بسم الله الرحمن الرحيم
السنة أن يصلي المرء الصلوات المكتوبة، والجمعة، والقيام، والعيدين، في المسجد الذي يليه، ما لم تكن هناك علة مانعة عن ذلك.
والعلل الشرعية التي تخوِّل للمرء التحول إلى مسجد آخر غير المسجد المجاور ما يأتي:
أن يكون الإمام:
1. مرمياً ببدعة.
2. أو معلناً لفجور.
3. أولا يتم الركوع والسجود، ولا يطمئن في صلاته.
4. أو يلحن لحناً جلياً يغير المعنى.
5. أو أن يكون في المسجد قبر، سيما إلى جهة القبلة.
أما أن يهجر المسجد الذي يليه بحثاً عن الصوت الحسن، والخطب المؤثرة الرنانة، أوللاجتماع ببعض الأصدقاء، أو لعدم استلطاف الإمام مثلاً فهذا لا يجوز، وهو مخالف لما كان عليه السلف، وإليك الأدلة:
1. عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليصلِّ أحدُكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره".
وفي رواية: "ليصل الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتتبع المساجد".
قال المناوي - رحمه الله - في فيض القدير في بيان "ولا يتتبع المساجد": (أي لا يصلي في هذا مرة، وفي هذا مرة، على وجه التنقل فيها فإنها خلاف الأولى).
2. سداً لذريعة:
(1) هجر المسجد.
(2) وإيغار وإيحاش صدر الإمام.
(3) وتشجيع الآخرين على هجر المسجد.
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - تحت عنوان "اهتمام الشرع بسد الذرائع" بعد أن روى الحديث السابق: (وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يرمى ببدعة، أو يعلن فجوراً، فلا بأس بتخطيه إلى غيره).
3. ذكر ابن القيم - رحمه الله - عن محمد بن بحر قال: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في شهر رمضان وقد جاء فضل بن زياد القطان فصلى بأبي عبد الله التراويح، وكان حسن القراءة، فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد، فخرج أبو عبد الله فصعد درجة المسجد فنظر إلى الجمع، فقال: ما هذا؟ تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها؟ فصلى بهم ليالي ثم صرفه كراهية لما فيه، يعني من إخلاء المساجد، وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده).
يتجلى تخطي البعض للمساجد القريبة والهجرة إلى مساجد بعيدة في الجمع، وقيام رمضان على وجه الخصوص، سيما في مكة والمدينة حيث تجد كثيراً من مساجد الأحياء شبه مهجورة بحثاً عن الأصوات الحسنة، والقنوت المسجوع، غير مراعين لما يحدثه ذلك في نفوس بعض الأئمة، وعلى الرغم مما يجدونه من زحام يذهب بالاطمئنان والخشوع في الصلاة.
وأعجب من ذلك أن ينقل بعض الأئمة في الليلة الواحدة من ليالي العشر من رمضان من مسجد إلى مسجد، فيصلي في هذا ركعتين أو أربع، وفي ذاك ركعتين أو أربع، وهكذا.
وأخشى ما يخشاه الإنسان أن ينطبق على بعض الأئمة ما قاله الكمال بن الهمام الحنفي - رحمه الله -: (ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط، والمبالغة في الصياح، والانشغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به، فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري؛ ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك والتطريب إلا نوع لعب).
قال الشيخ بكر أبوزيد متع الله المسلمين بحياته موجهاً كلمة نصح للأئمة والمؤذنين، داعيهم فيها إلى: (التخلص من تقليد الأصوات، فلو يعلم الإمام مثلاً ما في ذلك من إثارة شعور المصلين وتحريك غرائزهم، بل وتأذيهم لخجل بعد السلام من الصلاة أن يستقبلهم، وفيهم من ينظر إليه نظر من يرثي حاله، وعليه فعلى من وفقه الله وتشرف بإمامة المصلين في أي بيت من بيوت الله - تعالى - والإمامة طريق إلى الجنة بإذنه - تعالى - أن يأخذ بآداب التلاوة من إرسال الصوت على ما يسر الله، بخشوع وحسن أداء، وتجويد غير متكلف).
ولا يرد على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا"، وقوله أيضاً: "حسنوا أصواتكم بالقرآن"، فهناك فرق بين تحسين الصوت وبين المبالغة في التمطيط ونحو ذلك.
والله الموفق للخيرات، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.