سورة التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم
 الصفحة الرئيسية | المقالات و البحوث | المكتبة ( للتحميل ) | الصوتيات | التلاوات القرآنية | أرسل بحثك | توقيع الزوار | كلمة الموقع 
اخر المقالات مصري طول شاربه ( 84 ) سـم         وصفة علاجية تزيل الأمراض بالكلية         دعاء الهم والحزن         خلق الجان وقصة الشيطان         قصـة الذي استلف ألف دينار         كذبة نيسان ( ابريل )         بعض الدعوات المستجابات         الرؤى والأحلام         دعاء من استصعب عليه أمر         دعاء طرد الشيطان ووساوسه         أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس         البريد الإلكتروني والصور الخليعة         الدعاء قبل إتيان الزوجة         كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسّبح ؟         نماذج من الدعاء .. من الكتاب و السنة         اصنع من الليمون شراباً حلواً         نسب أسرة آل محمود         ثرثرة النساء داء أم دواء ؟         دعاء الوسوسة في الصلاة والقراءة         قصة هود عليه السلام         جحر العقرب ؟!         أخطاء في الدعاء وما يكره فيه         أرجوك لا تتزوجني!!         للنساء فقط !! في غرفة النوم ؟ !!         الحب الإلكتروني         قصص لم تسمع بها         هذه دعوتنا         الرقية الشرعية.         الأقصى أم الهيكل؟         لماذا تتبع السلف الصالح ؟         ابتسم أنت في جدة         شيطان دوت نت         عورة المرأة المسلمة أمام المحارم         الحب الحرام         أذكار الصباح و المساء         شرح الأربعين النووية - الدرس الأول         جولة في بيوت الأرامل         وافق شن طبقه         شرح عقيدة أهل السنة والجماعة لابن عثيمين -الدرس الأول         الزواج العرفي بين الشباب والفتيات         الكاسيات العاريات         تفسير آيات - 1         خطر الزنا         حكم الغناء         هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟    
المؤسس و المشرف :
      سعد بن زيد آل محمود
قائمة أخر المقالات إضافة
  بقايا في الثلاجة
  أدعية .. ولكن في الاتجاه المعاكس
  مصري طول شاربه ( 84 ) سـم
  كذبة نيسان ( ابريل )
  تنبيه على عبارة : " لا تقل : يا رب عندي هَمّ ...
قائمة أخر الكتب إضافة
  ماذا يتصفح العرب
  المولد تاريخه و آثاره
  ابن الحاج
  قولهم أن في مسجد الخيف قبر سبعين نبيا
  ابن الحاج
قائمة أخر الصوتيات إضافة
  تكالب الكفار على المسلمين
  العقيدة مصدر قوة الأمة
  الصدق
  النجاة من الفتن
  احذروا نواقض التوحيد
تحويل التاريخ
راسلنا
توقيع الزوار
القرآن الكريم
التلاوات القرآنية
سورة التحريم

عبد العظيم بدوي
أضيفت بتاريخ:   2007-11-10
التصدير إلى ورد نسخة طباعة القراء:   137
تنسيق الخط

ضع هذه المادة على جوالك باستخدام برنامج قارئ الباركود
qrcode
ما هي هذه الخدمة؟؟
  بسم الله الرحمن الرحيم

قال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين {التحريم: 6- 12}.

 

تفسير الآيات

إنّ واجب المؤمن في بيته كبير، وإنّ مسئوليته عظيمة، "كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالرجل في بيته راعٍ وهو مسئول عن رعيته". ومن واجبه ومسئوليته العملُ على نجاة نفسِه وأهلِه من النار: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، ووقايةُ النفس تحصل بالقيامِ بالواجباتِ وترك المحرمات، ووقايةُ الأهل تحصلُ بأمرِهم بذلك، قال - تعالى -: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها {طه: 132}، فأمرهُ أن يقيم الصلاة ويصطبر عليها، وأن يأمرَ أهله بها، وقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع".

وقال - تعالى -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما {الأحزاب: 59}. فأمر اللهُ نبيه أن يأمر نساء المؤمنين أن يدنين عليهنّ من جلابيبهن، ولكن بعد أمرِهِ أزواجه وبناته.

وقوله - تعالى -: وقودها الناس والحجارة مبهم، فسّره قولُه - تعالى - للكافرين: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون {الأنبياء: 98}. فعُلِمَ أن المرادَ بالناسِ الكافرون، وأنّ المرادَ بالحجارةِ الأصنامُ والأوثان التي عبدها الكافرون من دون الله.

وقوله - تعالى -: عليها ملائكة غلاظ شداد المراد زبانيةُ جهنمّ، وهم القائمون على أمرها من الملائكة، وقد وصفهم الله بأنهم "غلاظ" أي: طباعُهم غليظة، قد نُزِعَتْ مِن قلوبهم الرحمةُ بالكافرين بالله، "شداد" أي تركيبُهم في غاية الشدّة والكثافة والمنظر المزعج. لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون أي مهما أمرهم به - تعالى - يبادرون إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله، ليس لهم عَجْزٌ عنه. وهذا كلّه تعظيمٌ للنّار وتفخيمٌ لشأنها، حتى ينفر المؤمنون عن كل ما يقرّب منها، ويستجيبوا لربّهم حيث أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم إيّاها. وقد كثر في القرآن الكريم تعظيمُ النّار وتفخيم شأنها، من ذلك قوله - تعالى -: وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية {القاعة: 8- 11}، وقوله - تعالى -: ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة {الهمزة: 1- 9}. وقوله - تعالى -: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما و صما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا {الإسراء: 97}.

كما عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن النار تخويفًا للناس منها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يُؤتى يومئذ بجهنم، لها سبعون ألف زمامٍ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها". وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ نارَكم هذه التي تُوقِدُون جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم". قالوا: والله إنْ كانت لكافية يا رسولَ الله. قال: "فإنها فُضّلت عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، كُلها مثل حرّها".

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كنّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع وجبةً، فقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: هذا حجرٌ رُمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن حيث انتهى إلى قعرها.

فعلى العاقل أن يُعظم ما عظّم الله ورسولُه، وألا يألوا جهدًا في العمل على وقاية نفسه وأهله من هذه النار التي قال - تعالى -: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز {آل عمران: 185}، وعليه أن يكون مع أهله كالحارس الأمين، لا يغفل ولا ينام، يأمرهم وينهاهم، إنْ رأَى منهم خيرًا شَكَرَه لهم وأثابهم، وإنْ رأَى غير ذلك عاقبهم. لا يسمح لولدٍ بالسهر بعد العشاء خارج البيت، ولا يسمحُ لبنت بالتبرّج والسفور، إن غاب عنهم وصّاهم بتقوى الله، وإن عاد إليهم سألهم عن الصلاة. فمن فعل ذلك ف أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار {الرعد: 23، 24}.

وقوله - تعالى -: يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون {غافر: 52}. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أعذَر اللهُ إلى امرئ أخّر أجلَه حتى بلغ ستين سنة". ولذا إذا دخل أهلُ النّارِ النارَ، وذاقوا مَسَّ سقر، سألوا العودةَ إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من العمل الصالح، فقيل لهم: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير {فاطر: 37}.

وهذا النداء للكافرين قد جاء بين نداءين للمؤمنين: الأول: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، والثاني: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا، وكأن الله يقول للمؤمنين: بادروا إلى العمل على وقاية أنفسكم وأهليكم من النار، وخلّصوا أنفسكم من الأوزار من قبل أن يأتي يومٌ لا تُقْبَل فيه الأعذار. فكأنّهم قالوا: وما السبيل إلى ذلك؟ فقيل لهم: توبوا إلى الله توبة نصوحا فإن التوبة تجبّ ما قبلها. وللتوبة النصوحِ شروط:

الأول: الإقلاعُ عن الذنب، فتخلع نفسك من الذنب كما تخلع الثوب عن بدنك. فلا يصلح أن تقول تُبْتُ إلى الله وأنت متلبس بالذنب. لا يصلح- مثلاً- أن تقول تبتُ إلى الله من الربا، وأموالُك كلّها في البنك. يجبُ أن تأخذ رأسَ مالك وتترك الربا، وتسدد حساباتك ثم تقول تبتُ إلى الله.

الثاني: الندمُ على ما فات بأن تتحسّر على ما فرّطت في جنب الله.

الثالث: العزمُ على ألا تعود إلى هذا الذنب أبدًا.

فإذا كان الذنبُ متعلقًا بحقوق الآدميين، فإن كان حقّا ماليًا رددته، وإن كان غير ذلك استسمحتهم، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، فإن خشيت المفسدة فأكثر لهم من الدعاء والاستغفار، وأكثر من الأعمال الصالحة، حتى إذا استُوفيت الحقوقُ من حسناتك بقي لك منها ما يُدْخِلُك الجنة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن كانت عنده مظلمةٌ لأخيه مِنْ عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم، مِن قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه".

وعنه قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاع، قال: "إنّ المفلس مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا مِن حسناتَه، وهذا مِن حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثم يُطْرَحُ في النار".

وقوله - تعالى -: عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار: أي توبوا إلى الله توبة نصوحًا، عسى ربّكم أن يكفّر عنكم من سيئاتكم... إلخ، وعسى من الله موجبةٌ، فهو وَعدٌ من الله للتائبين أن يغفر لهم ما مضى من ذنوبهم، وأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. وقوله - تعالى -: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه أي: لا يعذّبهم في النار؛ لأن من عذّبه فقد أخزاه، ولذا كان من دعاء أُولي الألباب: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار {آل عمران: 191، 192}. وقوله - تعالى -: نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يعني على قدر أعمالهم، يسعى نورهم بين أيديهم وهم يمرون على الصراط، منهم مَن نُوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرَّجُلِ القائم، وأدناهم نورًا مَن نُوره في إبهامه، يتقد مرةً، ويُطْفَأ مرة. وقد سبق في سورة الحديد أنّ كل واحدِ من هذه الأمة يُعطى نورًا يوم القيامة، ثم يمرون على الصراط، فبينما المؤمنون الصادقون متقدّمون يسعى نورهم بين أيديهم، والمنافقون وراءهم، يسعى نورهم أيضًا، فبينما كذلك، إذْ أُطْفِئَ نورُ المنافقين، فخاف المؤمنون على أنفسهم فتوجّهوا إلى الله بالدعاء: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.

قوله - تعالى -: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم: يأمر - تعالى - نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بجهاد الكفار والمنافقين، وجهادُ الكفار أخصّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصّ باللسان. ويأمرهم أن يغلظ عليهم في الدنيا ومأواهم جميعًا النار، كما قال - تعالى -: إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا، والمنافقون أشدّ عذابًا من الكافرين، ولذا كانوا تحتهم في النار، والنّار كلما نزلت دركاتُها اشتد عذابها، قال - تعالى -: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا، وبئس المصير النار.

قوله - تعالى -: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين هذا مثلٌ ضربه اللهُ لنساءِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهنّ ممن يخالطن الأنبياء والصالحين ليعلموا جميعًا أن القُرب من الأنبياء والصالحين، بل القرابةُ لا تنفعُ شيئًا إذا لم يكن ثمّ إيمانٌ وعملٌ صالح، فها هي امرأةُ نوحٍ وامرأةُ لوط لما خانتاهما لم يغنيا عنهما من الله شيئًا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين. والمراد نجيانتهما أنهما لم يوافقاهما على الإيمان، ولم يصدّقاهما في الرسالة ويخطئ من يظن أن خيانتهما كانت في الفاحشة، مستدلاً على ظنّه بقول الله - تعالى - لنوح - عليه السلام - وقد قال: رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح {هود: 45، 46}، وهذا استدلالٌ باطل؛ لأنّ الله لم يقل: إنه ليس ولدَك، أوْ ليسَ من أولادك، وإنما قال: ليس من أهلك أي الذين وعدتُك بنجاتهم معك، وأهلُه - عليه السلام - هم مَنْ آمن معه، وابنُ نوح هذا لم يؤمن، فلم يكن من أهله الذين نجّاهم الله معه. ولذا قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية فخانتاهما قال: مازنتا، أما خيانةُ امرأةِ نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدلّ قومَها على أضيافه، وقال أيضًا: ما بغت امرأة نبيٍّ قط، وإنما كانت خيانتُهما في الدين، وما كان الله ليقرّ في بيت نبيٍّ بغيًّا، ولو كان شيء من ذلك لأطلع اللهُ نبيه عليه، ولا سيما والوحي ينزل عليه صباحًا ومساء.

قوله - تعالى -: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. هذا مثلٌ ضربه اللهُ - تعالى - للمؤمنين أنّهم لا تضرّهم مخالطةُ الكافرين.

قال قتادة: كان فرعون أعْتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضرّ امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربّها، ليعلموا أنّ الله - تعالى - حَكَمٌ عَدل، لا يؤاخذُ أحدًا إلا بذنبه، فكما أنّ الزوجاتِ الكافراتِ لم ينفعهن إيمانُ أزواجهنّ، كذلك الزوجاتُ المؤمناتُ لا يضرهنّ كفر أزواجهن. وأما من لا زوج لها فلا ينقص ذلك من أجرها، ولا يحطّ من قدرها، ولهذا قال - تعالى -: ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها أي: حفظته وصانته فنفخنا فيها من روحنا بواسطة جبريل - عليه السلام -، وقد تمثّل لها بشرًا سويًا: قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا {مريم: 18- 21}، وصدقت بكلمات ربها وكتبه أي بقَدره وشَرعه وكانت من القانتين.

وقد ثبت في الصحيحين في فضل آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كَمُلَ من الرجال كثيرٌ، ولم يكملْ من النساء إلا آسية امرأةُ فرعون، مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد".

قال ابن القيم - رحمه الله - في كتابه القيم "أعلام الموقعين" (188-1): فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثلٍ للكافرين، ومثليْن للمؤمنين، فتضمّن مثل الكفّار: أنّ الكافرَ يعاقب على كفره وعدواته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين لحمه نسب، أو وَصلةِ صهر أو سبب من أسباب الاتصال، فإن الأسباب كلها تنقطعُ يوم القيامة إلا ما كان منها متصلاً بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعتْ وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاحِ مع عدم الإيمان لنفعتْ الوصلةُ التي كانت بين لوط ونوح وامرأتيهما، فلمّا لم يغنيا عنهما من الله شيئًا قيل ادخلا النار مع الداخلين، فقطعت الآية حينئذ طَمَعَ مَن ركب معصية الله وخالفَ أمره، ورجا أن ينفعه صلاحُ غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشدُّ الاتصال، فلا اتصال فوق اتصال النبوة والأبوة والزوجية، ولم يغنِ نوحٌ عن ابنه، ولا إبراهيمُ عن أبيه، ولا نوحٌ ولا لوطُ عن امرأتيْهما من الله شيئًا، قال الله - تعالى -: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم {الممتحنة: 1}، وقال - تعالى -: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا {الانفطار: 19}، وقال - تعالى -: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا {البقرة: 48}. وقال: واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق {لقمان: 33}. وهذا كلّه تكذيبٌ لأطماع المشركين الباطلة أنّ مَنْ تعلّقوا به مِن دون الله مِن قرابةٍ أو صهر أو نكاحٍ أو صحبةٍ ينفعهم يوم القيامة، أو يجيرُهم من عذاب الله، أو هو يشفعُ لهم عند الله، وهذا أصلُ ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الذي بعث اللهُ جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله، ومحاربة أهلِه ومعاداتهم. وأما المثلان اللذان للمؤمنين: فأحدُهما: امرأةُ فرعون، ووجهُ المثلِ أنّ اتصالَ المؤمنِ بالكافرِ لا يضرّه شيئًا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصيتهُ الغير لا تضر المؤمن المطيعَ شيئًا في الآخرة، وإن تضرّ ربها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحلّ بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله، فتأتي عامة. فلم يضرّ امرأة فرعون اتصالُها به وهو من أكفر الكافرين ولم ينفع امرأة نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما وهما رسولا ربّ العالمين.

المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر.

فذكر ثلاثة أنصافٍ من النساء: المرأة الكافرةُ التي لها وصلةٌ بالرجلِ الصالحِ، والمرأةُ الصالحةُ التي لها وصلةٌ بالرجلِ الكافرِ، والمرأةُ الغَرب التي لا وصلةَ لها بينها وبين أحدٍ. فالأولى: لا تنفعُها وصلتُها وسببُها. والثانيةُ: لا تضرُّها وصلتُها وسببُها. والثالثةُ: لا يضرّها عدمُ الوصلةِ شيئًا.

ثم في هذه الأمثالِ من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنّها سيقيت في ذِكْرِ أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتحذير من تظاهرهنّ عليه، وأنهنّ إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما لم ينفع امرأةَ نوحٍ ولوطِ اتصالُهما بهما، ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصالِ النكاح دون القرابة. قال يحيى بن سلّام: ضرب اللهُ المثل الأوَّل يحذّر عائشةَ وحفصة، ثم ضرب لها المثل الثاني يحرّضها على التمسك بالطاعة.

وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضًا اعتبارٌ آخر، وهو أنها لم يضرّها عند الله شيئًا قذفٌ أعداءِ الله اليهود لها، ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برّأهما الله عنه، مع كونها الصديقة الكبرى، المصطفاة على نساء العالمين، فلا يضرّ الرجلَ الصالحَ قذفُ الفجار والفسّاق فيه. وفي هذا تسليةٌ لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصّة الإفك، وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها. كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدناه في حقّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتضمنت هذه الأمثالُ التحذير لهن والتخويفَ، والتحريض لهن على الطاعة، والتوحيد، والتسلية، وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه، وأسرار التنزيل فوق هذا وأجلّ منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون. اه.

والحمد لله رب العالمين .


RSS v2.0 FEED أضف الصفحة إلى MySpace! أضف الصفحة إلى iGoogle أضف الصفحة إلى My Yahoo أضف الصفحة إلى Microsoft live أضف الصفحة إلى facebook برنامج قارىء RSS Subscribe Bookmark and Share


تعليقات القراء على المقالات : أضف تعليقك الآن

ملاحظة هامة : هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها.

الأسئلة والتعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة ستحذف تلقائيا.

لا توجد تعليقات

إلى الأعلى


أرسال لصديق

التلاوت القرآنية

الدروس والمحاضرات

أحصائيات
    عدد المقالات (26769)
    عدد الكتب (4770)
    عدد الصوتيات (114455)
القائمة البريدية
القائمة البريدية
المعلومات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع إنما تعبر عن رأي قائلها أو كاتبها كما يحق لك الاستفادة من محتويات الموقع في الاستخدام الشخصي غير التجاري مع ذكر المصدر 
Midad.com ©  2012
وقت تحميل الصفحة: 0.087 ثانية  |   خريطة الموقع  |   Rss  |  كيف تستخدم هذا الموقع