بسم الله الرحمن الرحيم
يقول - تعالى - في التنزيل: "وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين" {الشعراء: 192- 195}.
ويقول: قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين {النحل: 102}، ويقول: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم {الجاثية: 2}، ويقول: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله {البقرة: 23}، ويقول: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين {البقرة: 97}.
فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا، فالمراد به نزوله منجمًا "مفرقًا"، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يفرقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم. وقد نزل القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرقًا في قوله - تعالى -: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا {الإسراء: 106}، أي جعلنا نزوله مفرقًا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزلناه تنزيلاً بحسب الوقائع والأحداث.
أما الكتب السماوية الأخرى- كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة ولم تنزل مفرقة، يدل على هذا قوله - تعالى -: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا {الفرقان: 32}، فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجمًا، فمعنى قولهم: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة هلا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وما له أنزل على التنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله عليهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم: وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق {الفرقان: 7} بقوله: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق {الفرقان: 20}.
وكما رد عليهم في قولهم: أبعث الله بشرا رسولا {الإسراء: 94} بقوله: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا {الإسراء: 95}، وقوله: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم {الأنبياء: 7}، بل أجابهم الله - تعالى - ببيان وجه الحكمة من تنزيل القرآن منجمًا بقوله: كذلك لنثبت به فؤادك، أي: كذلك أنزل مفرقًا لحكمة تقوية قلب رسول الله، ورتلناه ترتيلا أي: قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبت.
والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين جملة، وصح نزول "غير أولي الضرر" وحدها وهي بعض آية.
الحكمة من نزول القرآن منجمًا.
الحكمة الأولى: تثبيت قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -:
لقوله - تعالى -: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا {الفرقان: 32، 33}.
لقد وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته إلى الناس، فوجد منهم نفورًا وقسوة، وتصدى له قوم غلاظ الأكباد فُطروا على الجفوة، وجبلوا على العناد، يتعرضون له بصنوف الأذى والعنت مع رغبته الصادقة في إبلاغهم الخير الذي يحمله إليهم، حتى قال الله فيه: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا {الكهف: 6}.
فكان الوحي يتنزل على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فترة بعد فترة، بما يثبت قلبه على الحق، ويشحذ عزمه للمضي قدمًا في طريق دعوته، لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه.
يبين الله له سنته في الأنبياء السابقين الذين كذبوا وأوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله وأن قومه لم يكذبوه إلا علوًا واستكبارًا، فيجد - عليه الصلاة والسلام - في ذلك السنة الإلهية في موكب النبوة عبر التاريخ التي يتأسى بها تسلية له إزاء أذى قومه، وتكذيبهم إياه، وإعراضهم عنه: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا {الأنعام: 33، 34}، وقال - تعالى -: فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير {آل عمران: 184}، ويأمره القرآن بالصبر كما صبر الرسل من قبله: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل {الأحقاف: 35}.
ويطمئن نفسه بما تكفل الله به من كفايته أمر المكذبين، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا {المزمل: 10- 11}، وهذا هو ما جاء في حكمة قصص الأنبياء بالقرآن: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك {هود: 120}، وكلما اشتد ألم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتكذيب قومه، وداخله الحزن لأذاهم نزل القرآن دعمًا وتسلية له، يهدد المكذبين بأن الله يعلم أحوالهم، وسيجازيهم على ما كان منهم: فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون {يس: 76}، ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم {يونس: 65}، كما يبشره الله - تعالى - بآيات المنعة والغلبة والنصر: والله يعصمك من الناس {المائدة: 67}، وينصرك الله نصرا عزيزا {الفتح: 3}، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز {المجادلة: 21}.
وهكذا كانت آيات القرآن تتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تباعًا تسلية له بعد تسلية وعزاء بعد عزاء، حتى لا يأخذ منه الحزن مأخذه ولا يستبد به الأسى، ولا يجد اليأس إلى نفسه سبيلاً، فله في قصص الأنبياء أسوة، وفي مصير المكذبين سلوى، وفي العِدَة بالنصر بشرى، وكلما عرض له شيء من الحزن بمقتضى الطبع البشري تكررت التسلية فثبت قلبه على دعوته، وأطمأن إلى النصر.
وهذه الحكمة هي التي رد الله بها على اعتراض الكفار في تنجيم القرآن بقوله - تعالى -: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا {الفرقان: 32}.
قال أبو شامة: "فإن قيل: ما السِّرُّ في نزله منجمًا؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال - تعالى -: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم - تعالى - بقوله: "كذلك" أي أنزلناه مفرقًا لنثبت به فؤادك أي لنقويّ به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل".
الحكمة الثانية: التحدي والإعجاز:
فالمشركون تمادوا في غيهم، وبالغوا في عتوهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحدٍ يمتحنون بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في نبوته ويسوقون له من ذلك كل عجيب من باطلهم، كعلم الساعة: يسألونك عن الساعة {الأعراف: 187}، واستعجال العذاب: ويستعجلونك بالعذاب {الحج: 47}، فيتنزل القرآن بما يبين وجه الحق لهم، وبما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم كما قال - تعالى -: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا {الفرقان: 33} أي: ولا يأتونك بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة إلا أتيناك نحن بالجواب الحق، وبما هو أحسن معنى من تلك الأسئلة التي هي مثل في البطلان.
الحكمة الثالثة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها:
فكلما جدّ منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه، وفصّل لهم الله من أحكامه ما يوافقه، وتشتمل هذه الحكمة على أمور أربعة:
أولها: إجابة السائلين عن أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته كما قال - تعالى - في جواب سؤال أعدائه: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا {الإسراء: 85}، أم كانت لغرض التنور ومعرفة حكم الله كقوله - تعالى -: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو {البقرة: 219}.
ثانيها: مجاراة الأقضية والحوادث في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها، ومعلوم أن تلك الأقضية والحوادث لم تقع جملة واحدة وإنما وقعت متفرقة.
ومن ثم كان لا بد من نزول القرآن مفرقًا على حسب هذه الأقضية والوقائع، ومن الأمثلة على ذلك قوله - تعالى -: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله {المجادلة: 1}.
ثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح الأخطاء التي كانوا فيها، مثال ذلك: قول الله - تعالى -: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم {آل عمران: 121}، فقد نزل هذا القول الكريم في غزوة أحد إرشادًا للمسلمين إلى موقع الخطأ الذي وقعوا فيه.
رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ويظهر هذا واضحًا من قول الله - تعالى -: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلى قوله - تعالى -: إن الله على كل شيء قدير {البقرة: 8- 20}. فالآيات المذكورة فضحت المنافقين وكشفت أستارهم.
الحكمة الرابعة: التدرج في تشريع الأحكام:
وذلك حتى يصل إلى درجة الكمال، فالله - عز وجل - لم يكلف عباده ما لا يطيقونه، بل سلك بهم طريقًا وسطًا، فاهتم القرآن أولاً بزرع وتثبيت العقيدة في النفوس، ولم يكلفهم من العبادات في مكة إلا القليل، فالصلاة لم تفرض عليهم إلا قبل الهجرة بقليل، ثم فرض الصيام والزكاة في السنة الثانية من الهجرة، ثم فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة.
ولم يحرم القرآن عليهم ما كان يجري في نفوسهم جرى الدم في العروق مرة واحدة، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه، وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يُجابهُوا بالمنع منه منعًا باتًا، فنزل في شأنه أولاً قوله - تعالى -: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما {البقرة: 219}، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئًا إثمه أكبر من نفعه، ثم نزل ثانيًا قوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون {النساء: 43}، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات، ثم نزل ثالثًا قوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين {المائدة: 90- 92}، فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعًا باتًا في جميع الأوقات، بعد أن هُيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات، وكذا الربا لم يحرمه القرآن إلا بعد الهجرة أيضًا.
الحكمة الخامسة: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه:
حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.
الحكمة السادسة: تيسير حفظه وفهمه:
لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، سجلها ذاكرة حافظة ليس لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدون، ثم تحفظ وتفهم، هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين {الجمعة: 2}، وقال - تعالى -: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي {الأعراف: 157}، فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته، فكان نزوله مفرقًا خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا بيانها ووقفوا عند أحكامها، واستمر هذا منهجًا للتعليم في حياة التابعين، عن أبي نضرة قال: "كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشي، ويخبران جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات". أخرجه ابن عساكر. وعن خالد بن دينار قال: "قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا". أخرجه اليبهقي. وعن عمر قال: "تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسًا خمسًا". أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.
الحكمة السابعة: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد:
إن هذا القرآن الذي نزل منجمًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من عشرين تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سُوَرَهُ فيجده مُحكم النسج، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يعهد له مثيل في كلام البشر: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير {هود: 1}، ولو كان هذا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات متعددة، ووقائع متتالية، وأحداث متعاقبة، لوقع فيه التفكك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا {النساء: 82}. هذا والله أعلم.