بسم الله الرحمن الرحيم
الإنسان المؤمن ليس عقلاً مجرداً..ولا كائناً جامداً..ولا تركيباً صامتاً.. إنه عقل وقلب، إيمان وعاطفة، قناعة وتأثر.. وفي ذلك سر من أسرار شرفه وكرامته، وتفانيه وتضحيته، ومن استطاع أن يسيطر على عواطفه وأشبع بها عقله.. استطاع أن يوجهه ويقوده ويأسره..
فأنت ترى أن الله - سبحانه -، وهو العليم الخبير، الذي يعلم خلقه تمام العلم ويعرفهم كامل المعرفة، لم يجعل صلة العبد المؤمن بربه صلة جامدة عقلية مجردة، ولم يجعلها كذلك قائمة على خضوع وقوانين ومحددات حسابية جافة، إنما هي صلة حب وتفان ورغبة، صلة تحمل على البكاء رغبة وشوقا.. وتحمل على بذل النفس حباً وكرامة.. قال الله تعالى: " قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" (التوبة: 24).
والمؤمن دائماً فقير إلى غذاء قلبه أكثر مما هو فقير إلى غذاء جسده، وهو محتاج دائما إلى أن يقضي شوقه، ويبث حنينه، ويعرب عن حبه..
وانظر إلى كيف يرغب القرآن والسنة في ارتياد الأماكن الطاهرة التي يذكر فيها المرء ربه، ويناجيه: فعند أصحاب السنن وصححه الألباني في الترغيب والترهيب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المسجد بيت كل تقي"، وفي صحيح مسلم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله "ورجل قلبه معلق بالمساجد".
يقول الغزالي: فالشوق إلى لقاء الله - عز وجل - يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة، والبيت مضاف إلى الله - عز وجل -، فالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلاً عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل".
ويقول: "ووضعه أي البيت على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق، شعثاً غبراً، متواضعين لرب العالمين، ومستكينين له، خضوعاً لجلاله واستكانة لعزته مع الاعتراف بتنزيهه وتقديسه - سبحانه -،..... لذا فقد وظف عليهم أعمالاً لا تأنس إليها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها العقول؛ كرمي الجمار بالأحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل تلك الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية.. "
لبيك بحجة حقاً.. تعبداً ورقاً...
يقول القاسمي: "إذا اقتضت حكمة الله تعالى ربط نجاة الخلق بالانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدى إلى معانيه كلها أبلغ في تزكية النفس إذ عليها فيه الانقياد والطاعة.. وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق".
لذا كان تعظيم شعائر الله تعالى بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميل العبودية فيها؛ يقول ابن القيم: "وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة [يعني: الكعبة] حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا" أخرجه ابن ماجه.
تسليم كامل.. وانقياد فياض:
إن المؤمن بحاجة دائماً إلى تذكير نفسه وترويض عقله على التسليم والانقياد.. كما قال - سبحانه -: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (النساء: 65).
والحج خير مثال لتحقيق هذا التسليم، فإنّ ذاك السفر وذاك التنقل بين الأماكن ثم الطواف حول البيت، ورمي الجمار، ثم الحلق.. والذبح وغيره.. كل ذلك نماذج تطبيقية للتحقيق العملي لمعنى التسليم حيث يقوم المؤمن بذلك في سعادة غامرة وإقبال فياض.
وانظر إلى عمـر وهو يتفهم هذا المعنى بجلاء، فيقول عن الحجـر الأسود: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك" أخرجه البخاري.
يقول الحافظ ابن حجر: "وفي قول عمر هذا التسليم للشارع فـي أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه" (فتح الباري).
ويقول ابن القيم: "إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، ولهذا لم يحك الله - سبحانه - عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها بها، ونهاها عنه، وبلغها عن ربها، بل انقادتْ، وسلمتْ، وأذعنت" (الصواعق المرسلة).
نهل بالتوحيد..
لقد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستهل المؤمن حجه بالتلبية رافعاً لواء التوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه راوي حديث حجة الوداع "ثم أهل يعنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد" رواه مسلم، ومن أجل التذكير بذلك وتحقيقه فقد شُرع للحاج أن يقرأ في ركعتي الطواف ـ بعد الفاتحة ـ بسورتي الإخلاص "قل هو الله أحد"، و"قل يا أيها الكافرون"، كما كان يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
كما شَرعَ له التهليل عند صعود الصفا والمروة كذلك بالتوحيد، بقول: «لا إله إلا الله، والله أكـبـر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».
وأن يقول يوم عرفه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير».