بسم الله الرحمن الرحيم
الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم {التغابن: 13- 18}.
تفسير الآيات:
قوله - تعالى -: الله لا إله إلا هو خبرٌ متضمن الأمر بالتوحيد، ومعنى الله لا إله إلا هو أي: لا معبود بحق إلا الله: وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ومن يتوكل على الله فهو حسبه {الطلاق: 3}، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال- يعني إذا خرج من بيته-: بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحيّ عنه الشيطان، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي": ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم {الممتحنة: 4} آمين.
يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، فليس كل الأولاد والأزواج أعداء، ولكن منهم أعداء، فخذوا حذركم، لا يشغلوكم عن ذكر الله، ولا يحضوكم على معصيته، كما قال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون {المنافقون: 9}. ولما أمر الله بالحذر من الأزواج والأولاد أرشد إلى العفْو والصفح لما يكون منهم من زلات، فقال: وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأله عن هذه الآية، فقال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعَوهُم، فلما أَتَوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية: وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم.
ثم كرر الله - تعالى - التحذير فقال: إنما أموالكم وأولادكم فتنة أي: اختبار من الله - تعالى - وابتلاء لخلقه: ليبلوكم أيكم أحسن عملا وليعلم من يطيعه ومن يعصيه.
عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجاء الحسنُ والحسين - رضي الله عنهما - عليهما قميصان أحمرانِ يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: "صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبرْ حتى قطعتُ حديثي ورفعتُهما".
وختام الآية: والله عنده أجر عظيم يُشعر بأن ما عند الله من الأجر والثواب خيرٌ من الأموال والأولاد، كما قال - تعالى -: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا {الكهف: 46}، وكما قال - تعالى -: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، ثم قال - تعالى -: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد، وقوله - تعالى -: فاتقوا الله ما استطعتم أي: جهدكم وطاقتكم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". وقد قال بعض المفسرين: إن هذه الآية ناسخةٌ للتي في "آل عمران"، وهي قوله - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، والراجح أنها ليست ناسخةً، ولكنها مفسرة، فمن اتقى الله قدر جُهده وطاقته فقد اتقى الله حق تقاته، وهكذا تختلف التقوى مِن واحدٍ لآخر، حسب جهدِ كلٍّ وطاقته. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه في حقّ التقوى: أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وقوله - تعالى -: واسمعوا وأطيعوا أي: كونوا منقادين لما يأمركم به الله ورسوله، اسمعوا وعوا واعملوا، وكونوا كما وصف الله عباده المؤمنين: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا، كونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن الخطب كثيرة، والمواعظ كثيرة، والدروس كثيرة، ولكن العمل قليل، والسببُ أن كثيرًا من الناس يسمعون للثقافة، يسمعون للتسلية، وليست عندهم نية العمل، والواجب على من يسمع أن يعمل، وإلا كان ما يسمعه من العلم حجةً عليه.
فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم أي: وابذلوا مما رزقكم الله على الفقراء والمساكين، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن الله إليكم، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا إن أنتم أنفقتم، ف أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. إن الشح داءٌ خطير، وشرٌّ مستطير، لا يجتمع والإيمان في قلب عبد أبدًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا". ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحذر أمته من الشح فيقول: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
لهذا كله قال - تعالى -: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ولذا كان السلف حريصين على السلامة من الشح، حتى قال أبو الهياج الأسدي: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلاً يقول: اللهم قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلتُ له، فقال: إني إذا وُقِيتُ شح نفسي لم أسرق ولم أزْن ولم أفعل. وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف. نسأل الله أن يقينا شح أنفسنا.
ثم تعود الآيات فتحثّ على الإنفاق في سبيل الله بطريقة أخرى، فتسمي الإنفاق قرضًا، وتعد بتضعيفه، فتقول: إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم أضعافًا كثيرة، بينتها آية البقرة، وهي قوله - تعالى -: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، ففي تسمية الله الإنفاق قرضًا حث للعباد على الإنفاق، وترغيب لهم فيه، فإن هذا المال الذي ينفقونه قرضٌ مردود بخلاف الصدقة، والذي يعد بالوفاء الله - سبحانه -، ومن أوفى بعهده من الله. وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فاستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يُقْرض غير عديم أو ظلوم". ومع الوعد بالتضعيف وعد آخر، وهو يغفر لكم ذنوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم، والله شكور، يجزي على القليل بالكثير، وهو - سبحانه - "حليم" يعفو ويغفر، ويتجاوز ويستر، ويمهل ولا يعجل، كما قال وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد.
والحمد لله رب العالمين.