بسم الله الرحمن الرحيم
لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل:
ومن جوانب الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم معالجته لمسألة الاقتصاد التي هلك بشأنـها كثير من الناس ونشبت بسببها حروب كثيرة على مدى التاريخ البشري فقد أوضح القرآن أصولها التي ترجع إليها جميع الفروع الاقتصادية ومرجعها إلى أصلين[1] هما:
- حسن النظر في اكتساب المال.
- حسن النظر في التصرف به.
فمن حيث حسن النظر في اكتساب المال ذكر الله - سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم الطرق المشروعة في اكتسابه بالأسباب المناسبة والموافقة للدين والمروءة، فقال - تعالى -: ((ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)) [البقرة: 198].
وقال: ((فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)) [الجمعة: 10].
وقال - تعالى -: ((وأحل الله البيع)) [البقرة: 275] وقال: ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا)) [الكهف: 46] وقال: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)) [البقرة: 188].
وقال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) [النساء: 29].
ومن حيث الأصل الثاني وهو حسن النظر في التصرف بالمال فقد أمر - سبحانه وتعالى- بالاعتدال والاقتصاد في صرف المال فقال: ((ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)) [الإسراء: 29]، وقال - تعالى -: ((والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)) [الفرقان: 67].
وقال - تعالى -: ((ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)) [البقرة: 219].
وقال - تعالى -: ((ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)) [النساء: 5].
ونـهى عن كنـز المال ومنعه عن الفقراء وعن الشح، وحث على الزكاة فقال - تعالى -: ((الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب)) [التوبة: 34].
وقال - تعالى -: ((وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)) [النور: 33].
وقال - تعالى -: ((ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) [الحشر: 9].
وقال - تعالى -: ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)) [البقرة: 43].
وقال - تعالى -: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)) [التوبة: 103].
إن جميع الأنظمة والشرائع الوضعية عجزت وما تزال عن تقديم نظام اقتصادي متكامل، خال من الغش والخديعة والاحتيال كالنظام الاقتصادي الذي قررته شريعة القرآن الكريم.
في الأنظمة الوضعية يحاول أصحاب الأموال والثروات التخلص من دفع الضرائب أو التقليل منها، لأنـها في نظرهم ليست إلا نقصاً من حقوقهم، وإذا دفعوها لا يكون عندهم أي شعور بالرضا والقبول.
بينما نجد أن المتصدق في المجتمع الإسلامي الذي يحكم بشريعة القرآن حينما يدفع جزءاً من ماله كزكاة أو صدقات، يقدمها على أنـها قربة لله، ويحسب أن الله سيبارك له في ماله، فهو يدفعها بالرضى والسرور.
إن الشرائع الوضعية القائمة في بلاد الغرب ومن سار في فلكه لم تستطع بكل جمعياتـها الخيرية ونظمها الجبارة ومؤسساتـها التربوية أن تحقق مثل الأحكام الشرعية التي جاء بـها القرآن في المسألتين التاليتين من الجانب الاقتصادي[2]:
الأولى: قوله - تعالى - ((وآتوا الزكاة)).
والثانية: ((وأحل الله البيع وحرم الربا)).
فالمجتمع لا يمكن أن يعيش بسلام ووئام إلا إذا كانت العلاقة قائمة على التوازن بين الأغنياء والفقراء، بين العوام والخواص، وأساس هذا التوازن عن طريق رحمة الخواص الأغنياء وشفقتهم على العوام الفقراء، واحترام العوام للخواص.
في المجتمع الإسلامي الذي طبق شرائع القرآن والتزم بأحكامه تحقق هذا السلام والوئام، ووجدت الرحمة بالفقراء، وحصل للخواص الاحترام.
بينما المدنية الغربية والشرائع الوضعية بكل جمعياتـها ومؤسساتـها وبكل وسائل نظامها عجزت عن الصلح بين تلك الطبقتين بل إن الهوة تزداد في ظل هذه الأنظمة بين الأمم والشعوب، لأن الأنظمة الوضعية تسعى لتحقيق أمرين هما[3]:
(إن شبعتُ فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع).
(اكتسب أنت لأعيش أنا، واتعب أنت لأستريح أنا).
هذا هو حقيقة وضع النظام الاقتصادي في أكبر امبراطورية اليوم.
يفسر هذا الوضع، ويظهر هذه الحقيقة، ما حصل في الصومال وأفغانستان، والعراق، وفلسطين، وما يسمى الاتحاد السوفيتي سابقاً، وغيرها من البلاد التي تعاني من ويلات الحروب، ولا يخفى على عاقل القوى التي تسعرها.
وعاشروهن بالمعروف:
ومن جوانب الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم عنايته بالمرأة وشؤون الأسرة، والحكمة من الزواج.
لقد كرّم الإسلام المرأة، وأمرها بالاحتجاب رحمة بـها وصيانة لحرمتها لكيلا تـهان تحت أقدام الذل والمهانة، ولكيلا تكون متعة تافهة لا قيمة لها؛ فتأمل كيف كانت صيانة المرأة حسب توجيهات القرآن، فقال - تعالى -: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها))[النساء: 1].
وقال - تعالى -: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها)) [الروم: 21].
وقال - تعالى -: ((وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)) [النساء: 4].
وقال - تعالى -: ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون)) [النساء: 7].
وقال - تعالى -: ((للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما)) [النساء: 32].
وقال - تعالى -: ((فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) [البقرة: 229].
وقال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا))[النساء: 19].
وجعل من مقاصد الزواج طلب الذرية الصالحة التي تطيع أمر الله - تعالى - وتعبده - سبحانه -.
قال - تعالى -: ((وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)) [الفرقان: 63] ((والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)) [الفرقان: 74].
ومن شأن احتجابـها المحافظة على عفتها قال - تعالى -: ((وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا))[الأحزاب: 33].
وقال - تعالى -: ((الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم))[الأحزاب: 53].
وقال - تعالى -: ((يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا)) [الأحزاب: 59].
وفي سورة النور ورد كثير من الآيات بشأن العفة والاحتجاب وغض البصر وحفظ الفرج، بل إن سبب نزول الآيات الأولى منها حادثة الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله - تعالى - عنها.
وكثير من الآيات الواردة في السورة هي من قبيل سد ذرائع الزنا والتحذير من قذف المحصنات المؤمنات.
فالأمر بعدم دخول البيوت إلا باستئذان هو من هذا القبيل، وكذلك تشريع حد القذف، وبيان حد الزنا، والحث على النكاح، وذكر العورات الثلاث ((مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء)) [النور: 58].
كل هذه التشريعات هي من قبيل سد ذرائع الزنا، فتأمل السورة وتفسيرها.
أما حال المرأة في ظل الشرائع الوضعية في الغرب ومن سلك مسلكهم وقلدهم، فلم تعد إلا سلعة رخيصة لا قيمة لها على الحقيقة، لقد أخرجت المرأة من بيتها ومزقت حجابـها، علماً بأن الحياة العائلية لا تدوم بغير المحبة والاحترام بين الزوجين، والتبرج والسفور يزيل عن المرأة هيبتها وعفتها.
وكم سمعنا وقرأنا عن معاناة المرأة وشقائها في المجتمعات الغربية التي خرجت عن منهج الله[4]، وكم من أمراض فتاكة انتشرت في تلك المجتمعات.
عدل الحاكم وطاعة المحكوم:
ومن جوانب الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على العدل والطاعة بالمعروف، فإن جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة يقوم على أساس أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل.
قال - تعالى -: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا))[النساء: 58-59].
قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل.
ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه.
وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله[5]، قال - تعالى -: ((تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) [المائدة: 2].
فليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله إلا بحكم الله ورسوله ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله - تعالى -: ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون))[المائدة: 50].
وإذا خرج ولاة الأمر عن هذه فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم لقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: (ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم)[6].
وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغيره[7].
والبحث في جوانب الإعجاز التشريعي يطول الحديث عنه لو أردنا استقصاءها جميعاً.
تناقضات والرد عليها:
غير أن الذي دعانا للإسهاب أحياناً في الحديث عن هذا الموضوع هو ما ذكره أحد الدكاترة في كتاب صنفه عن إعجاز القرآن بعنوان (المعجزة القرآنية) حيث قال تحت عنوان (ما لا إعجاز فيه): (قبل أن نخوض في وجوه الإعجاز الرئيسية والفرعية في القرآن أود أن أنبه إلى أنه قد ذكر كثير من العلماء وجوهاً من الإعجاز في زعمهم، إلا أننا حينما ندقق النظر فيها نجد أنـها لا تعدو المزية والفضيلة للقرآن على غيره من الكتب، إلا أنـها ليست من الإعجاز في شيء) ص75 (!!!).
ثم قال: تضمنه للحلال والحرام، فقد ذكر الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره أن وجوه الإعجاز في القرآن ما تضمنه من العلم في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام، وهذا أيضاً لا إعجاز فيه (!!!)، وذلك لأن مسألة الأحكام والحلال والحرام ليست مما امتاز به القرآن، بل هي مما عرفته كل الأمم قديماً وحديثاً وعلى تفاوت بينهم في نوع الحلال والحرام، وبغض النظر عن كون ما حللوه أو حرموه مستنداً إلى شرع أو عقل، أو كانوا مصيبين فيه أم مخطئين، فكل أمة وكل أصحاب دين أو نحلة يزعمون أن عندهم حراماً وحلالاً ينبني عليها الثواب والعقاب في الدنيا عند الماديين، والدنيا والآخرة عند المتدينين.
ومسألة الحلال والحرام في القرآن مبنية على الإيمان بالله فالمؤمن يسلم بـها والكافر ينكرها ويزعم بطلانـها.
ولكن المعجزة لا يمكن لإنسان ما أن ينكرها فمن سمع اليوم شيئاً من الإعجاز الغيبـي في القرآن أو الإعجاز العلمي لابد له مهما بلغ عناده في الكفر أن يقف ويتردد في مصدر القرآن، بل لابد له أن يذعن في نـهاية المطاف أنه ليس من عند البشر إذ لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثل هذا.
ثم قال: فلا يمكن أن نقول لجاحد إن تحريم الزنا وإباحة النكاح، وحل البيع وحرمة الربا، معجزة دالة على صدق الرسول ووجود الله … لأنه هو أيضاً يوجد عنده ممنوع وجائز وواجب وهو من صنعه، وقد يوافقنا في بعض التشريعات، ومع ذلك فما وجد فيها لا إعجاز ولا غيره) ص76، 77.
ويتضح عوار كلام الدكتور من خلال تسجيل الملاحظات التالية:
1- تناقض في كلام الدكتور، ففي صفحة (75) من كتابه يقول: (أود أن أنبه إلى أنه قد ذكر كثير من العلماء وجوهاً من الإعجاز في زعمهم إلا أننا حينما ندقق النظر فيها نجد أنـها لا تعدو المزية والفضيلة للقرآن على غيره من الكتب إلا أنـها ليست من الإعجاز في شيء).
ويقول، (بعد أن نقل كلام القرطبي: وهذا أيضاً لا إعجاز فيه وذلك لأن مسألة الأحكام والحلال والحرام ليست مما امتاز به القرآن..) ص76.
فهل كان غير مدقق للنظر ولا متدبر للكلام حينما قال في ص53 من كتابه المذكور: ويضاف إلى هذا الذي ذكرناه أن التحدي لم يكن في أن يأتي العرب بنظم كنظم القرآن في البلاغة والفصاحة والدقة والجمال فقط، بل كان في كل جانب من الجوانب التي خاض فيها القرآن من الأحكام والحلال والحرام والأخبار عن المغيبات والخوض في العلوم، والدقة المتناهية في كل سور القرآن…
فالتحدي لم يكن قاصراً على جانب اللغة فقط لأن هذا خاص بالعرب ومن أتقن العربية من غيرهم، بل كان عاماً لكل جانب من جوانب القرآن لأنه كان تحدياً لكل من في الأرض ممن يخالف الدين الجديد!!!
2- إن التحدي بالقرآن ووجوه الإعجاز لا يقتصر على جوانب معينة كما ذكر الدكتور، بل إن القرآن معجز في أحكامه التشريعية أيضاً وفي غيرها.
فلما تحداهم بقوله - سبحانه -: ((قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن))، وقوله - تعالى -: قل فأتوا بسورة من مثله)).
وقوله: ((ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)) فقد تحداهم بأحكامه التشريعية حيث قال - تعالى -: ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)).
فلا أحد مهما كان رقيّه وتقدمه في وضع الأحكام والشرائع يستطيع أن يأتي بمثل أحكام القرآن وتشريعاته.
3- إن القول بإعجاز القرآن من بعض الوجوه ونفيها عن وجوه أخر، ينطبق عليه قوله - تعالى -: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض)) وما أظن أن يقبل بـهذا من يؤمن بالله - عز وجل - وكتبه ورسله، نسأل الله أن يبصّرنا بالحق ويهدينا سواء السبيل.
مقاصد التشريع في القرآن الكريم:
والمقصد العام من الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن الكريم والسنة النبوية هو تحقيق مصالح الناس في هذه الحياة بجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم، وباستقراء الأحكام الشرعية الكلية والجزئية في مختلف الوقائع والأبواب، وباستقراء العلل والحكم التشريعية المقرونة بكثير من الأحكام يتبين أن مصالح الناس تتكون من ثلاثة أمور، الضروريات والحاجيات والتحسينيات[8].
أما الأمور الضرورية التي تقوم عليها حياة الناس ولابد منها لاستقامة مصالحهم فمرجعها إلى ستة[9] أشياء ولأهميتها وحرص الشريعة الإسلامية عليها فقد وردت النصوص الواضحة بشأنـها في كتاب الله - عز وجل -، وهذه الأمور هي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.
فالدين الذي هو مجموعة العقائد والعبادات والأحكام التي شرعها الله - تعالى - لتنظيم علاقة الناس بربـهم، قد وردت النصوص في القرآن والسنة لإيجاده وإقامته وتثبيته في القلوب، ومن ذلك النصوص الواردة في بيان أركان الإسلام، وأركان الإيمان، ووجوب الدعوة إلى الله - عز وجل - وتوقير الرسل والأنبياء الذين حملوا الدين للناس، والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
وقد شرع لحفظ الدين أحكاماً عدة منها أحكام الجهاد لصد خطر الاعتداء على المسلمين ومحاربة من يقف عقبة في سبيل الدعوة.
قال - تعالى -: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)) [الأنفال: 39]، وأحكام الردة، حتى لا يقع العبث في الدين، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام -: (من بدّل دينه فاقتلوه).
لكنه قبل ذلك لم يجعل الدخول في الإسلام بالقهر والإجبار، ولم يقسر الناس على الالتزام بعقيدة الإسلام، إنما ترك لهم حرية الاختيار ليكون الدخول عن قناعة وطمأنينة قلب، فقال - سبحانه - ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) وقال - تعالى -: ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) وقال: ((إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)).
أما النفس فقد شرع الله - سبحانه - لإيجادها الزواج والتوالد وحث عليه فقال - سبحانه -: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء)).
وقال - سبحانه -: ((ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)) وشرع لحفظ النفس وكفالة حياتـها إيجاب تناول ما يقيمها من ضروري الطعام والشراب الملبس والمسكن، وشرع القصاص والدية والكفارة على من يعتدي عليها، وحرم إلقاء النفس إلى التهلكة، قال - تعالى -: ((ولكم في القصاص حياة)) وقال - تعالى -: ((كتب عليكم القصاص)) وقال: ((ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)) وقال - تعالى -: ((ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)) [النساء: 29] وقال: ((كلوا واشربوا ولا تسرفوا)). وغيرها من الآيات.
وأما العقل فقد جاء في القرآن بالمحافظة عليه من النصوص قوله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)) [المائدة: 90].
وأما الأنساب فمن أجل المحافظة عليها فقد شرع الله حد الزنا، قال - تعالى -: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)) [النور: 2] وقال - تعالى -: ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)) [الإسراء: 32].
وأما الأعراض فقد شرع لأجل المحافظة عليها جلد القاذف ثمانين جلدة، فقال - تعالى -: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)) [النور: 4].
وأما المال: فقد شرع القرآن الكريم لتحصيله وكسبه إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات والمبادلات والتجارة وو..
ولأجل المحافظة عليها وحمايتها شرع قطع يد السارق وحرم السرقة وحرم الغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل وحرم الربا.
فقال - تعالى -: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم))[المائدة: 38].
وقال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما))[النساء: 29].
وقال - تعالى -: ((وأحل الله البيع وحرم الربا)).
ومجمل القول في مسألة المقصد العام من الأحكام التي شرعها القرآن الكريم أن المصالح البشرية التي يتم بـها نظام الدنيا ترجع إلى ثلاثة أمور هي:
1- درء المفاسد المعروف عند علماء الأصول بالضروريات، وحاصله دفع الضرر عن الستة المذكورة آنفاً.
2- جلب المصالح المعروف بالحاجيات، هو ما يحتاج إليه الناس لليسر والسعة ورفع الحرج عنهم، وتخفيف أعباء التكليف عليهم كقصر الصلاة الرباعية للمسافر، والفطر في رمضان للمريض.. وأنواع العقود التي تحصل في المعاملات.
ما تقتضيه المروءة من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات المعروف بالتحسينات، وفيه شرعت أحكام تقصد إلى أحسن المناهج وأقومها في أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات، ومن هذه الفروع خصال الفطرة، وتحريم المستقذرات والاحتراز عن النجاسات والتطوع بالصدقات والصلاة والصيام، وتفصيل هذه المسائل في علم يختص بـها وهو المسمى بـ (علم أصول الفقه، ومقاصد التشريع).
الخصائص العامة لأحكام القرآن الكريم:
تتميز الأحكام الشرعية في القرآن الكريم عن غيرها من الشرائع الوضعية بالأمور التالية:
1 - عموم الشريعة بحسب المكلفين وبحسب الزمان والمكان فنصوص القرآن الكريم لا يختص الخطاب بحكم من أحكامها بمكلف دون آخر ما دام شرط التكليف موجوداً ولا يستثنى من الدخول تحت أحكامها أي مكلف[10]، بل هي تخاطب عامة الناس، وأحكام القرآن بالتالي عالمية، قال - تعالى -: ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا)) [سبأ: 28].
وقال - تعالى -: ((يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)) [الأعراف: 158].
2- أحكام القرآن تجمع بين المرونة والثبات:
قال ابن القيم - رحمه الله -: (الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة زماناً ومكاناً وحالاً كمقادير التقديرات وصفاتـها، فإن الشارع يتنوع فيها بحسب المصلحة، فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة وعزر بالعقوبات المالية في عدة مواضع)[11].
3- أحكام القرآن رعايتها شاملة لجميع المصالح.
الأحكام الشرعية في القرآن الكريم تشمل جميع المصالح الدنيوية والأخروية والفردية والجماعية، ولا تنفصل إحداهما عن الأخرى، ففي تقرير رعاية مصالح الدنيا والآخرة قال - تعالى -: ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك)) [القصص: 77].
ففي ربط مصلحة الدنيا بالآخرة حث للناس وتحريض لهم على فعل الخيرات والتزود بالحسنات، وهذا يدفع إلى التضحية ومساعدة الآخرين والتحرر من الأثرة وحب النفس.
وفي رعاية المصالح الفردية والجماعية قال - تعالى -: ((كل نفس بما كسبت رهينة)) [المدثر: 38]، وقال - تعالى -: ((لا تكلف إلا نفسك)) [النساء: 84]، وقال - تعالى -: ((تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) [المائدة: 2]. وغيرها من الآيات.
4- نصوص القرآن وأحكامه محفوظة من التحريف والتبديل وهذا دليل على صلاحيتها ومناسبتها لأحوال الناس جميعاً ما دامت السموات والأرض، قال - تعالى -: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) [الحجر: 9]، وقال - تعالى -: ((لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)) [فصلت: 42] وغيرها.
5- المسؤولية في أحكام التشريع القرآني تجمع بين العقيدة والسلوك.
في الشرائع الوضعية يحاسب الإنسان أمام السلطة القضائية التي يقوم عليها ويضعها مجموعة من الأفراد المتخصصين في الدولة، وهذا الجهاز هو الذي يتولى المراقبة والمعاقبة على المخالفة للأحكام الوضعية.
وقدرة البشر محدودة وعلمهم قليل، ولذلك فإن الاحتيال على القوانين البشرية والقدرة على التخلص من رقابة البشر ميسورة، ومن ثم فإن الفضائح والاختلاسات والجرائم كثيراً ما تقع وهي واسعة الانتشار في ظل الأنظمة التي تقوم على القوانين الوضعية التي اصطنعها العقل البشري المحدود.
أما في القرآن الكريم فإنه يضعنا أمام سلطة ثلاثية[12]، ولكل واحدة منها أمانة في أعناقنا، قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون))[الأنفال: 27].
فقد جمعت الآية الكريمة في هذه الكلمات القليلة أنواع السلطات القضائية الثلاث، على النحو الآتي:
1- لا تخونوا الله المسؤولية الدينية أمام محكمة السماء من فوقنا.
2- والرسول المسؤولية أمام الناس محكمة البشر من حولنا.
3- وتخونوا أماناتكم المسؤولية الأخلاقية أمام محكمة الضمير.
وهناك نص آخر يؤكد هذا المعنى ويزيده تفصيلاً، هو قوله - تعالى -: ((وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)) [التوبة: 105].
ففي قوله - تعالى -: - فسيرى الله عملكم المسؤولية أمام المحكمة الإلهية.
- ورسوله والمؤمنون المسؤولية أمام المحكمة الإنسانية.
- فينبئكم بما كنتم تعملون المسؤولية أمام محكمة الضمير.
خلاصة القول في هذا، إن القرآن يقف بنا أمام ثلاث محاكم أدبية:
- محكمة الضمير في قلوبنا.
- ومحكمة الرأي العام من حولنا.
- ومحكمة السماء من فوقنا.
وأنه قد أعدنا للوقوف أمام هذه المحاكم بأنواع ثلاثة من التربية لوجداننا هي:
- تربية الوجدان الخلقي.
- وتربية الوجدان الاجتماعي.
- وتربية الوجدان الأدبي.
هذه بعض المزايا التي اختص بـها القرآن الكريم عن غيره من الشرائع، مما يتضح لمن تدبر في آياته الكريمة أنه كتاب معجز من جميع الوجوه، قال - تعالى -: ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)) [النحل: 89].
وقال - تعالى -: ((وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم)) [الأنعام: 115].
وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
----------------------------------------
[1] - انظر محاضرة الشيخ الشنقيطي ص: 509.
[2] - انظر (المعجزات القرآنية) ص: 94 لسعيد النورسي.
[3] - المصدر السابق.
[4] - انظر: (مشاهداتي في بريطانيا) لعبد الله مبارك الخاطر - رحمه الله -، مقالات نشرت في مجلة البيان - بلندن.