بسم الله الرحمن الرحيم
قال - تعالى -:" يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا" {التحريم:1- 5}.
سورة مدنية، تعالج واقعةً من الوقائع التي وقعت في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي تظاهرُ امرأتين من نسائه عليه حتى جعلتاه يحرّم على نفسه بعض ما أحلّ الله له، فنزلت السورة بعتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما حرّم على نفسه، وعتاب المرأتين على تظاهرهما عليه، وتهديد سائرهنّ بالطلاق، وإبدال الله نبيه خيرًا منهن مسلمات مؤمناتٍ تائبات عابدات سائحات ثياب وأبكارًا.
وبمناسبة الحديث عن بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمر السورةُ الرجال القائمين بأمر بيوتهم أن يعملوا على وقاية أنفسهم وأهليهم من النار، وتأمرهم بالتوبة رجاءَ أن يكفّر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.
ثم تختم السورة بضرب الأمثلة للنساء، ولا سيما أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللائي تظاهرْن عليه، لتعلم النساء أنّ الأزواج الصالحين لن يغنوا عن نسائهم شيئًا، وأنّ النساء الصالحات لا يحملن من أوزار أزواجهن شيئًا، وأنّ غير ذات الزوج من النساء لن يضرّها عدُم زواجها، وإنما ينفعها إيمانُها والعملُ الصالح.
تفسير الآيات:
اختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزل بسبب تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - العسلَ، كما روى البخاري عند هذه الآية عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يشربُ عسلاً عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير؟
إني أجد منك ريح مغافير، قال: لا، ولكني كنت أشربُ عسلاً عند زينب ابنة جحش فلن أعود له، وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحدًا".
وقيل: نزلت في شأن مارية، كما روى النسائي عن أنسٍ أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمةٌ يطؤها، فلم تزل به عائشةُ وحفصة حتى حرّمها، فأنزل الله - عز وجل -: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك؟
إلى آخر الآية.
قال الشوكاني - رحمه الله - في تفسيره: فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمعُ ممكنٌ بوقوع القصّتين:
قصةِ العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا، وفي كل واحدة منهما أنه أسرّ إلى بعض أزواجه. اه.
وقد استفتحت السورةُ بالنداء على النبي - صلى الله عليه وسلم - ب يا أيها النبي، ولم ينادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن باسمه المجرد أبدًا، وإنما يُنادى دائمًا بلقب النّبوة: " يا أيها النبي، أو لقب الرسالة: يا أيها
الرسول، وفي هذا تعليمٌ للأمة وإرشادٌ لها إلى أنها أَوْلَى بذلك في نداء نبيها، وقد جاء النهيُ صراحةً عن ندائه - صلى الله عليه وسلم - ب "يا محمد، أو يا أحمد"، قال - تعالى -: " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، وبعد هذا اللطف، وبعد هذا الودّ يأتي العتاب: لم تحرم ما أحل الله لك من الطعام أو النساء، على حسب ما سبق في سبب النزول: تبتغي مرضاة أزواجك أي: تطلبُ رضا أزواجك بتحريم ما أحلّ الله لك؟ ومهما يكن، ف والله غفور رحيم.
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أي: قد شرع الله لكم ما تتحللون به من أيمانكم وذلك بالكفارة، ولذلك كان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: في الحرام يمينٌ تكفرها، ثم يقرأ: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة يعني أنّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حرّم جاريته أو العسل فقال الله - تعالى -: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم.
فإذا حرّم الرجلُ على نفسِه طعامًا أو شرابًا أو لباسًا، أو حرّم على نفسه دخول دارٍ، أو ركوبَ دابة، فعليه كفارةُ يمين وإذا حرّم على نفسه وطءَ امرأته فعليه كفّارةُ يمين.
والكفّارة هي المذكورةُ في قوله - تعالى -: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ومما يجدرُ التنبيه عليه أن الصيام لا يجزئ مع القدرة على خصلةٍ من الخصال الثلاث السابقة، فلابدّ من التكفير بواحدة منها مع القدرة عليها، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
والله مولاكم يتولاكم بلطفه ورعايته، وفضله وإحسانه، كما يتولاكم بتشريع ما يعود عليكم بالمصلحة والنفع والخير في الدنيا والآخرة، وهو العليم بما فيه مصالحكم، الحكيم في شرعه وقدره وجميع أمره.
وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا وهو أنّ العسل عليه حرام، أو مارية، فلم تحفظ سره، ونبأت به صاحبتها، فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير، وإفشاءُ السر خيانةٌ للأمانة، ونقضٌ للعهد؛ لأنَّ الذي يسرّ إلى صاحبه سرّا يحب أن يُصان هذا السر، ويكره أن يُذاعَ، فإذا صان الصاحبُ سرّ صاحبه ذاعت الطمأنينةُ والثقةُ في الناس بعضهم ببعض، وإذا أذاع الصاحبُ سرّ صاحبه فُقِدتِ الثقةُ من الناس بعضهم ببعض، ولذلك كان العتابُ شديدًا للزوجتين اللتين تظاهرتا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأذاعتا سرّه: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي: قد مالت قلوبكما عن الحق والهدى وما يجب عليكما من الإخلاص لرسول الله، فهلا تتوبان إلى الله وتستغفرانه والله غفور رحيم إن استغفرتما. وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، ثم يشتد الوعيدُ فيصل إلى درجة التهديد بالطلاق: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا، والإسلام في الظاهر انقيادُ الجوارح وخضوعها واستسلامُها لله وأوامره، والإيمانُ في القلب، وهو أعلى درجة من الإسلام، والقنوتُ هنا دوام الطاعة لله ربّ العالمين، والسياحة المراد بها الصيام، ولما كان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - الثيبات والأبكار، وصف الزوجات اللاتي وعده أن يبدله بهنّ بأنهنّ ثيبات وأبكار. ولما نزلت الآيات وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - على نسائه فحلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، واعتزلهنّ في مشربة له، ينزل للصلاة فقط ولا يدخل عليهن، حتى قال الناس: طلّق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه.
عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: لم أزلْ حريصًا على أن أسأل عمرَ بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله - تعالى -: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما حتى حجّ وحججتُ معه،
وعَدلَ وعَدلْتَ معه بإداوةٍ، فتبرز ثم جاء، فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، من المرأتان مِن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللّتان قال الله - تعالى -: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما؟
قال: واعجبًا لك يا ابن عباس، هما عائشةُ وحفصةُ. ثم استقبل عمرُ الحديثَ يسوقه قال: كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصارِ في بني أميّة بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنّا نتناوب النزول على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جيئتُه بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلبُ النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤُهم، فطفق نساؤُنا يأخذن مِن أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني، قالت: ولم تُنْكِرُ أن أراجعَك؟ فوالله إنّ أزواجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه، وإنّ إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني ذلك، فقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهنّ، ثم جمعتُ عليّ ثيابي، فنزلتُ فدخلتُ على حفصة فقلتُ لها: أيْ حفصة، أَتُغَاضِبُ إحداكنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اليومَ حتى الليل؟ قالت: نعم. فقلتُ: قد خِبْتِ وخَسِرْتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتهلكي؟ لا تستكثري النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك ولا يغرنّك أن كانت جارتك أَوْضَأَ منك وأحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد عائشة - قال عمر: وكنّا قد تحدّثنا أن غسّان تُنْعِلُ الخيلَ لتغزوَنا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاءً، فضرب بابي ضربًا شديدًا، وقال: أثم هو؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه، فقال: قد حدث اليوم أمرٌ عظيم، قلتُ: ما هو؟ أجاء غسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلّق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه، فقلتُ: خابتْ حفصةُ وخسرت، وقد كنتُ أظن هذا يوشك أن يكون، فجمعتُ عليّ ثيابي، فصليتُ صلاة الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مَشّرُبةً له فاعتزل فيها، ودخلتُ على حفصة فإذا هي تبكي، فقلتُ: ما يبيكِ؟ ألم أكنْ حذرتك هذا؟ أطلقكنّ النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: لا أدري، ها هو ذا معتزلٌ في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهطٌ يبكي بعضُهم، فجلستُ معهم قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت لغلامٍ له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع فقال: كلمتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرتُك له فصمت، فانصرفتُ حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت فقلتُ للغلام: اسْتَأْذِنْ لعمر، فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتُك له فصمت، فرجعتُ فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: اسْتَأْذِنْ لعمر، فدخل ثم رجع فقال: ذكرتُك له فصمت، فلما وَلّيتَ منصرفًا إذا الغلام يدعوني فقال: قد أَذِنَ لك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخلتُ على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو مضطجعٌ على رمالِ حصيرٍ ليس بينه وبينه فراشٌ قد أثّر الرمال بجنبه، متكئًا على وسادةٍ من أدم حشوها ليف، فسلّمتُ عليه، ثم قلتُ وأنا قائم: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ فرفع إليّ بصره، فقال: لا، فقلتُ: الله أكبر، ثم قلت وأنا قائم: أَسْتَأنِسُ يا رسول الله؟ لو رأيتني وكنّا معشر قريش نغلبُ النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قومٌ تغلبُهم نساؤهم، فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قلتُ: يا رسول الله، لو رأيتني ودخلتُ على حفصة فقلتُ لها: لا يغرنّك أن كانت جارتُك أَوْضَأَ منك وأحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، يريد عائشة، فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسّم، فرفعتُ بصري في بيته، فوالله ما رأيتُ في بيته شيئًا يرد البصر، غير أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادْعُ الله فليوسِّعْ على أمِّتك، فإنّ فارس والرومَ قد وُسِّع عليهم وأُعْطُوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئًا فقال: أَوَ في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قومٌ قد عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: يا رسول الله، استغفر لي، فاعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه من أجل ذلك الحديث حين أَفْشَته حفصةُ إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدّة موجدته عليهنّ حين عاتبه اللهُ - عز وجل -، فلما مضت تسعٌ وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشةُ: يا رسول الله، إنّك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة، أُعدّها عدًا! فقال: الشهرُ تسعُ وعشرون ليلةً، فكان ذلك الشهرُ تسعًا وعشرين ليلةً، قالت عائشةُ: ثم أنزل الله - تعالى - آية التخيير فبدأ بي أوّل امرأة من نسائه فاخترته، ثم خيّر نساءه كلهن فقلن مِثْلَ ما قالت عائشة.
وحَلِفُه - صلى الله عليه وسلم - هذا يسمّى الإيلاء: وهو أَنْ يَحْلِفَ الرجّلُ أن لا يدخل على امرأته، أَوْ أن لا يطلقها، فإن قيّد اليمين بمدةٍ ثم برّ بمينه فلا شيءَ عليه، كما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن حنث فعليه كفارةُ اليمين، أما إن أطلق اليمين ولم يقيّدها بمدةٍ فإنه يُمْهَلُ أربعة أشهرٍ، ثم يُؤْمَرُ بالفيءِ أي العودة إلى المعاشرة بالمعروف، وإلا طَلق، فإن أبى طلق عليه الحاكم. قال - تعالى -: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم" .