 |
|
 |
|
المؤسس و المشرف :
سعد بن زيد آل محمود |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
البدعة في عصر العولمة
|
|
|
|
|
|
ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
 ما هي هذه الخدمة؟؟
|
بسم الله الرحمن الرحيم
يشير هذا العنوان - كما فهمت - بأن الحديث عن البدعة في عصر العولمة من نافلة القول أو من ساقطه، ورُبَّما كان ورود مثل هذه الفكرة الساخرة في هذه القضية وأمثالها سبباً تسويفياً في إسقاطات فكرية واجتماعية وثقافية تُمارس بلا وعي، وتدخل صاحبها والمتأثر به في فوضى وضبابية لا يدري بعدها أين يتجه.
العولمة تعني عند المعجبين بها والخائفين منها من غير الواعين لها ولجذورها تعني حالة جبرية لا يُمكن الانفكاك منها، وبذلك تصبح -عندهم- مفهوماً شمولياً ضارب الأطناب واسع الأرجاء، يُمكنه بكل بساطة أن يستوعب أو يضم كل مخالف له من مبدأ أو فكرة أو كيان.
وهذا تصنيم للعولمة ودينونة خضوعية لمتطلباتها وأدواتها والقوى القائمة خلفها، دينونة قائمة على الخوف منها أو الإعجاب بها والحب لها.
ومن هنا يقع الارتباك عند البعض ويبين ما يؤمن به ديناً، وما استقر في ذهنه عن العولمة فكراً وممارسة، ينتج من هذه الحالة الحالة غياب الضوابط والمعايير الشرعية، ولذلك أسباب أظهرها:
1 - المعرفة السطحية بالدين والمعرفة المفصلة بفكر وثقافة الآخر.
2 - النفسية المشحونة بالخوف والاضطراب وضعف الثقة.
3 - السلوكيات الشخصية أو الكتابية الخاطئة من بعض المتمسكين بالدين والسلوكيات المائلة نحو الانفلات من المتأثرين بالتيارات والأفكار المستعارة.
فهذه ثلاثة أسباب أحدها ذهني عقلي والثاني نفسي شعوري والثالث عملي أدت -مع غيرها- إلى هذه الحالة المركبة التي يعيشها بعض أبناء الجيل، فهو يريد المواءمة في حالة إيمانه بالدين واحترامه له بين هذا الذي يؤمن به إجمالاً ويحترمه، وبين المعطيات الحديثة.
ومِمَّا يزيد حالة الارتباك هذه الخلط الهائل والخطير بين ((مقتضيات العصر وأهواء العصر)) فمن لا يعرف الفرق بين الأمرين يقع في حالات مضطربة ورؤى مشوشة وخيبات أمل كبيرة.
ومِمَّا نحن بصدده هنا قضية ((البدعة)) حيث يوجد لبس كبير عند بعض المثقفين من التيارين ((الملتزم بالإسلام، والملتزم بغيره)) وخلط عجيب بين البدعة والإبداع والتقنية والإبداع.
فهناك من يرى أن أي مسلك أو مهارة أو فكرة لا يوجد عليها نص في القرآن والسنة فهي بدعة وضلالة، وبالتالي يجب أن تنفى وتطرح، وهناك من يرى أن أي مفهوم أو مذهب أو سلوك جديد ثبتت فائدته فإنه يجب أن يؤخذ ويعتنق.
وقد يستدل بعضهم في غمار تسويق الأفكار الحديثة المنافية للدين أو المخالفة له، بأننا قد استوردنا الحاسب والتلفاز والسيارة والطيارة، وأخذنا بها فما المانع أن نأخذ منهم الأفكار والمفاهيم، وهنا أعود إلى التذكير بقضية الخلط بين ((لوازم العصر وأمراض العصر)).
ولقد ولدت هذه الأفكار حالات من الانفصام الشديد في المجتمعات الإسلامية أدت إلى تغيير حالة الأمة الوجدانية، ومن بين الشعارات والتعابير المتطرفة برزت ذهنية الإقصاء المتمثلة في منع المحجبات من الدراسة والعمل والملتحين من دخول الجيش وصاحب الميول الديني من الممارسات العامة ((والأمثلة كثيرة ومعروفة))، ومن المعروف اجتماعياً أن المجتمع الذي تغيب عن ذهنه الضالة المنشودة للمعنى والمقصد الذي تكون منه وتركب على أساسه هو مجتمع ميت من حيث الجوهر.
ومن خلال الخمسين سنة الماضية تمكنت تلك التيارات من تكسير بعض مفاهيم الصلب الاجتماعي وتهشيم فقاره، ولولا بقية باقية من أهل المنهج السليم لكانت الكارثة أكبر.
ومن هذه المفاهيم مفهوم ((البدعة)) التي رُبَّمَا أصبح الحديث عنها في غمار وطيس تحقيق الهوية والانتماء الأساسي من نافلة القول.
فهناك من يستبعد قضية الهوية من الأصل، ويعتبر التعلق بها سبباً للتخلف، وهناك من يعادي هوية الأمة وروحها، وهناك وهناك ممن تطرفوا في المناوأة والاغتراب.
وهناك من استقرت عنده مسألة هوية الأمة وروحها ولكن يأتيه الغبيش من مسارب الشفيرات العديدة في التفكير والمعرفة الحديثة ومن سلطان المفاهيم العلمية والتقنية وضعف معرفته بالبوصلة الأصلية.
ومِمَّا ينبغي معرفته أن قضية البدعة مرتبطة في الأصل بمفهوم الدين ومفهوم العبودية لله رب العالمين، فالدين يعني الدينونة الكاملة لما جاء من عند الله - تعالى -من وحي ثابت، والعبودية تعني خضوع العبد لأمر الله - سبحانه - في كل شأن من شؤونه، وعلى هذا فإن أية زيادة في الدين أو نقصان منه أريد بها التعبد لله - تعالى -فهي بدعة مردودة على صاحبها.
وبهذا المفهوم الراسخ ينضبط نظام التدين عند الناس، ولا يبقى شيء من ذلك خارج السلطة الدينية الشاملة الكاملة، والبدعة بهذا المفهوم تعني كل ما فعل أو ترك بقصد القربة إلى الله - تعالى -مِمَّا ليس له أصل في الدين سواء كان من قبيل العبادات أو المعاملات أو العقائد أو العادات.
أمَّا العبادات المحضة والعقائد الدينية فدخول الابتداع فيها واضح جليّ كمثل من يزيد ركعة خامسة في صلاة رباعية أو يعتقد أن الله - تعالى -ليست له صفات أو يعتقد أن الملائكة ليسوا بعقلاء.
أمَّا المعاملات والعادات فالأصل فيها الإباحة وعدم المنع إلاَّ ما دلّ الدليل الشرعي على منعه، وتختلف عن العبادات من جهة أن العبادات لها وجه واحد هو التقرب لله والخضوع له، أمَّا المعاملات والعادات فلها أوجه عديدة منها تحقيق المصالح الدنيوية وتحصيل المآرب الذاتية، ولكنها لا تخلو من تعبد، ففيها التزام بأوامر الشرع العامة، وفيها مقصد عبادي يتمثل في قول بعض العلماء: ((النيات الخالصات تحول العادات إلى عبادات))، وفي الحديث النبوي: ((وفي بضع أحدكم صدقة)) لكن لو جاء شخص مّا - مثلاً - ولبس لوناً أخضر وقال بأن الصلاة في اللون الأخضر تقرب إلى الله نقول له حينئذٍ قد ابتدعت، ومثلاً ((حلق الرأس)) مسألة عادية لو فعلها تخففاً من مؤنة الشعر، وعبادة إذا فعلها بعد الحج أو العمرة، ومستحبة إذا كان للتطبب والبحث عن العلاج، وبدعة إذا حلق رأسه عند شيخه إعلاناً للتوبة كما تفعل بعض الطرق الصوفية.
بيد أن المعاملات والعادات تبقى على أصلها من حيث الإباحة حتى يرد عليها ما يستحق حكماً بالمنع الشرعي لبدعيته أو لمخالفته.
وعلى هذه القاعدة فإن الأمور الدنيوية والأحوال المعيشية والمنتجات التقنية والمهارات الإدارية تبقى على وصف الإباحة بل بعضها يأخذ صفة الوجوب الشرعي، بحسب الحاجة والضرورة، ولا تدخل في باب البدعة إلاَّ في حالات قليلة ونادرة.
والإسلام دعا إلى إعمال العقل وبذل الجهد لعمارة الحياة الدنيا في شتى نواحيها وتحصيل السعادة الدنيوية الحقيقية، والترقي في درجات النمو الحياتي، كما دعا إلى الثبات على أمور الدين كما جاءت في الوحي المعصوم.
والذي حصل في حياة المسلمين -للأسف- أنهم ابتدعوا في أمور الدين، والبدعة في الدين ضلالة، وجمدوا في أمور الدنيا والجمود في أمور الدنيا جهالة.
والمخرَج من هذه الدوّامة هو بالاعتصام الصادق بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والاجتهاد في الأخذ بأسباب التقدم الحقيقي التي هي من مقتضيات الرقي والمدنية، والفرز الصحيح بين هذه المقتنيات اللازمة والأدواء الفكرية والسلوكية والشعورية المصاحبة لها.
|
تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن
ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.
الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.
لا توجد تعليقات
أرسال لصديق
|
|
|
|
|
|
أحصائيات
|
|
|
|
|

عدد المقالات (26769)
|
|

عدد الكتب (4770)
|
|

عدد الصوتيات (114455)
|
|
|
|
|
|
|
|
|