بسم الله الرحمن الرحيم
- الرؤية تحولت من القضاة إلى المفتين في العصر الحديث.
- العالم الإسلامي يشترك في جزء من الليل مع مكة المكرمة، ولا بد من توحيد الرؤية.
- القاضي عبد الله بن لهيعة أول من سن الخروج لرؤية الهلال.
- إطلاق قمر صناعي إسلامي للأهلة تشارك في تمويله الدول الإسلامية لتوحيد بداية الشهور الهجرية.
جرت العادة منذ العصور الإسلامية الأولى على خروج المسلمين في آخر شهر شعبان لرؤية هلال رمضان، حيث إن رؤية الأهلة اعتبرها الفقهاء من فروض الكفاية، لما يترتب عليها من الأحكام الفقهية والشرعية، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بصوم رمضان إلا بعد رؤية هلاله على التحقيق، أو بشهادة الواحد العدل، فصامه مرة بشهادة أعرابي، ومرة بشهادة ابن عمر مكتفيًا بمجرد الإخبار. فعن ابن عمر – رضي الله عنهما - قال:"تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته؛ فصامه وأمر الناس بصيامه".
فإن لم ير الهلال، ولم يشهد أحد برؤيته أكمل شعبان ثلاثين يومًا ثم صام، وأمر الناس بالصوم، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فقال:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"[رواه البخاري ومسلم].
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول:"إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له".
موكب رؤية الهلال:
وقد جرت العادة في المدن الإسلامية على خروج القاضي لرؤية هلال رجب وما بعده احتياطا لشهر رمضان. قال الكندي: طلب الناس هلال شهر رمضان وابن لهيعة على القضاء؛ فلم يره أحد وأتى رجلان وزعما أنهما رأيا الهلال، فبعث بهما الأمير موسى بن علي بن رباح إلى ابن لهيعة؛ فسأل عن عدالتهما فلم يعرفا، واختلف الناس وشكوا، فلما كان العام المقبل خرج عبد الله بن لهيعة في نفر من أهل المسجد عرفوا بالصلاح؛ فطلبوا الهلال وكانوا يطلبونه بـ"الجيزة"، ثم تعدوا الجسر في زمن هشام بن أبي بكر البكري وطلبوا الهلال في جنان بن أبي جبيش.
وقد سن ابن لهيعة لمن بعده من القضاة هذه السنة الحسنة؛ فكانوا يخرجون إلى جامع (عبود) بسفح المقطم لترائي الهلال في شهري رجب وشعبان احتياطا لإثبات هلال رمضان. ولتحقيق هذا الغرض أعدت للقضاة دكة عرفت بـ"دكة القضاة"بجبل المقطم ترتفع عن المساجد يجلسون عليها لنظر الأهلة منها، وقد بُني في العهد الفاطمي مسجد مكان هذه الدكة.
الفاطميون وإبطال الرؤية:
ولم تستمر رؤية القضاة لهلال رمضان في العصر الفاطمي، حيث أبطل الخلفاء رؤية القاضي للهلال، وجعلوا الشهور الرمضانية شهرًا تسعة وعشرين يومًا، وشهرا ثلاثين؛ فإذا وقع رمضان في أحدهما أمضوه كما هو، وأصبح ركوب الخليفة الفاطمي أول رمضان يقوم مقام الرؤية عندهم، ولكن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أباح صوم رمضان بالرؤية لمن يريد، وقد ترك القضاة في العهود الأخيرة الخروج للرؤية، وتحول ذلك إلى المفتين الذين يقومون بهذه المهمة.
الرؤية في العصر الحديث:
وفى العصر الحديث تطورت وسائل رؤية الهلال تطورًا كبيرًا؛ فدخلت فيها المراصد والأقمار الصناعية، وفي كل عام يسعى العلماء لإضافة وسائل جديدة لرصد الهلال تسهل من الرؤية السليمة له لحظة ميلاده، وتذلل من الصعوبات الرئيسة التي تواجه عملية الاستطلاع، حيث يولد الهلال بجوار قرص الشمس، ويكون ضوؤه ضعيفًا خافتًا وتؤثر أشعة الشمس على ظهوره بوضوح في صفحة السماء، كما تؤثر عوامل التلوث بالغلاف الجوي على الرؤية العادية له، وهذا هو سبب اختلاف الرؤية من بلد لآخر.
ولإيجاد حل لهذه المشكلة تم مؤخرًا استخدام مجموعة جديدة من المناظير المحمولة والكاميرات السريعة الإلكترونية التي تعمل بالحاسب الآلي والكمبيوتر، وكاميرات رادار بالليزر لتتبع الأقمار الصناعية بسرعة فائقة لتوفير استطلاع دقيق للهلال.
توحيد رؤية الهلال:
ولقد تم الاتفاق في مؤتمر جدة عام 1998م بين علماء الإسلام على توحيد رؤية هلال رمضان بين جميع البلاد الإسلامية، خاصة وأن جميعها تشترك في جزء من الليل، على أن تتم هذه الرؤية على الأسس الشرعية المؤكدة بالأدلة البصرية، وجاء التأكيد على أن توحيد رؤية الهلال ويوم صوم المسلمين واجب شرعي، فلا يصح مطلقًا أن نختلف في عبادة دينية، خاصة وأن كل العالم الإسلامي يشترك في جزء من الليل مع مكة المكرمة، وبالتالي فلا بد من توحيد الرؤية.
وأفتى الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت - رحمه الله - بأنه إذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد إسلامي؛ فإنها تثبت في جميع البلاد الإسلامية. بمعنى أن ذلك يوجب الصيام على جميع المسلمين، وقد كان هذا الرأي الفقهي معمولاً به في الدولة العثمانية؛ فكانت تكفي إشارة واحدة من الأستانة بثبوت الرؤية أو عدمها فيعتمد ذلك في جمهرة البلاد الإسلامية، وهذا الرأي يجب أن يسير عليه المسلمون، فلا يختلفوا في أشياء تفرق وحدتهم وتمزق صفوفهم مع أن دينهم التوحيد، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة..
قمر صناعي للأهلة:
ومساهمة من مصر في تحقيق هذا الهدف الذي يوحد بداية الصوم بين المسلمين؛ يدرس مجلس بحوث الفضاء بأكاديمية البحث العلمي منذ سنوات مشروع إطلاق قمر صناعي إسلامي تشارك في تمويله الدول الإسلامية، بعد أن تم الاتفاق بينها على توحيد بداية الشهور الهجرية، وعدم اقتصارها على شهر رمضان وذي الحجة فقط؛ لأن فارق التوقيت بين جميع الدول الإسلامية لا يزيد على سبع ساعات، وتشترك جميعًا في جزء من الليل وبالتالي تصوم وتفطر معًا.
وتم في هذا الإطار إعداد تقويم فلكي ودليل عالمي متكامل للدول الإسلامية من إندونيسيا حتى المغرب، يضم 38 دولة، ويحدد ظروف وشكل الهلال وعمره وموقعه في السماء، وفترة بقائه في نهاية كل شهر عربي ومستوى رؤيته، وهو مفيد جدًا في استطلاع الهلال، ويجعل عملية الرؤية سليمة وغير مخالفة، فعملية استطلاع الهلال تتم في أوقات مختلفة في الدول الإسلامية لاختلاف التوقيت؛ فبعضها به نهار وآخر يكون ليلاً وتكون ظروف الرؤية في بعضها أفضل من الآخر، والبعض يستخدم وسائل متقدمة لرصد الهلال والآخر يستخدم وسائل تقليدية.