ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه ، وما يخص المجتمع فهو حق للمجتمع".

ويرى مل أن الدولة لابد أن يكون لها حَدّ معين تقف عنده لينمو رصيد الحرية عند الأفراد سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو غيره وأنه بدون ذلك سيتحول الأمر إلى استبداد حتى لو كان هناك حرية في مجال معين أو انتخاب تشريعي. (22)

يقول مل:

"إذا كانت الطرق والسكك والبنوك ودور التأمين والشركات بالمساهمة والجامعات والجمعيات الخيرية كلها تابعة لإدارة الحكومة ، وإذا أصبحت زيادة على ما سبق البلديات والجماعات المحلية مع ما يترتب عنها اليوم من مسؤوليات،أقساماً متفرعة عن الإرادة المركزية، إذا كانت الحكومة هي التي تعيّن موظفي تلك المصالح وتكافؤهم بحيث يعود أملهم في تحسين معاشهم معقوداً عليها ، إذا حصل كل هذا، حينئذ تصبح الحرية اسماً بلا مسمى، رغم المحافظة على حرية الصحافة وعلى انتخاب المجلس التشريعي بالاقتراع العام".

ورغم أن الديمقراطية من إفرازات الليبرالية إلا أن (مل) ينتقد الديمقراطية لأنه يعتبرها هيمنة للأكثرية على حرية الأقلية ولو كان فرداً واحداً.

يقول ملْ:

"إن مشكلة الحرية تُطرح بإلحاح داخل الدولة الديمقراطية.. بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية بقدر ما ينقص ضمان الحرية الفردية".

ويقول عن إنجلترا: "ليست هذه البلاد وطناً لحرية الفكر".

وتوضيح ذلك:

أن من مقومات الليبرالية المهمة ضرورة الاعتراض والمغايرة لينمو بذلك الفكر الحر أما إذا كانت الأمور مسلمة لا تحتمل النقد يجمد الفكر ويضمحل الابتكار.

يقول: "عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لا تحتمل النقد ، وأن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش محدد ، حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان".

ويعتبر ذلك من أبرز صور الاستبداد لأن مخالفة الجمهور وحيوية النقاش وبلورة الشخصية الفردية هي أساس التطور والتقدم والتحديث ، ومن لم يكن كذلك فلا تاريخ له بالمعنى الحقيقي.

يقول (مل):

"إن القسم الأكبر من الإنسانية لا يملك تاريخاً بالمعنى الحقيقي لأنه يئن تحت وطأة الاستبداد".



الدين في كتاب ستوارت ملْ (23)

يرى ملْ أن المجتمع الديني غير ليبرالي لأنه مجتمع في نظامه للحكم فردي استبدادي ، ونظامه الاجتماعي العام مؤسس (24)على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش المفتوح.

وهو ينتقد كل دين أو مجتمع متشدد في قوانينه الأخلاقية والدينية أي التي يضعها فوق النقاش. بما في ذلك المجتمع اليوناني في زمن نهضة العلوم ، والإصلاح الديني (البروتستانت) والمجتمع الإنجليزي والأمريكي.

ويصرح ملْ بنقد الدين في اعتراضه على تحريم تجارة الخمر ، فيقول: "إن التحريم يمس حرية الفرد لأنه يفترض الفرد لا يعرف مصلحته"

وكذلك تحريم أكل لحم الخنـزير ، فيقول: "إن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنـزير لأنهم يعافونه ، لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله ، فإنهم يمسون بحرية ذلك الغير".

وهو يعارض فكرة الحسبة لأنه يعتبر ذلك وضعاً للنفس في موضع الإله ، يقول: "إن الناس عندما ينهون غيرهم عن المنكر يعتقدون أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره ، بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي". ومن الطريف أن ستوارت ملْ يعود إلى الاعتراف بأهمية الحسبة ويناقض نفسه لمّا طرح الأسئلة التالية: هل يجوز السماح ببيع السم أو التبغ أو الخمر؟ هل يسمح للمرء أن يبيع نفسه لغيره؟ هل يجب إجبار المرء على التعلم؟ هل يجب تحديد النسل؟ ولنقارن الآن بين قول ملْ الآتي وبين إنكاره مفهوم الحسبة بأنه اتهام للإنسان أنه لا يعرف مصلحته يقول: "في كل قضية من القضايا السابقة إن عدم تدخل الدولة قد يؤدي إلى أن يضر المرء نفسه بنفسه: أن يبقى جاهلاً أو أن يبذر ماله أو أن يسمم أقرباءه أو أن يبيع نفسه ، ولكن إذا تدخلت الدولة ومنعت بعض الأنشطة ، فسيكون المنع بالنسبة للرجل العاقل تجنياً على حقه في التصرف الحر".



ويقول: " إذا كانت الدولة مسؤولة على تغذية الفقراء فلها الحق أن تحد النسل ، أما إذا تركت الناس ينجبون كما شاؤوا فليس عليها أن تعيل الفقراء" (25)

وهنا يناقض ملْ نفسه في عدة قضايا:

- في تدخل الدولة للمصلحة لأنه ليس كل إنسان يعرف مصلحة نفسه.

- في إبطال قاعدة أن الإنسان يعرف مصلحته ولا يحتاج إلى وصاية.

- في إنكار مبدأ الحسبة وتقييد الحريات المطلقة.



----------------------------------------

(1) الموسوعة الفلسفية العربية (المجلد الثاني القسم الثاني ص / 1155).

(2) موسوعة لالاند الفلسفية 2/725.

(3) الموسوعة العربية العالمية 21/247.

(4) الحلول المستوردة ص / 50 - 51

(5) مفهوم الحرية عبد الله العروي ص/ 39.

(6) الموسوعة الفلسفية العربية (المجلد الثاني - القسم الثاني 1155).

(7) مقال في صحيفة الأهرام العدد (132) إبريل 1998م: الليبرالية: نظرة نقدية دينا سماته ص / 47.

(8) موسوعة لالاند الفلسفية 2/726.

(9) انظر سلسلة تراث الإنسانية 4 / 473- 474.

(10) موسوعة المورد العربية 2 / 1050.

(11) الموسوعة العربية العالمية 21 / 247.

(12) انظر مفهوم الحرية عبد الله العروي ص / 39 40 (بتصرف).

(13) انظر موسوعة لالاند الفلسفية 2 / 726.

(14) الحالة الاجتماعية والسياسية في فرنسا سنة 1836م (ضمن المؤلفات الكاملة)2 / 62.

(15) موسوعة لالاند الفلسفية 2 / 726 727.

(16) المصدر السابق 2 / 726.

(17) انظر: المورد للبعلبكي ص /75

(18) انظر النصوص المنقولة عن جون ستوارت مل: كتابه في الحرية ضمن سلسلة تراث الإنسانية (الجزء الرابع).

(19) قسم ستوارت مل كتابه في الحرية إلى خمسة فصول ، أولها في فكرة الحرية ، والثاني: حرية الفكر والمناقشة ، والثالث: الفردية كعنصر من عناصر الحياة الطيبة ، والرابع: حدود سلطة المجتمع على الفرد ، والخامس: تطبيقات.

(20) انظر مفهوم الحرية عبد الله العروي ص / 42.

(21) المصدر السابق ص / 42.

(22) سيأتي تفصيل رأي الليبراليين في الدولة والاقتصاد في مبحث مجالات الليبرالية.

(23) النقول المنقولة عن كتاب (في الحرية)مأخوذة من مفهوم الحرية للعروي ص / 46 وقد صور العروي أن كلام (ملْ) هو نقد للإسلام. ويبدو أنه استنتاج من المؤلف ، وأن ملْ لم ينص على نقد الإسلام باسمه بل بالآراء التي توحي بذلك (هذا ما أراه).

(24) مفهوم الحرية عبد الله العروي ص / 46.

(25) حول الاقتصاد السياسي (عن مفهوم الحرية ص 531) .

RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.544 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع