بسم الله الرحمن الرحيم
قال - تعالى -: ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما(12) {الطلاق: 2 - 12}.
تفسير الآيات:
إن تقوى الله هي التي تعين على الائتمار بما أمر الله، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، ولذلك يأمر الله - عز وجل - بها كثيرًا، قبل الأمر والنهي أو عقبها، كما في قوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، وقوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله، ولما ذكر الله - تعالى - في أول السورة الكريمة حدود الطلاق، ووصف متعدّيها بالظلم، رغب بعد ذلك في التقوى التي تعين على احترام تلك الحدود والوقوف عندها، فقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب، قال الزمخشري: "يجوز أن يكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن، والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فيطلق للسنة، ولم يضارّ المعتدة، ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط فأشهد، يجعل له مخرجًا مما في شأن الأزواج من الغموم، والوقوع في الضايق، ويفرج عنه وينفس، ويعطه الخلاص، ويرزقه من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه، إن أوفى المهر، وأدى الحقوق والنفقات وقلّ ماله. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ذلكم يوعظ به يعني: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ومخلصًا من غموم الدنيا والآخرة". {الكشاف: 109-4}.
وقال ابن القيم: "اعلم أن من اتقى الله في طلاق، فطلّق كما أمره الله ورسوله، وشرعه له، أغناه الله - تعالى - عن حيل أهل الحيل، فإن الله - تعالى - قال بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ومن يتق الله يجعل له مخرجا، فلو اتقى الله عامّة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن الطلاق الذي شرعه الله - سبحانه -: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى ينقضي عدتها، فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن يستقبل العقد عليها من غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة ولا تحليل". {إغاثة اللهفان: 283-1}.
فاتقوا الله في طلاقكم، وتوكلوا على الله ربكم، ومن يتوكل على الله في جلب المصالح ودفع المضار، فهو حسبه أي كافيه ما توكل عليه فيه، إن الله بالغ أمره "أي يبلغ ما أراد من أمره، وإن تأخر، قد جعل الله لكل شيء قدرا أي حدّا وتقديرًا، حسبما تقتضيه الحكمة". {محاسن التأويل: 199-16}.
فاللائي يحضن عدّتهنّ ثلاثة قروء، كما قال - تعالى -: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء {البقرة: 228}، والراجح أن القرء هو الحيضة.
واللائي يَئِسْنَ من المحيض؛ الكبيرات السن فعدتهن ثلاثةُ أشهر، وكذلك اللائي لم يحضن لصغرٍ أو غيره، هذا حكم غير الحامل.
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقد قضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن الزبير بن العوّام: أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له وهي حامل: طيّب نفسي بتطليقة، فطلّقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضَعَتْ، فقال: ما لها؟ خَدَعَتْني خدعها الله، ثم أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "سبق الكتابُ أجلَه، اخْطُبها إلى نفسها".
ولا فرق في ذلك بيْن المطلّقة والمتوفّى عنها زوجُها، فهما في هذا الحكم سواء، لما رواه مسلم من حديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتُوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعتْ حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراكِ متجملة؟ لعلّك ترجين النكاح. إنك والله ما أنتِ بناكحٍ حتى تمرّ عليك أربعةُ أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألتُه عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي، قال ابن شهاب (أحد رواة الحديث): فلا أرى بأسًا أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها غير أن لا يقربها زوجُها حتى تطهر.
ولما كان الطلاق لا يقع إلا عند نزاع وشقاق، ويفضي – غالبًا - إلى العداوة والبغضاء، حثّ الله - تعالى - على التقوى ورغّب فيها، وكرّر ذلك، فقال: ومن يتق الله "أي فلم يخالف إذنه في طلاق امرأته يجعل له من أمره يسرا وهو تسهيل الرجعة ما دامت في عدتها، والقدرة على خطبتها إن انقضت ودعته نفسه إليها، بسبب التقوى". {محاسن التأويل: 200-16}.
ثم يؤكد الله - تعالى - على ضرورة التزام ما شرع في الطلاق فيقول: ذلك أمر الله أنزله إليكم فائتمروا به والتزموه ولا تخالفوه، ومرة ثالثة يرغبهم في الالتزام فيقول: ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، كما قال - سبحانه -: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم.
ثم بيّن - سبحانه - حكم المطلقة في السكنى والنفقة فقال: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا.
يقول - تعالى - آمرًا عباده إذا طلق أحدُهم المرأة أن يُسْكِنَها في منزلٍ حتى تنقضي عدّتُها، فقال: أسكنوهن من حيث سكنتم أي عندكم من وجدكم قال ابن عباس ومجاهد وغيرُ واحدٍ يعني سعتكم. وقوله - تعالى -: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن، قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرُها لتفتدي منه بما لها أو تخرج من مسكنه. وقوله - تعالى -: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن قال كثيرٌ من العلماء: هذه في البائن إن كانت حاملاً أنفقَ عليها حتى تضع حملها، قالوا: بدليل أن الرجعية تجبُ نفقتها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وقال آخرون: بل السياق كلّه في الرجعيات، وإنما نصّ على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدّته غالبًا، فاحتاج إلى النصّ على وجوب الإنفاق حتى الوضع؛ لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار العدة. اه. من ابن كثير.
قلت: والآية عامة، فهي تشمل الرجعية باتفاقٍ، والبائنَ على الراجح، لما رواه أحمد عن عبيد الله بن عبد الله أن أبا عمروٍ بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياشُ بنُ أبي ربيعةَ بنفقة، فقال لها: والله ما لك من نفقةٍ إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: "لا إلا أن تكوني حاملاً" وذكر تمام الحديث.
قوله - تعالى -: فإن أرضعن لكم أي إذا وضعن حملنّ وهُنّ طوالق فَقَد بيّن بانقضاء عدتهن ولها حينئذ أن تُرضع الولدَ ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ، وهو باكورة اللبن الذي لا قوامَ للمولودِ غالبًا إلا به، فإن أرضعتْ استحقتْ أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة، ولهذا قال - تعالى -: فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن، وقوله - تعالى -: وأتمروا بينكم بمعروف أي: ولتكن أمورُكم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارّة، كما قال - تعالى - في سورة البقرة: لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وقوله - تعالى -: وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى أي: إن اختلف الرجلُ والمرأةُ فطلبتِ المرأةُ في أجرةِ الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجلُ قليلاً ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأمّ بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحقّ بولدها. انتهى من ابن كثير.
ثم يفصل الأمر في قدر النفقة، فهو اليسر والتعاون والعدل، لا يجور هو، ولا تتعنّت هي، فمن وسّع الله عليه رزقه فلينفق عن سعةٍ، سواء في السكنِ أو في نفقة المعيشة أو في أجر الرضاعة. ومن ضُيّق عليه في الرزق، فليس عليه من حرج، فالله لا يطالبُ أحدًا أن ينفق إلا في حدود ما آتاه، فهو المعطي، ولا يملك أحدٌ أن يحصل على غير ما أعطاه الله، فليس هناك مصدرٌ آخرٌ للعطاء غيرُ هذا المصدر، وليست هناك خزانة غير هذه الخزانة: لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها.
ثم لمسة الإرضاء، وإفساحُ الرجاء، للاثنين على السواء: سيجعل الله بعد عسر يسرا فالأمر منوطٌ بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر، فأَوْلَى لهما إذن أن يعقدا به الأمر كله، وأن يتجها إليه بالأمر كله، وأن يراقباه ويتقياه والأمر كله إليه، وهو المانح المانع، القابض الباسط، وبيده الضيق والفرج، والعسر واليسر، والشدّة والرخاء.
وإلى هنا يكون قد تناول سائر أحكام الطلاق ومتخلفاته، وتتبع كل أثرٍ من آثاره حتى انتهى إلى حلٍّ واضح، ولم يدع من البيت المتهدّم أنقاضًا ولا غبارًا يملأ النفوس ويغشي القلوب، ولم يتركْ بعده عقابيلَ غيرَ مستريحة بعلاج، ولا قلاقل تثير الاضطراب وإن الزوجين ليفارقان- في ظلّ تلك الأحكام والتوجيهات- وفي قلوبهما بذور للودّ لم تمت، ونداوة قد تُحيي هذه البذور فتنبت، ذلك هو الأدب الجميل الرفيع الذي يريد الإسلام أن يُصْبغَ به حياةَ الجماعة المسلمة، ويشيع فيها أَوْجَهُ وشذاه.
فإذا انتهى السياق من هذا كلّه ساق العبرة الأخيرة في مصير الذين عتوا عن أمر ربهم ورسله، فلم يسمعوا ولم يستجيبوا وعلق هذه العبرة على الرؤوس، تذكرهم بالمصير البائس الذي ينتظر من لا يتقي ولا يطيع، كما تذكرهم بنعمة الله على المؤمنين المخاطبين بالسورة والتشريع.
وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا.
وهو إنذارٌ طويل، وتحذير مفصّل المشاهد، كما أنه تذكيرٌ عميقٌ بنعمة الله بالإيمان والنور، ووعده بالأجر في الآخرة، وهو أحسن الرزق وأكرمه.
فأَخْذُ الله لمن يعتو عن أمره ولا يسلّم لرسله هو سنة متكررة: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا وتفصيل أخذها وذكر الحساب العسير، والعذاب النكير، ثم تصوير العاقبة وسوء المصير، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا، ثم تأخير صورة هذه العاقبة الخاسرة في الآية التالية: أعد الله لهم عذابا شديدا من كلّ هذا المشهد وتفصيل خطواته ومراحله، وهي طريقةٌ من طرق الأسلواب القرآني في تعميق الأثر في الحسّ وإطالة مكثه في الأعصاب، ومواجهة هذا الإنذار ومشاهده الطويلة يهتف بأولي الألباب الذين آمنوا، الذين هدتهم ألبابهم إلى الإيمان، يهتف بهم ليتقوا الله الذي أنزل لهم الذكر: "قد أنزل الله لكم ذكرًا" يعني: القرآن، كقوله - تعالى -: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وقوله - تعالى -: رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات، قال بعضهم: رسولاً منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلّغ الذكر، وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمةٌ عن الذكر، يعني تفسيرٌ له، ولهذا قال - تعالى -: "رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات" أي في حال كونها بينة واضحة جلية، ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، كقوله - تعالى -: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمّى الله - تعالى - الوحي الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى، كما سمّاه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب، فقال - تعالى -: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، وفوق نعمة الذكر والنور والهداية والإصلاح وعدٌ بنعيم الجنات خالدين فيها أبدًا: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وتذكير بأن هذا الرزق هو أحسن الرزق، فلا يقاس إليه رزق الأرض: قد أحسن الله له رزقا، وهو الرزق الذي في الدنيا والآخرة، ولكنّ رزقًا خيرٌ من رزق، واختياره للأحسن هو الاختيار الحق الكريم.
وهكذا يلمس نقطة الرزق مرةً أخرى، ويهّون بهذه الإشارة من رزق الأرض، إلى جانب رزق الجنة، بعدما وعد في المقاطع الأولى بسعة رزق الأرض أيضًا.
وفي الختام يجيء ذلك النظم الكوني الهائل، فيربط موضوع السورة وتشريعاتها وتوجياتها بقدر الله، وقدرة الله، وعلم الله، في المجال الكوني العريض.
الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما.
يقول - تعالى - مخبرًا عن قدرته التامة، وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: الله الذي خلق سبع سموات، كقوله - تعالى -: خلق سبع سموات طباقا، وكقوله - تعالى - إخبارًا عن نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه: ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وقوله - تعالى -: ومن الأرض مثلهن أي: سبعًا أيضًا، كما ثبت في الصحيحين: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوق من سبع أرضين".
وبين هذه السماوات السبع والأرضين السبع ينزل أمر الله لينشيء في قلب المؤمن عقيدة أن الله على كل شيء قدير، فلا يعجزه شيء مما يريد، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، فلا يعزب عن علمه شيء مما يكون في ملكه الواسع العريض، ولا مما يسرونه في حنايا القلوب.
وهكذا تختم السورة بهذا النسق الذي يهوي ويروع بقدر ما يحرك القلوب لتجيب وتطيع، فسبحان خالق القلوب، العليم بما فيها من المنجيات والدروب.