بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الثاني (12)
الحلقة الأخيرة
الحمد لله الذي بيده الملك والملكوت، أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وأرسل موسى بآياته وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين من بعثه ربه رحمة للعالمين.. وبعد:
قال الله - تعالى - في كتابه الكريم: "إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين {القصص: 76- 83}.
أخي القارئ الكريم، تحدثنا في العدد السابق عن لمحات من قصة نبي الله موسى - عليه السلام - مع قارون، وفي هذا العدد نتكلم بشيء من التفصيل، وذلك من خلال سورة القصص، بعد أن بسط الله - سبحانه وتعالى- ذكر القصة في هذه السورة الكريمة.
أولاً: مدخل:
1- علاقة قصة قارون بقصة موسى واضحة: إن قارون كان من قوم موسى، لكن هل وقعت القصة قبل عبور موسى وقومه البحر أو بعد العبور؟ الراجح- والله أعلم- أنها كانت بعد عبور موسى وقومه، وهذا الذي يؤكده سياق القصة، كما سيأتي إن شاء الله - تعالى -.
2- أما مناسبة ذكر القصة وحال المسلمين في مكة؛ فقد جاءت تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه الذين كانوا يواجهون طغيان المشركين من أهل مكة أصحاب الجاه والسلطان والمال، كما جاءت الآيات تهديدًا ووعيدًا لهؤلاء المستكبرين إنْ أصروا على كُفرهم واستكبارهم أن يصيبهم من العذاب مثل ما أصاب قارون ومن سبقه من أهل الظلم والبغي وحينئذ لا يجدون لهم وليًا ولا نصيرًا؛ وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
ثانيًا: عرض مجمل لأحداث القصة من خلال فهم الآيات الكريمة السابقة يتمثل في الخطوات التالية:
أ- طغيان قارون على قومه:
تبدأ الآيات الكريمة بتحديد نسب قارون والتعريف بشخصه وأنه من قوم موسى، وعلى قول أكثر المفسرين هو ابن عم موسى، وقيل: كان من الماهرين في قراءة التوراة العالمين بها، وكان من السبعين الذين اختارهم الله للميقات، لكنه نافق بعد ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم تُقَرِّرُ الآيات مَسْلك قارون مع قومه إذ بغى عليهم؛ وأنَّ سبب هذا البغي هو الثراء العريض والمال الكثير الذي آتاه الله قارون، وبلغ من كثرة هذا المال أنَّه كنوز، وأن هذه الكنوز من كثرتها تَتْعَبُ المجموعةُ من الرجال بل تعجز عن حمل مفاتحها.
وكانت صور بغي قارون كثيرة ومتعددة أشار إليها جميعًا علماء التفسير، فقال شهر بن حوشب: كان بغيه: "أن زاد في طول ثوبه شبرًا"، قال القرطبي تعليقًا على ذلك: وفي الحديث: "لا ينظر الله إلى من جرَّ إزاره بطرًا". رواه البخاري، وقال الضحاك: بغيه: كفره بالله - عز وجل -، وقال قتادة: بغيه بالتكبر على قومه واستخفافه بهم؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حسد موسى على الرسالة وحسد هارون على الإمامة.
وقال يحيى بن سلام وابن المسيب: كان قارون غنيًا عاملاً لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم، وكان منهم، وكل ذلك من مظاهر بغيه- والله أعلم.
نصيحة أهل الصلاح:
ب- لما رأى الصالحون- من قوم موسى ومن أقارب "قارون" ما عليه قارون من فساد وطغيان قد يؤدي به إلى الهلاك نصحوه نصيحةً أمينة، نصيحةَ من يعلم عواقب الأمور؛ فقالوا له: "لا تفرح" أي لا تتكبر وتغتر بمالك ولا تكن من الغافلين، واعترف بالنعمة لمسديها وهو الله - سبحانه - واعرف حقَّه فيها بوضعها فيما أمرك وأحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك، ولا تنس نصيبك من الحلال المباح في الدنيا.
ج- جحود النعمة والكفر بالمنعم - سبحانه -:
لم يقبل قارون نصيحة قومه ولم يتراجع عن غيِّه بل تمادى في عناده وبغيه ورد على الناصحين بقوله: إنما أوتيته على علم عندي وهذه الجملة على وجازتها تحمل شتى معاني الفساد والإفساد، فقارون كفر بالنعمة وجحد المنعم - سبحانه -، وحاصل هذه الجملة هو الفساد بجميع صوره؛ لأنه سيتصرف في المال باعتباره صاحب السلطان المطلق فيه، فهو الذي جمعه بجهده وعلمه وهو صاحب التصرف فيه بلا وازع من شَرْع أو دين، وإنما حسبما يمليه عليه هواه، وسينظر للناصحين نظر سوء، ويتهمهم بما ليس فيهم.
د- موقف الناس من الفتنة:
فخرج على قومه في زينته خرج قارون يستعرض قوته وأمواله في موكب زينة، وكأنه يقول بلسان الحال، إذا كان موسى أُعطى التوراة والرسالة فأنا أملك كل هذه الأموال وأستطيع أن أفعل بها ما أشاء، خرج يتحدى موسى والصالحين من قومه، ويفتن العامة.
وانقسم الناس أمام هذا الموقف إلى فريقين: فريق ثابت على الحق لا يتزعزع إيمانه بمثل هذه الأمور وهؤلاء الذين أوتوا العلم، وهؤلاء لم يفتنوا.
ويقابلهم فريق من ضعاف الإيمان والعلم وهم الذين فُتِنُوا بما عند قارون وغرَّهم مظهر الزينة الزائلة وتمنوا أن يكون لهم مثل ما أوتى قارون وأعلنوا ذلك صراحة بلسان المقال، فحذرهم الذين أوتوا العلم وقالوا لهم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون، وهذا قولٌ يدل على الرسوخ في العلم واليقين بما عند الله.
ه- العقوبة العاجلة:
وعندما تبلغ الزينة ذروتها يضع الله - سبحانه - حدًا للفتنة وللعلو والاستكبار في الأرض بغير الحق، قال - تعالى -: فخسفنا به وبداره الأرض.
وهكذا أمر الله الأرض فابتلعته وابتلعت داره وذهبت زينتُه في لحظات، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاءً وفاقًا وذهب ضعيفًا عاجزًا لا ينصره أحد ولم ينفعه ماله الذي تكبَّر به.
هكذا طارت أحلام الذين تمنَّوا مكانه بالأمس، الذين طارت قلوبهم وتهاوت نفوسهم وتمنوا لأنفسهم مثل ما أوتي قارون ويحسبون أنه أوتي حظًا عظيمًا يشتهيه المحرومون.
و- العبرة بعد الغفلة:
وهكذا أفاق الذين أسكرتهم نشوة حبِّ المال، نعم أفاقوا من غفلتهم بعد رؤية الخسف الذي عاجل الجبارُ - سبحانه - به قارون، وهو شيء لم يكونوا يتوقعونه؛ نعم ربما رأى بعضهم أو جميعهم غرق فرعون في البحر هو وجنده لكنهم لم يكونوا يتخيَّلون أن الأرض الجامدة تبلتع هي أيضًا أعداء الله، لم يكونوا يدركون أن لله جنودَ السماوات والأرض، ويرسل الله جنده على من يشاء عندما يشاء.
انتبه الذين تمنوا مكانه بالأمس على المشهد الرهيب الذي تنخلع من هوله القلوب، ووقفوا يحمدون الله - سبحانه وتعالى- أن منَّ عليهم ونجَّاهم من الخسف، وبعد أن أخذ العجبُ بألبابهم أدركوا أن الله يبتلي عباده بالخير والشر، وأن الثراء العريض ليس دليلاً على رضا الله عن العبد؛ لأن الله - سبحانه - من سننه الكونية أن يوسع الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء، ابتلاءً وفتنة، فهي أسباب أخرى لا علاقة لها بالرضا والغضب، فإن الرضا والغضب يتوقف على أسباب أخرى وضحها الله في كتابه وعلى لسان رسله الأكرمين، ولو كان الثراء وحده دليل الرضا ما أخذ الله قارون هذا الأخذ الشديد العنيف، وعلموا كذلك أن الكافرين لا يفلحون أبدًا، وإن بدا ظاهرهم في الدنيا يأخذ بألباب ضعاف الإيمان؛ لذا ناسب أن التعقيب من رب العزة والجلال: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.