بسم الله الرحمن الرحيم
نقصد من هذا الكلام أن بعض الإخوة أحياناً يكون عندهم من الحرص على ضبط المذهب السلفي وتمييزه عن البدعة؛ فيضيقون المذهب الذي يسمونه مذهب السلف تضييقاً يوجب عدم إدخال كثير من سواد أهل السنة والجماعة فيه، ولذلك تجد أنهم يدخلون في مذهب السلف مسائل فرعية؛ مثلاً: يجعل أحدهم من سنن السلف أو من الصلاة السلفية: عدم وضع اليدين على الصدر بعد الركوع، وأن السنة السلفية السدل..فهذا غلط، هذه السنة لا يصح أن تضاف إلى السلف، نعم قال بها طوائف من السلف، فتضاف إلى أعيانهم، حتى ولو قيل: هو قول جمهورهم. أيضاً: مسألة زكاة حلي النساء، جمهور السلف من الفقهاء والمحدثين على أنه لا زكاة فيه، فلا يحق لأحد أن يقول: ومن الأحكام السلفية أن حلي النساء لا زكاة فيه، مع أن مالكاً و الشافعي و أحمد والجمهور من أهل الحديث لا يرون وجوب الزكاة فيه، إلا أن هناك مخالفاً وهو أبو حنيفة وخلق من الكوفيين بل وغير الكوفيين.فالمقصود: أن المسائل التي هي نزاع بين السلف إذا اجتهد مجتهد فرجح أحد القولين ونسبه إلى بعض أئمة السلف فهذا له، لكن لا يجعل هذا من الخصائص السلفية؛ فإن ذلك يلزم منه أن ذلك الإمام أو أولئك الأئمة المتقدمين لم يكونوا على جادة سلفية في هذا. إذاً: تحصيل مذهب السلف بالفهم لا يجوز، مثله من اجتهد بنظر معين في الفقه ورأى أن الطريقة الصواب في الفقه هي كذا وكذا، وبنى هذا الاجتهاد على الأدلة، ووضع لنفسه طريقة معينة في تحصيل الفقه -أي: الأحكام الفقهية- ثم قال: هذه هي الطريقة السلفية، وجعلها مكافئة للطريقة التي يسمونها الطريقة المذهبية. والسلف كما قلنا: هم الصحابة أو القرون الثلاثة الفاضلة ومن اقتدى بهم، فنجد أن هناك من يجتهد بطريقة فقهية معينة يجعل من يتبع هذه الطريقة سلفياً ومن يخالفها ليس سلفياً، وإن كان قد يقول بعضهم مثلاً: إنه ليس سلفياً في الفقه وإن كان سلفياً في العقيدة، وهذا التقسيم غلط؛ فإن مسائل السلف التي تضاف إليهم هي مسائل الإجماع. وهذه مسألة عني شيخ الإسلام بتقريرها، وعدم فهمها هو الذي أدى إلى انقسام السلفيين الآن، فبعض السلفيين في مصر لهم طريقة تجدهم يزيدون بعض القضايا تختلف عن أنصار السنة في السودان، وعن غيرهم من السلفيين في أهل الشام، هذه التجمعات السلفية التي أصبح كل واحد منها يدعي التمام؛ موجبها خصائص من الفهم مبنية على اجتهاد شرعي، ولكنهم جعلوها من الموجبات السلفية. والحق أن سائر الاجتهادات لا علاقة لها بمسألة التسمية السلفية، التسمية السلفية معتبرة بالعقائد والأصول، أما من خالف الاجتهاد فهو تحت حديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجر،... )، فهو في مسائل الاجتهاد الممكنة التي يدخلها التقدم والتأخر، وهذه الاجتهادات كاجتهادات المتقدمين في مسائل الفقه وغيرها. مع أنه من المعلوم أن هذه الطريقة التي تذكر أحياناً من أن فلاناً سلفي في العقيدة وليس سلفياً في الفقه، تقال فيمن انتسب لمذهب من المذاهب الأربعة، ولو أن شخصاً أراد أن يعكس المسألة لأمكنه أن يعكسها، فلو قال: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب؛ لما استطاع أحد أن ينكر عليه.. فهناك فرق بين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بإقرار التمذهب، وبين أن تقول: إن السنة السلفية مضت بقصده أو تشريعه أو الحث عليه، والذي نتكلم عنه هو الإقرار فقط. ووجه هذا الإقرار: أن التمذهب بمذاهب الفقهاء الأربعة بدأ من القرون المتقدمة، ولو أبعدت قلت: بدأ من القرن الرابع، مع أنه بدأ قبل ذلك، لكن انضبطت هذه المذاهب وبدأ الانتساب الصريح لها من القرن الرابع؛ بل من قبل، فالحقيقة أنه حتى في زمن التابعين قبل الأئمة الأربعة كان يعرف أن فلاناً له أصحاب، بل حتى الصحابة كان ابن مسعود له أصحاب ويرجحون قوله وينتصرون له؛ لأنهم رأوا أن منهجه هو الأقوى، وكان هناك أصحاب ينتسبون لفقه ابن عباس، فهذا لم يكن غريباً زمن السلف وما كان منكراً، ومما كان يعلم أن أتباع ابن مسعود كانوا يوافقونه على مسائل هي خلاف الدليل، كمسألة التطبيق، ومسألة إذا كان إماماً وائتم به اثنان وقف وسطهم. والمقصود من هذا: أن مسألة الأتباع والأصحاب مسألة معروفة، ثم انضبطت أكثر في المدارس الفقهية الأربع.. نعم هناك التعصب، لكن هذا التعصب مذموم؛ سواء كان لأحد الأمة الأربعة، أو كان لـأبي بكر أو كان لـعمر، أو كان لأي شخص لعينه، لأنه لا يجوز التعصب -أي: الاجتماع على قول واحد بإطلاق- إلا أن يكون الرسول - عليه الصلاة والسلام -. إذاً: من يحتج على إبطال التمذهب بكلام المتعصبين من الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة فهذا لا حجة فيه. البعض يقول: " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" [النساء: 59] هاتوا دليلاً يدل على جواز التمذهب. وهذا جهل؛ فإن العلم لا يناقش بهذا الأسلوب، هذه سطحية في العلم. " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ " [النساء: 59] لا جدل في هذه القاعدة، لكن كيف الرد إلى الله والرسول؟ هذا ليس من باب التعبد حتى تقول: هات لي دليلاً من القرآن والسنة يقول: تمذهب لـأحمد بن حنبل أو للشافعي. ولو رددنا هذه المسألة إلى الله والرسول، فلن نجد في القرآن أو في السنة دليلاً على منع الاقتداء بأولي العلم، لأن الله يقول: " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ " [النحل: 43] وإذا كان سؤالهم ممكناً، فهذا الاتباع هو من نفس هذه المادة: مادة السؤال.
التمذهب المحمود والتمذهب المذموم
حقيقة التمذهب: أنه من باب التراتيب العلمية، ليس من باب التعبد، من انتسب للإمام أحمد تعبداً؛ كما يفعل مثلاً بعض الشيعة وبعض الصوفية حين ينتسبون على جهة التعبد لأعيان؛ فهذا لا شك أنه بدعة، لكن من انتسب للإمام أحمد لأنه أخذ من علمه ما لم يأخذ من علم الشافعي، أو قرأ من كتبه ما لم يقرأه من كتب الشافعي، أو رأى أن الإمام أحمد أعلم بالسنن والآثار، أو رأى أنه أقرب. وآخر عرف من حال الشافعي وما عنده من الأخذ عن المحدثين والفقهاء وسعة علمه باللغة، فناسبه فقه الشافعي، ورأى بنظره أنه أقرب، فصار شافعياً، وصار هذا حنفياً، لأنه لم يلق المحدثين، إنما تقلد فقه أبي حنيفة كحال أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد كان على فقه أبي حنيفة، ولما لقي من لقي من أهل الحديث ترك كثيراً من قول أبي حنيفة. إذاً: المسألة مسألة تراتيب علمية، مثل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام -: (فإن يطيعوا أبا بكر و عمر يرشدوا)لماذا يطيعون أبا بكر و عمر؟ هل أبو بكر مشرع؟ لا، ولكن هذه تراتيب علمية: أن المفضول في العلم يقتدي بالفاضل، وإذا تعصب متعصب لـأحمد أو للشافعي قلنا: أخطأ، لكن أن يقال: إن السلفي هو الذي لا يتمذهب، فهذا ليس صحيح، وإلا للزم من كونك لا تقلد أحداً في مسألة، أن لا يكون لك سلف في كل المسائل، وهذه ليست طريقة السلف، الإمام أحمد يقول: لا تقل في مسألة إلا ولك فيها إمام، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك لعلهم اختلفوا. إذاً لا بد من هذا الاتباع، وهذا من سنن المرسلين: أن يقتدي المفضول بالفاضل. أما إذا صار التمذهب تعصباً أو صار الانتصار من أجله ليس من أجل الدليل، أو صار على جهة التعبد أو نحو ذلك.. فلا شك أن هذه موجبات يعلم بطلانها من الشريعة وهي من البدع المنكرة. إذاً: التمذهب فيه طرفان ووسط؛ فإذا غلا بعض المتمذهبين بتعصبهم للمذاهب، وصاروا يقلدون الأقوال ولا يعتبرون النظر في الدليل، وكان همهم الانتصار للمذهب، فهذا لا شك أنه بدعة وجدت في قرون من الأمة على يد بعض الفقهاء. وقد أنكره قوم ولا سيما من المعاصرين الذين بالغوا في رده وجعلوا السلفية مرتبطةً بعدمه، والحق أن المحققين من السلفيين كـابن عبد البر و شيخ الإسلام و ابن كثير ومن قبل هؤلاء أو من بعدهم، والمعاصرين الذين قرب عصرهم كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخ الدعوة، كل هؤلاء كانوا على التمذهب البعيد عن التعصب، إنما اختاروا أصولاً فقهيةً عند أحمد أو أصولاً عند الشافعي أو أصولاً عند أبي حنيفة. ولا أحد يجادل في أنك لو اخترت قول أبي حنيفة في مسألة لما أنكر عليك أحد، وإذا اختار أحد قول أبي حنيفة في ترجيح القياس على قول الصحابي.. هذه مسألة وهذه مسألة، فهو اختار اجتهادات أبي حنيفة؛ لأنه عند الأئمة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع عندهم حجة، بعد ذلك تأتي الأدلة المختلف فيها، هذه فيها تراتيب بينهم -أي: بين الأئمة الأربعة- فبعض الناس من الناظرين بحسب درجة نظره وقوته يقدم قول أحمد أو قول الشافعي أو قول أبي حنيفة، فهذا من تقليدهم في اجتهادهم كتقليدهم في آحاد فروع الشريعة. فالمقصود: أن التمذهب لا بد أن يكون القول فيه معتدلاً، لا يجوز الانتساب للمذاهب على التعصب، ولكن لا يجوز إنكار ذلك. وليس المقصود من هذا أن التمذهب سنة لازمة لا بد أن تبقى في المسلمين، بل ينبغي ذكر الاجتهاد، فالأمة الآن بحاجة إلى اجتهاد، لأن هناك مسائل نزلت لم يتكلم عنها الفقهاء من قبل، لكن المقصود أن الأمور تؤتى من أبواها، فتحصل الاجتهاد ليس بإنكار المذاهب، وتحصل السلفية ليس بإنكار المذاهب، فإن أئمة هؤلاء المذاهب هم أئمة السلف، وكثير من أتباعهم المحققين كانوا على عقيدة السلف، خاصة أن من ينكر هذا تجد أنه يأخذ بأقوال ابن حزم أو أقوال الشوكاني، فرجعوا إلى قول عالم من علماء السنة والجماعة على أحسن تقدير.