بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم رسل الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
إن المتتبع لما يكتب في الساحات وفي غيرها حول قرار الأمانة العامة للمؤتمر العالمي لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي دعا إلى رفع المقاطعة عن « شركة آرلا » ليرى واقعا كنا نظن أننا تجاوزناه منذ زمن، ولكن للأسف يبدو أن البعض منا ما زال يعيش في أبراجه العاجية، أو في صومعته وعزلته الفكرية والمعنوية.
وبغض النظر عن موقفي الشخصي من القضية أود أن أطرح التساؤلات والأفكار التالية:
- هل وصل البعض منا إلى درجة ادعاء العصمة لرأيه أو لرأي شيوخه حتى لم يعد يتحمل مجرد المناقشة فيه فضلاً عن أن يخالَف. وصار البعض منا ممن ينكر مقولة المتصوفة « المريد مع شيخه كالميت على المغتسل » صار فريق من هؤلاء ينكرونها قولاً ويطبقونها عملاً أشد من تطبيق المتصوفة لها أحيانا. وصار من ينكر على الشيعة مبدأ عصمة الأئمة يقع في منهج عصمة الشيخ بحجة قوة الاجتهاد ونصاعة الدليل في زعمه. وصار البعض يطبل لرأيه أو رأي شيخه ولسان حاله {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.
- من الذي له حق الاجتهاد في قضايانا المعاصرة؟ وهل هذا الحق حكر على فئة دون أخرى؟ لقد ادعى أناس أن لهم الحق في النظر في قضايا الأمة المعاصرة دون غيرهم، ولو خرج غيرهم عن رأيهم فإنهم ينظرون هل هو من فريقهم أو من بلدهم أم من قوم آخرين...أليس باب الاجتهاد مفتوحاً لمن ملك أدواته؟ أم أنه مفتوح لمن يوافق رأينا وفكرنا أو جنسيتنا أو مذهبنا ومحرم على غيرهم؟ صحيح أن المؤتمر لم يستوعب كل علماء الأمة، لكنه حوَى نخبة من العلماء الأجلاء، فمن ينكر علم شيخنا الشيخ عبدالله بن بيه؟ ومن ينكر علم شيخنا الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي؟ ومن ينكر علم الشيخ يوسف القرضاوي؟ ومن ينكر علم الشيخ سلمان العودة؟ ومن ينكر علم الشيخ محمد الراوي؟ ومن ينكر علم الشيخ جعفر شيخ إدريس؟ ومن ينكر علم الشيخ حمزة الفعر؟ ومن ينكر علم الشيخ ناصر العمر؟ وغيرهم الكثير.
وقفة: من أقر بعلم هؤلاء العلماء كلهم أو بعضهم على الأقل فليتابع معي، ومن لم يقر فليتوقف هنا « لأنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل » ولأن من أراد الاجتهاد والنظر في قضية من القضايا فيجب عليه أن يكون على علم بأقوال أهل العلم فيها.
- لقد كنت ممن حضر المؤتمر ورأى وسمع كيف اختلف العلماء الأجلاء في هذه المسألة حيث طرحت قضية رفع المقاطعة عن « شركة آرلا » للنقاش المباشر، فكان رأي الشيخ عبد الله بن بيه ومعه الأغلبية تقريباً بمن فيهم المسلمين المقيمين في الغرب عموماً وفي الدانمارك خصوصاً، رفع المقاطعة عن آرلا، ورأى فريق آخر تأجيل رفع المقاطعة ودراسة الأمر للاستفادة من موقف الشركة بأكبر قدر ممكن، وكان فريق ثالث وهم قلة يرون عدم التوصية برفع المقاطعة عن « شركة آرلا ».
وكان هناك شبه إجماع على التوصية الخاصة بتثمين موقف الشركة وأن هذه الخطوة هي البداية الصحيحة لفتح حوار بين أمانة المؤتمر والشركة لاتخاذ الخطوات المناسبة تجاه هذه المبادرة.
وهنا يبرز سؤال:
هل الالتزام بالمقاطعة للمنتجات الدنماركية أصل من أصول الدين؟
نحن نعلم أن الولاء للمسلمين والبراء من الكفار أصل من أصول الدين بوجه عام، لكن لو أتينا إلى الجزئيات هل يمكن أن نعتبر مقاطعة البضائع الدنماركية أصلاً من أصول الدين نوالي عليه ونعادي عليه، ولا تكون مقاطعة البضائع الأمريكية أو البريطانية أو الفرنسية أو غيرها من منتجات الكفار كذلك.
والسؤال بصورة آخرى: هل وجوب مقاطعة البضائع الدنماركية أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يجوز فيه الخلاف؟
نعم إن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل من أصول الدين لا يجوز التخلف عنه. لكن هل الوسائل بما فيها المقاطعة تأخذ هذا الحكم أم أنها موكولة للاجتهاد والنظر ممن ملك أدواته من أهل العلم، وأقول " ملك أدواته " ولا أقول ملك المنابر الإعلامية والأعوان الذين يروجون لرأيه سواء أصاب أو أخطأ.
إن وجود الخلاف بين من حضر المؤتمر ليدل دلالة قطعية ويؤكد تأكيداً جازماً أن قضية المقاطعة قضية اجتهادية، وما دامت قضية اجتهادية فإن من البدهيات عند أهل العلم أن أمور الاجتهاد لا ينكر فيها على المخالف. إذ القاعدة فيها أن « قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ».
إن الذي يقرأ ما وصل إليه الخائضون في هذه القضية ليحسب أنها تكاد تضاهي المسلمات في العقيدة الإسلامية، وقضية تصل أو يُراد لها أن تصل- إلى هذه الدرجة تؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الْمَوازين عند الكثيرين ممن يدعي العلم وينتسب إليه لم تعد موازين العدل والإنصاف، وإنما موازين الضلال والانحراف عن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته في الاختلاف.
إن الهجوم الذي شنه المخالفون لرأي العلماء في أمانة المؤتمر لينذر بخطر عظيم.
أين نحن من فقه الخلاف وآدابه؟
ألم نعد نعرف ما يجوز فيه الخلاف ومالا يجوز؟
ألم نعد نعرف حق المسلم وحرمته؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فضلا عن حرمة العلماء والأخيار، أيسلم منا اليهود والنصارى ولا يسلم منا علماء الأمة؟
أيدرك القائلون بأن المؤتمر العالمي لنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - صار مؤتمراً لنصرة الدانمرك أيدرك هؤلاء مدى الجرم الذي ارتكبوه في حق إخوانهم من المسلمين؟ والذين هم ليسوا من عامة الناس وإنما جُلهم إن لم يكونوا كلهم من علماء الأمة وورثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ (العلماء ورثة الأنبياء) وأن هذا من السب الذي ينبغي أن يعزر قائله.
أيدرك القائلون لهذه العبارة أن ذلك من التألي على الله - تعالى -حيث تعرف من فحوى كلامهم ومفهومه - إن لم يكن من منطوقه- أن جهود إخوانهم غير مقبولة ولا أجر لهم فيها لأنها من وجهة نظره- تُخَذِّل عن نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أين نصرتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مهاجمة ورثته الذين يشهد لهم بالعلم والفضل بدليل أنك أكملت المقال إلى هنا.
أيها المسلمون:
دعوة إلى الإنصاف
لننصف أنفسنا ولنربأ بها عن الخوض في أعراض العلماء، فإن لحومهم مسمومة. ولنناقش المسألة بأسلوب علمي وفق ضوابط الشرع.
لقد كان مما استدل به شيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن بيه ومن وافقه لرفع المقاطعة عن « شركة آرلا » أن في ذلك إظهارا لعدل الإسلام وسماحته وتغييرا للصورة النمطية عن المسلمين في عقول الغربيين، وتمييزا بين المحسن والمسيء من الدانماركيين، وأن عدم رفع المقاطعة عن هذه الشركة بعد كل ماقدمته إنما هو زرع لليأس في قلوب القوم، حيث سيقول هؤلاء ما دام المسلمون لم يقبلوا موقف « شركة آرلا » التي ركعت لهم بشكل مخزٍ - على حد تعبيرهم- فلا فائدة من الاعتذار لهم أصلا. كما أن في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين في الدنمارك والذي ينبغي أن يراعى وضعهم في مثل هذه الظروف، ولما في ذلك من إضعاف لموقف الحكومة الدنماركية وكسب بعض أفراد الخصم إلى صف المسلمين في بعض القضايا.
أما ما أفتى به شيخنا الشيخ محمد الحسن الددو وما أعلنه من أن المؤتمر لم يرفع المقاطعة عن « شركة آرلا » فنص التوصية واضح بتثمين موقف الشركة وفتح الحوار معها، ولكن ما هو موقف الشيخ بعد أن صدرت توصية الأمانة العامة للمؤتمر؟
وأيا كان موقف شيخنا محمد الحسن الددو فإنه يدل على وجود الخلاف في القضية وأنها اجتهادية، لا ينكر فيها على المخالف. كما علمنا فضيلته في قضايا الخلاف.
دعوة إلى العمل:
إن من دعا إلى المؤتمر أو حضره وخرجوا بما خرجوا به قد عملوا عملا يرون فيه نصرة لدين الله - تعالى -ونصرة لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، أفلا قام غيرهم بنصرة الدين ونصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجال آخر وبأسلوب آخر يعتقدون أن الصواب فيه بدل أن يخذّلوا ويثبطوا ويطعنوا في جهود إخوانهم، قدوتهم في ذلك أصحاب مسجد الضرار ودعاة الضرار.
أفلا نتمثل قول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرور أنفسنا، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، اللهم ألف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.