بسم الله الرحمن الرحيم
من المعلوم بل المعقول أن المال مال الله - تعالى -، وقد استخلف - سبحانه وتعالى - عباده فيه ليرى كيف يعملون..؟ وهو سائلهم عنه إذا وقفوا بين يديه، من أين جمعوه.. ؟ وفيم أنفقوه.. ؟ فمن جمعه من حله وأحسن الاستخلاف فيه فصرفه في طاعته ومرضاته أثيب على حسن التصرف فيه، ومن جمعه من حرام أو أساء الاستخلاف فيه فصرفه فيما لا يحل عوقب، وكان ذلك سببا في شقاوته؛ ولذلك فإن على المسلم أن يراعي محبوب الله - تعالى -في ماله إن هو أراد فلاحا في أخرته، فيوطن نفسه على ألا يرى من وجه رغب الإسلام في الإنفاق فيه إلا بادر بقدر استطاعته، وألا يرى من طريق حرم الإسلام النفقة فيه إلا توقف وامتنع، ومن أعظم ما شرع الله - تعالى -لعباده في شهر رمضان الصدقة والنفقة بإمداد المحتاج وإعانة الملهوف وسد خلة المسلمين وحاجتهم ومعونتهم، وقد جاءت نصوص كثيرة وفيرة وآثار عديدة تبين فضل الصدقة في سبيله وابتغاء مرضاته وإليك شيئا منها على سبيل الحصر.
1- إنّها رّحمة فيّاضة تدفع المسلمَ لإسداءِ المعروفِ وإغاثةِ الملهوف ومعاونةِ المحتاج والبرِّ بالفقراء والمساكينِ والعطفِ على الأراملِ ومسحِ دموعِ اليتامى والإحسانِ إليهم وإدخالِ السرور على نفوسهم {إِنَّ الْمُصَّدّقِينَ وَالْمُصَّدّقَـاتِ وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.
2- فيها حافز للمعطي فما أجمل وقع المتصدق وما أعمقُ شعوره وهو يُقرِضُ الغنيَّ الحميدَ، ويتعاملُ مع مالكِ الملك، وأنّ ما ينفِقه مُخْلَفٌ عليه مُضاعفًا، وله بعدَ ذلك كلِّه أجرٌ كريم؟!
{وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} و (ما مِن يومٍ يُصبح العبادُ فيه إلا ملكانِ ينزِلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعطِ منفِقًا خَلفًا، ويقول الآخر: اللهمّ أعطِ مُمسكًا تَلفًا) [أخرجه البخاري ومسلم].
3- أنها سببٌ لحبِّ الربّ (وما يزال عبدِي يتقرَّب إلي بالنّوافل حتّى أحبَّه) [أخرجه البخاري].
4- كفّارة للذّنوب والخطايا (فتنةُ الرّجلِ في أهلهِ وولدِه وجارِهِ تكفّرها الصّلاةُ والصّدقةُ والمعروف) [أخرجه البخاري].
5- إذا حشِر الناس يوم القيامةِ واشتدَّ الكربُ ودنَت الشّمسُ من رؤوس الخلائق؛ فإنّ المتصدّقين يتفيّؤونَ في ظلِّ العرش، وتسترُهم صدقاتُهم من لفْحِ جهنّم (سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلّه... - وذكر منهم - ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها، حتّى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينُه) [رواه البخاري].
6- تُربَّى لصاحبها حتى تكونَ كالجبل (من تصدَّق بعِدلِ تمرةٍ من كسبٍ طيّب، ولا يقبَل الله إلا الطيّب، وإنّ اللهَ يتقبّلها بيمينِه، ثمّ يربّيها لصاحبِها، كما يربّيِ أحدُكم فَلوَّه حتّى تكونَ مثلَ الجبل).
7- تطفِئ الخطيئةَ وغضَبَ الربّ (ألا أدلّك على أبوابِ الخيرِ؟! الصومُ جنّة، والصدقة تطفِئُ الخطيئةَ كما يطفِئُ الماءُ النّار) [أخرجه الترمذي وابنُ ماجه] وفي الحديثِ: (صدقةُ السّرّ تطفئ غضبَ الربّ) [أخرجه الطبرانيّ].
8- تقِي صاحبَها من النار، فعن عديّ بن حاتم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (اتّق النارَ ولو بشقِّ تمرة)، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل) [رواه الطبراني].
9- تطهِّر النفوسَ وتزكّيها {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا}.
10- في الصّدقة إدخالُ السرورِ على المساكين و (أفضل الأعمالِ أن تدخِلَ السرورَ على أخيك المؤمن، أو تقضيَ عنه دينًا، أو تطعِمه خبزًا) [أخرجه البخاري].
11- في الصدقةِ إرضاءُ اللهِ - تعالى -، النجاةُ من الهَلكة، تمامُ الإحسان {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
12- الصدقةُ تغيظ الشّيطانُ وتوجِب الغُفران {الشَّيْطَـانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}.
13- من آثارها العجيبةِ في الدّنيا ما رُوِي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: (بينا رجلٌ في فَلاةٍ من الأرض، فسمِع صوتًا في سحابةٍ: اسقِ حديقةَ فلان، فتنحّى ذلك السحاب، فأفرغَ ماءه في حَرَّة، فإذا شَرْجةٌ من تلك الشِّراج قد استوعَبَت ذلك الماءَ كلَّه، فتتبّع الماءَ، فإذا رجلٌ قائِمٌ في حديقتِه، يحوّل الماءَ بمِسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، بالاسم الذي سَمِع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لمَ تسألُني عن اسمي؟ فقال: إنّي سمعت صوتًا في السّحاب الذي هذا ماؤُه يقول: اسقِ حديقةَ فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذْ قلتَ هذا، فإنّي أنظُر إلى ما يخرُج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكلُ أنا وعيالي ثلثَه، وأردُّ فيها ثلثَه) [أخرجه مسلم].
14- تخلِّصُ المسلمَ من الشّحّ، إذ ليسَ من المروءَة في شيءٍ أن يرى الغنيُّ أخاه الفقير يتضوّرُ جوعًا وتفتِكُ به الحاجة، ثمّ لا تتحرّك مشاعرُه ولا تهتزّ عواطفُه لتخفيفِ ضائقةِ إخوانِه، ومِن أخلاقِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الجودُ والكرم، وقد كان يعطِي عطاءَ من لا يخشى الفقر، وكان ينادي بأبي وأمي - عليه الصلاة والسلام - قائلا: (أنفِق يُنفِق الله عليك).
15- تزيد المال ولا تنقصه، فهي سبب لزيادتِه ونمائِه وبركتِه، يَرزقُ الله المتصدّقَ ويجبره وينصره (ما نَقصت صدقةٌ من مال، وما زادَ الله عبدًا بعفوٍ إلاّ عِزّا، وما تواضَع أحدٌ لله إلاّ رفعه الله) [أخرجه مسلم].
16- الصدقة سببٌ في بَسطِ الرّزق وطول العمر، تدفَع البلاءَ والأمراضَ عن المتصدّق وأهلِ بيته، تمنَعُ ميتةَ السّوء ومصارعَ السوء، وقد روى أنسٌ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (باكِروا بالصّدقة، فإنّ البلاءَ لا يتخطّى الصّدقة) [رواه البيهقي].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (داوُوا مرضَاكم بالصّدقة) [أخرجه البيهقي].
وعن عمروٍ بنِ عوفٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ صدقةَ المسلمِ تزيد في العمُر، وتمنَعُ ميتةَ السوء، ويُذهِبُ الله بها الكبرَ والفقر) [رواه الطبرانيّ].
وقال: (صنائعُ المعروف تقِي مصارعَ السوءِ والآفاتِ والهَلَكات) [أخرجه الحاكم].
17- بالصّدقة يعين الله المتصدّقَ على الطاعة، يهيّئُ له طُرَقَ السّداد والرشاد، يذلِّل له سبلَ السعادة {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى}.
18- الصّدقة لها معنًى واسع، فهِي تشَمَل عملَ كلّ خير، إرشادُ الضالّ، إماطةُ الأذى، العدلُ بين اثنين، التبسّمٌ في وجه أخيك المسلم، غرسُ شجرة، تعليمُ علمٍ نافع، إصلاحُ ذات البَين، الكلمَةُ الطيّبة صدقة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (على كلّ مسلمٍ صدقة، فقالوا: يا نبيَّ الله، فمن لم نجد؟ قال: يعمل بيده فينفَعُ نفسَه ويتصدّق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجةِ الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمَل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ، فإنّها له صدقة) [أخرجه البخاري].
19- في بذلِ الصّدقاتِ وإيجادِ المشاريعِ الخيريّة علاجًا لمشكلةِ الفقر التي وضعَ الإسلام لها حلولاً، وجعَل البرَّ والإحسانَ من بين تلك الحلول، وهي علاجُ حسَدُ الفقراءِ للأغنياء، فتحمِي المجتمع بإذن الله من جرائمِ السّطوِ والانتقام، وقد حذّر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمّتَه من خطورةِ سلوكِ الفقير حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ الرجلَ إذا غرِم حدّث فكذَب ووَعد فأخلف) [رواه البخاريّ ومسلم].
20- وحتى تكون مقبولة مستوفية الشروط فلا بد من أن تكونَ من كسبٍ طيّب ومالٍ حلال {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـاتِ مَا كَسَبْتُمْ} فلا تُقبل الصدقة إذا كانت من حرام لحديث النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (من اكتسَب مالاً من مأَثَمٍ فوصَل به رحمَه أو تصدّق به أو أنفقَه في سبيل الله جُمع ذلك كلَّه، فقذِف به في جهنّم) [رواه أبو داود].
ولا بد أن تكونَ خالصةً لوجهِ الله - تعالى -، لا يشوبها رياءٌ ولا سمعة، وأن يوجِّه نيّتَه في الصّدقة إلى الله، وأن لا يستكثرَ بصدقته {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ}.