بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى:
الحمد لله بحمده نبدأ. وعليه نتوكل وإليه نلجأ. لا نسأل سواه ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. أحمد الله وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وأستعين به وأستنصره وأسأله اللطف في قضائه في جميع الشئون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شرفه وفضله وزينه وجمله واصطفاه واجتباه ووفقه وهداه فكان خيرة خلق الله. اللهم صل وسلم وبارك على رسول الله محمد خير عبادك وعلى آله وصحبه وكل مسلم آمن بآيات ربه ففاز بقربه وتمتع بحبه وسار على دربه إلى يوم الدين. أما بعد فأوصيكم وإياي عباد الله بتقوى الله وأحذركم ونفسي من عصيان الله ثم أستفتح بالذي هو خير. يروي الإمامان الجليلان البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات ".
عباد الله أيها المسلمون:
التولي يوم الزحف: هو الهروب من ساحة المعركة خنوعا ووهنا وجبنا وأنانية. وحبا لسلامة النفس من الموت. وغضا للطرف عن سلامة المؤمنين. وهو مصطلح مأخوذ من قوله - تعالى -(إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار). ومن ثم يكون التولي في يوم الزحف ـ في يوم الحرب ـ في يوم الجهاد. وهو كبيرة من أكبر الكبائر وعده النبي من الموبقات التي توبق صاحبها في النار.
والجهاد على أربعة مراتب: جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار وجهاد المنافقين. أما جهاد النفس: فيكون بتعلم الدين ثم بالعمل بعلوم الدين ثم بدعوة الغير إلى هذا الدين وذاك العمل ثم بالصبر وتحمل المشاق في سبيل ذلك. أما جهاد الشيطان: فيكون بجهاده في دفع الشبهات ودفع الشهوات. وصدق من قال:
وخالف النفس والشيطان واعصهما *** وإن هما محضاك النصح فاتهم
وأما جهاد المنافقين: فالأخص فيه اللسان وجهاد الكافرين: فالأخص فيه اليد. والجهاد إما واجب وجوب عين وإما واجب وجوب كفاية. الأصل أن الجهاد فرض كفاية على المسلمين وذلك إذا كان الكفار في ديارهم ونحن في ديارنا لم يحتلوا لنا أرضاً ولم يعتدوا لنا على موقع أو حق لنا واسمع لربك (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً). (التوبة: 122). ووجوب العين في حالات:
1ـ إذا حضر المكلف في الصف يتعين عليه الجهاد (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا) وقال (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار).
2ـ إذا حضر العدو إلى بلادنا سلمكم الله قال - تعالى -(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة).
3ـ إذا استنفر الحاكم شخصا يتعين عليه الجهاد لما روي الإمام البخاري - رحمه الله - ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذ استنفرتم فانفروا" أي إذا طلب منكم الخروج إلى الحرب فاخرجوا. ويقول الله - سبحانه -: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل).
4ـ إذا احتيج إلى ذلك الشخص ولا يسد أحد مسدَّه إلا هو.
ويجب الجهاد على المسلم الذكر العاقل البالغ الصحيح الذي لديه من الزاد ما يكفيه حتى يعود. المسلم فلا يجب على غير المسلم. الذكر فلا يجب على المرأة فقد روي البخاري - رحمه الله - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" ولا يمنع من خروجهن للتمريض ونحوه. العاقل فلا يجب على غير العاقل. الصحيح فلا يجب على المريض واسمع لربك (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله) [سورة التوبة: 91]. ويقول الله- تبارك وتعالى -: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) [سورة الفتح: 17]. البالغ فلا يجب على الصغير ولأنه عبادة، فلا يجب إلا على بالغ فقد روي الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: "عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني" أما عن إذن الوالدين فالجهاد الواجب لا يعتبر فيه إذن الوالدين أما جهاد التطوع فإنه لا بد من إذن الوالدين المسلمين الحرين أو إذن أحدهما روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: " الصلاة على وقتها. " قلت ثم أي؟ قال: "بر الوالدين. " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله". " وروى البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه عن ابن عمر: "جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاستأذنه في الجهاد. فقال: أحيٌ والداك؟ قال: نعم. قال: " ففيهما فجاهد". وفي كتاب شرعة الإسلام: " ولا يخرج إلى الجهاد إلا من كان فارغًا عن الأهل والأطفال وعن خدمة الوالدين، فإن ذلك مقدم على الجهاد، بل هو أفضل الجهاد".
والجهاد إذا وجب ينبغي فيه الثبات وعدم الفرار (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميع عليم. ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين. إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين) فقد نزلت هذه الآيات في نصح المؤمنين للثبات يوم بدر يوم الفرقان بين الحق والباطل يوم التقى الجمعان ورغم نزول الآيات بخصوص هذا اليوم إلا أنها عامة فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول علماء التفسير. فيكون الثبات سبب للنصر.
وللنصر عوامل أخرى: منها:
1ـ الإيمان بالله ظاهرا وباطنا وصدق الله (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).
2ـ والصبر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].
3ـ والإخلاص لله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7].
4ـ والإعداد المادي (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) [الأنفال: 60].
5ـ والائتلاف وعدم الاختلاف (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46].
6ـ والإقدام وعدم الإحجام (قالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة: 23].
7ـ والتوكل على الله والمشورة (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46].
أما التولي يوم الزحف فهو خنوع ووهن وسبب من أسباب الهزيمة وقد ذكر العلماء أنه على ثلاث حالات: يكون حراما: عندما يكون الفريقان متكافئان نظريا فيحرم التولي لأنه يحدث خللا في قوة المسلمين فيؤدي للهزيمة. وهذا هو النوع المقصود في حديث النبي والذي عده من الموبقات وفي ذلك وعيد شديد من رب العالمين قال فيه (فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) فمن فر فقد رجع بغضب من الله. ليس هذا فحسب بل ومأواه جهنم وبئس المصير نعم. و بئس المصير واسمع لربك (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً) [النساء: 56]. وروي الإمام الطبراني عن ثوبان مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف». ويكون مباحا: لأحد سببين أو كليهما وذلك في قوله - تعالى -(إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) فلا يجوز التولي يوم الزحف إلا بهذين الوضعين (متحرفا لقتال) أي يوهم العدو أنه يفر ثم يكر عليه وهذا مطلوب في الحرب فالحرب خدعة ومطلوب فيها المكر والحيل. أو متحيزا إلى فئة تعني أنه رأي ثغرا قد انفتح أمام الكفار فيفر من مكانه مسرعا إلى ذلك الثغر ليسده فهو ينتقل من مكان إلى مكان من أجل المصلحة (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) ففي هاتين الحالتين يكون التولي حلالا. وأما الحالة الثالثة: فتكون عندما يكون الفريقان غير متكافئين يرى بعض العلماء أن الفرار هنا حرام فلا يفر المجاهد مهما كانت النتيجة وذلك تفعيلا لقول الله (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) والبعض يرى جواز الفرار مستدلين بقوله - تعالى -(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وبما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنا في سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة فبتنا ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا!! فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل صلاة الغداة فخرج إلينا فقال من القوم؟! فقلنا نحن الفارون أو الفرارون فقال: لا، بل أنتم الكارون أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده - صلى الله عليه وسلم -. وقد سئل الإمام أحمد - رحمه الله - عن التولي يوم الزحف؟ فقال لا يفر الرجل من رجلين لكن من ثلاثة فلا بأس. فلا يجوز الفرار من مثليهم قال - تعالى -(إن يكن منكم مئة يغلبوا مئتين).
الخطبة الثانية:
بعض الناس يعد من قتل هلكة وهذا خطأ لأن المجاهد الذي يخرج من أجل الله إن مات مات شهيدا وإن عاد عاد بخير وغنيمة وصدق الله (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) والحسنيان هما النصر أو الشهادة ففي النصرة عزة الإسلام والمسلمين ورفع راية الإسلام عالية خفاقة وفي الشهادة منزلة من منازل الجنة (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَن)[آل عمران: 169]. وصح عن النبي "من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق"، فالجهاد لا يخطر على باله، وقد لا تتاح له الشهادة التي يتمناها فهذا خالد بن الوليد قال: شهدت مائة معركة في الجاهلية والإسلام وما في بدني إلا رمية بسهم أو طعنة برمح وأخيراً أموت على فراشي كما يموت العبيد فلا نامت أعين الجبناء. ويصح في ذلك ما روى الإمام مسلم - رحمه الله - "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه". فيستطيع أن يأخذ بنيته أجر الشهادة وأجر الجهاد. وهذا كله مشروط بإخلاص النية لله روى الإمام مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة، رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فماذا عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: جرئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار.